غواتيمالا: ريوس مونت يرحل عن عالمه

 

لم يتميّز عهد إيفرين ريوس مونت، ديكتاتور غواتيمالا السابق المتوفى فجر الأحد الماضي، بالطول، لا مقارنةً بغيره من تشكيلة الطغاة العسكر الذين حكموا أغلب أميركا اللاتينية خلال القرن السابق، ولا -طبعاً- مقارنةً بطغاة العالم العربي. إذ أنه بالكاد حكم غواتيمالا سبعة عشر شهراً بين نجاح الانقلاب الذي قاده في آذار عام 1982، ونجاح الانقلاب ضده في الثامن من آب 1983، في سياق حرب أهلية بين «الدولة» ومجموعات مسلّحة يسارية متنوعة، كانت قد بدأت مطلع الستينات ولم تضع أوزارها حتى أواسط التسعينات.

ستحفظ سجلات التاريخ لريوس مونت كونه أكثر طغاة تلك البقعة من العالم استغلالاً للوقت، فكمّية الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها نظامه خلال أقل من عام ونصف في الحكم وضعته بين متصدري لائحة الفظاعة في أميركا اللاتينية؛ وستحفظ له أيضاً أنه حطّم الأرقام القياسية للإجرام في بلده نفسه، إذ تَذكُرُ إحصائيات لجان الحقيقة أن أكثر من نصف انتهاكات حقوق الإنسان الموثّقة خلال ستة وثلاثين عاماً من الحرب الأهلية حصلت خلال السبعة عشر شهراً من حكم ريوس مونت.

اعتمد ريوس مونت، كالعادة، على خِطاب «إنهاء الفوضى والفساد والعنف» لشرعنة انقلابه العسكري، وشنّ حملات لتصفية كل أنواع المعارضة السياسية والنقابية والطلابية، وضد ناشطين في قواعد الكنيسة الكاثوليكية وسط تصعيد في المواجهة العسكرية مع الفصائل اليسارية. وشنّ حملة إبادة عنصرية ضد شعوب السكان الأصليين من المايا، والذين يشكّلون غالبية السكّان في غواتيمالا. لم يكتفِ ريوس مونت خلال فترة حكمه القصيرة بالتعاطي مع المايا، وخصوصاً شعب إشيل منهم، بصفتهم «حاضنة شعبية للمتمردين» فحسب، بل استخدم كل أنواع خِطاب الكراهية ضدهم لوصفهم بالتخلّف والعيش خارج الحضارة والعداء للدولة، ما شكّل غِطاءً إيديولوجياً وسياسياً لأفظع حملات إبادة السكان الأصليين منذ عصور الاستعمار الاسباني الأولى. قُتل أكثر من عشرة آلاف ضحية ضمن حملات تصفية شديدة الوقاحة في صراحة مقاصِدها، وتروي الوثائق والشهادات التي جمعتها لِجان تقصّي الحقائق تفاصيلاً مريعة عن تمثيلٍ ممنهج بالجثث، وشق بطون الحوامل واغتصاب الفتيات والنساء أمام ذويهنّ، وغيرها من عناصر كتالوغ الفظاعة. استهدفت الحملات العسكرية مئات التجمعات السكانية للمايا في البلاد، ونجحت في مسح نسبةٍ كبيرة من القرى والبلدات المستهدفة من الوجود.

