غيلان جدّتي: الطيّب والشرير في الحكايات الشعبية الفلسطينية

 

جدّتي حاجِة امرأة قويّة وجبّارة، ولكنّ عالمها طافح بالخيال. يمكن أن تحدّثك عن الجنّ والغول والشياطين وكأنّها تتحدّث عن إحدى الجارات النمّامات. تجتمع مرّة في الأسبوع أو أكثر مع نساء القرية لسرد القصص والحكايات الشعبيّة. ساعات يسرقنها من يومهنّ الطويل والشاق للدخول في مغامرة التخييل والسرد الشفويّ. كانت الراوية النجمة في قريتنا (قرية المشهد) امرأة تُدعى رشيدة، تزوّجت ورحلت إلى قرية أخرى ولكنها في كل زيارة إلى أهلها تعقد جلسة طارئة ومكثّفة لسرد حكايات وخرافات سمعتها من محلّ سُكناها الجديد. لا تختلف الحكايات الشعبيّة كثيراً بين قرية وأخرى، ولكنّ المثير هو طريقة السرد. كانت رشيدة مختصّة في إضافة التوابل للقصص، تعرف كيف تُدْخلك إلى عالم الشخصيّات بصوتها وحركاتها وملامح وجهها المتغيّرة. القرى والأرياف بيئات خصبة لتوليد الحكايات الشعبيّة، أما المدن الكبيرة والمكتظة فليست ملهمة. لا أستطيع تخيّل غول ينام فوق أسطح البنايات العالية ويمشي على الرصيف ويقفز فوق الطرقات المعبّدة. جميع الجدّات الفلسطينيّات يروين الخرافات والحكايات ويصدّقنها أو يتظاهرن بتصديقها. أعتقد أنّهنّ يحمين أنفسهن من تشوّهات العالم وخرابه، ويُرِدن أن ينسين ولو لساعات ما عشنه من حرب وتهجير قسريّ وظلم واحتلال. لسنَ وحدهنّ في معركة إثبات الهويّة وحفظ الذاكرة الجماعيّة، فتدوين وتوثيق التراث الشفويّ سلاح العديد من الكاتبات والكتّاب ضدّ محاولات سلطة الاحتلال لطمس ما بقي لنا من فلسطين.

كبِرتُ وأنا أسمع من جدّتي حكايات عجائبيّة عن الغول الشرّير. غول يظهر من الجبال ومن الكهوف والمغارات. ضخم الجثّة، كثيف الشعر، أسنانه بارزة وحادّة، يأكل فقط الأطفال المشاغبين الذين لا ينامون باكراً ولا يشربون الحليب ولا يحترمون الكبار. يأكلهم ويظلّون في بطنه إلى أبد الآبدين. بطون الغيلان تحوي قبائل من الأطفال العُصاة. يُرافقني الغول إلى فراشي. تارةً أتخيّله جالساً فوق رفوف المكتبة يُدلدل قدميه، وتارة أخرى تحت السرير نائماً وطوراً داخل جيب البنطال المعلّق وراء الباب. كنتُ طفلة خوّافة وبقلب لبؤة في الوقت ذاته. أخاف من الغول ولكنّني أصرّ على أن تحكي لي جدّتي حكاياته ومغامراته، ولا أكتفي بذلك بل أطلب منها أن تحدّثني عن الثعابين الضخمة والوحوش الكاسرة. يجمع الغول بين صفات إنسانيّة وأخرى حيوانيّة، يتكلّم كالإنسان ويفترس الإنسان كالحيوان. بعض الغيلان تمتلك أجنحة تمكّنها من الطيران، وبعضها الآخر تمتلك أقداماً شبيهة بأقدام الحمير والعنزات. كانت الغيلان بالنسبة لنا نحن الأطفال حيوانات حقيقيّة تعيش بالقرب منّا، ولكنّها لا تخرج إلاّ في الليل. تفرض الجدّة شروطها لمقابلة الغول، وأهمّها أن نظلّ مؤدّبين ومؤدّبات. وعندما نحدّد موعداً معه ولا يأتي، يكون ذلك دليلاً صارخاً على أنّنا خرقنا بعض القواعد سرّاً. وهكذا يظلّ الكبار الذين يفهمون في كلّ شيء يتحكّمون في تصرّفاتنا.