لكن ريوس مونت ليس رمزاً للإجرام والفاشية فحسب، بل أيضاً نموذج لقصور آليات العدالة والمُحاسبة المحلّية والدولية، ما جعله رمزاً هزلياً للإفلات من العقوبة. لم يُنه نجاح الانقلاب العسكري عام 1983 ضدّه مسيرته، إذ تمكّن من البقاء على قيد الحياة شخصياً وسياسياً، مستفيداً من سياق العقد الأخير من الحرب الأهلية، وقيام نظام ديموقراطي برلماني اعتباراً من أواسط الثمانينات، نظامٌ كان في الواقع محاولةً لتجسيد معادلات «لا غالب ولا مغلوب» السياسية كمحاولة لإنهاء الحرب الأهلية المديدة، ما جعل سؤال المحاسبة غائباً بالكامل. أعاد ريوس مونت إنتاج نفسه كزعيم سياسي نهاية الثمانينات مع تأسيسه لحزب، الجبهة الجمهورية الغواتيماليّة، نجح سريعاً في تشكيل كتلة برلمانية وازنة، قادها كعضو في البرلمان ابتداءً من عام 1996، ونجح عام 2000 في الحصول على مقعد رئاسة المجلس التشريعي لنفسه، وعلى منصب رئاسة الدولة لألفونسو بورتيجو، مرشّح حزبه. ولم تتوقف طموحاته السياسية عند تحصين موقعه ضد أي إمكانية لفتح تحقيقات في الجرائم التي ارتكبها، وتشكيل وتعزيز شبكات الفساد والزبائنية المحيطة بحزبه وشخصياته، بل ترشّح بنفسه للرئاسة مجدداً عام 2004، دون أن يحظى بالفوز.

رغم بدء عمل لجان تقصي الحقائق، بغطاء من الأمم المتحدة، في غواتيمالا في النصف الثاني من التسعينات، إلا أن ريوس مونت لم يواجه تحدّياً قضائياً جدّياً إلا اعتباراً من عام 1999، حين قادت ريغوبيرتا مينشو، الناشطة الغواتيمالية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام عام 1992، الجهود لرفع دعوى قضائية ضدّه في إسبانيا، حيث كانت القوانين تمنح الأهلية للقضاء الإسباني لقبول دعاوي متعلّقة بالجرائم ضد الإنسانية وإرهاب الدولة والقرصنة دون أن تكون قد ارتُكبت في إسبانيا أو على يد إسبان أو ضحيتها إسبان في حال ثبت غياب الضمانات القانونية في مكان حصولها (قبل أن تُقيّد هذه المواد تدريجياً، خلال العقد الأخير، بشروط تعجيزية نتيجة ضغوطٍ إسرائيلية وأميركية، ثم صينية). أصدرَ القضاء الإسباني مذكرة توقيف دولية بحق ريوس مونت عام 2006، ما حاصره دولياً، وضاعف الضغوط على القضاء الغواتيمالي ليتحرّك بنفسه ضد الطاغية المجرم. أمام هذا الواقع، أعاد ريوس مونت ترشيح نفسه للانتخابات النيابية عام 2007، ونجح في تحصين نفسه حتى عام 2012، حين بدأ مثوله أمام القضاء بعد انتهاء حصانته النيابية ليواجه اتهامات بالإبادة والجرائم ضد الإنسانية. وفي العاشر من أيار 2013 صدر حكم بسجن ريوس مونت، الثمانيني العميق حينها، بالسجن ثمانين عاماً، ودخل السجن.. يومين!

لم يصمد الحكم ضد مونت أكثر من عشرة أيام، إذ أبطلته المحكمة الدستورية بحجج إجرائية كانت تجسيداً للتناقضات العميقة في الدولة الغواتيمالية، والنفوذ الهائل لقوى الأمر الواقع الاقتصادية والسياسية. ثم فشلت محاولة إعادة محاكمته عام 2015 بعد نجاحه في استصدار تقرير طبي شرعي يفيد بأنه «فقد الأهلية العقلية» نتيجة تقدّمه في السن.

توفي ريوس مونت في الأول من نيسان الحالي في بيته، وسط عائلته، بعد أن عاش طويلاً، 91 عاماً، قضى شطراً طويلاً منها في السلطة أو قريباً منها ومستفيداً من امتيازاتها. يتشابه في تلك السيرة مع زميله في الفظاعة أوغستو بينوشيه، طاغية التشيلي الذي فشلت المساعي الدولية في محاسبته، ومات مُحاطاً بالحصانة المحلّية. وحده بيديلا، طاغية الأرجنتين الأسبق، مات في زنزانة. للعقود التسعة من العمر «حتمية بيولوجية» لا مجال للتهرّب منها بسهولة الهروب من المحاسبة والعِقاب نفسها، وهذا مؤسف لريوس مونت، فالعالم الحالي، عالم «بشار الأسد باقٍ في الحكم»، هو عالم ريوس مونت وأمثاله أكثر من أيّ وقتٍ مضى.