ظلّ الغول الطيّب مغيَّباً من حكايات الجدّات حفاظاً على هيبة الغول الشّرير ووقاره. وبعد مرور 27 سنة، اكتشفت حضوره في العديد من الحكايات الشعبيّة. غول يحمل كلّ الصفات الخَلْقية لغول شرّير، ولكنّه حنون ويُساعد الأبطال المغاوير على تحقيق أهدافهم. مصاحبة الغول الطيّب لا تتطلّب جهداً شاقاً، إذ ليس على البطل سوى إلقاء السلام والاقتراب من الغول وقصّ شعره الكثيف الذي يحجب عنه الرؤية. يشعر الغول بالامتنان ويمدّ يد المساعدة فوراً مثلما حدث في حكاية «حبّ اللؤلؤيّة»، حيث قال الغول للبطل حسن بعد أن قصّ شعره: «لولا سلامك سبق كلامك، لأكلتك وقرقضت عظامك، خبّرني إيش مرادك؟».1 فيسمع الغول مراده ويرسله إلى أخيه الغول الذي بدوره يُرسله إلى أخته الغولة. التقرّب من الغولة يختلف عن التقرّب من الغول الذكر، فيجب على البطل أن يرضع من ثديها شرط أن يقترب منها وهي تطحن السكّر لا الملح. وصول البطل حسن في قصّة «حبّ اللؤلؤيّة» تصادف مع لحظة طحن الغولة للسكّر، فاقترب منها ورضع من ثديها، وتلقائياً ناداها «يا أمي الغولة». تدلّ الغولة ابنها الإنسيّ على كيفية الوصول إلى هدفه، فدائماً ما يقدّم الغول الطيّب النصيحة للبطل، أو يساعده في الانتقال السريع من مكان إلى آخر وينتظره حتى تنتهي مهمّته ليعيده إلى بيته. لا يستطيع البطل النجاح في مهمّته دون نصائح وتوجيهات الغول الطيّب. في قصص أخرى، كقصّة «حسد الأخوات»، كسبت الأخت الصغرى الغول إلى جانبها عن طريق ترتيب بيته، وفي كافّة القصص التي يُكسَب فيها الغول بهذه الطريقة تكون البطلة امرأة، وكأنّ النساء محكومات بالحفاظ على الأدوار الجندريّة البائسة حتّى في القصص والحكايات الخياليّة. يعطي الغول الذي كان يسكن البئر الأمان للأخت الصغرى بقوله: «إن كنتِ عجوزاً فأنتِ أمّي، وإن كنتِ شابة فأنتِ أختي، وإن كنتِ صغيرة فأنتِ ابنتي، اظهري وباني عليكِ أماني». يوفّر الغول لابنته الإنسيّة زواجاً معتبراً من الأمير. أما في حكاية «السّت تتر» التي تتشابه في مقدمتها مع الحكاية السابقة، فيُورِّث الغول ابنته الإنسيّة، التي نظّفت له بيته وعاشت معه، قدرته على السحر، فكانت السّت تتر تقول «تع يا فرن» فيأتيها الفرن، وهكذا مع بقيّة الجمادات.

أما الغول الشرّير الذي عرفناه وألفناه، فإنّ هدفه الأساسيّ في الحياة عرقلة مسار البطل. لا ينام ولا يهدأ له بال في حال لم يجد خطّة جهنّميّة لتفريق حبيبين أو زرع الفتنة بين أفراد عائلة سعيدة. قد يبدو غول الخرافات الشعبيّة الفلسطينيّة مملاً، وقد يبدو خياله قاصراً وشرّه محدوداً، لكنّه من لحمنا ودمنا ولا نعرف سواه ويجب أن نُجلّه ونرتعب منه ونحافظ على مكانته في عالم الأشرار. وطبعاً الغولة الشرّيرة حاضرة بكثافة في الحكايات؛ غولة بصفات حرباء، تغيّر شكلها متى احتاجت إلى ذلك وتتحدّث مع الجماد. يمكن أن تُجري محادثة طويلة مع كرسيّ أو مكنسة وتقحمها في خطّتها العبقريّة للإيقاع بالبطل وقتله. تستمدّ الحكايات الشعبيّة عناصر السرد من الواقع، ولعلّ السحر أحد الأركان الأساسيّة لإضفاء الطابع التشويقيّ والغرائبيّ على القصّة. تصل الغولة إلى غاياتها الخبيثة باستخدام السحر، ويصل الغول الشرّير إلى غاياته الخبيثة بالعقل والقوّة. جُهد مُعتبر في إعادة إنتاج الكليشيهات والأنماط السائدة. النساء شيطانات وساحرات وعاهرات حتّى في الحكايات الشعبيّة. على كلّ حال، لم نكن نعي هذه الأمور ونحن طفلات، وشخصيّاً كنت أرى في الغولة امرأة جبّارة وقادرة على فعل أي شيء، وكنت أعتبر السحر قدرة خارقة أهمّ من العضلات المفتولة وعقلانيّة الذكور المزعومة. أعتقد أنّه يجب إعادة الاعتبار لكلّ الساحرات المهمّشات اللاتي تجرّأن على اللاّهوت وعلى سلطة الرّجال وأعدمتهنّ كنائس أوروبا، وما زلن يُعدمن في اليوم آلاف المرّات في المخيال الشعبيّ.

يُسيطر الشرّ في بعض الحكايات على الشخصيّات نفسها. ففي حكاية «أم عوّاد والغولة» تترك أمّ عوّاد ابنها مع الغولة وتعود إلى بيت زوجها غير عابئة بمصير ذلك الطفل المسكين. لم يكن مسكيناً عندما سمعتُ الحكاية من جدّتي. لم أتعاطف معه إطلاقاً، لأنّ أكل الغيلان للأطفال صار أمراً عادياً وجزءاً من السرد. الحكايات الشعبيّة لا تحبّ الدراما كثيراً ولا تستدرّ عطف المستمعين والمستمعات. قتل الأطفال عاديّ وقتل النساء عاديّ وقتل الآباء عاديّ وقتل الحيوانات عاديّ. عالم شبيه بعالمنا الموحش هذا، لا نرى غير الدمار والخراب ولا نشمّ غير رائحة الموت.

هناك صياغات مختلفة للحكاية ذاتها، ولعلّ السمة البارزة هي إحالة الغول على التقاعد المبكّر وتعويضه بإنسان شرّير أو آخر طيّب. يذكّرني هذا الأمر باستخدامنا اليومي لوصف «غول» أو «غولة» عند الحديث عن كلّ شخص ظالم متجبّر، وقولنا «مغوّلة» عن كل امرأة تفرض كلمتها وقادرة على تجاوز صعاب الحياة. الإنسان الشرّير لاعب احتياط جيّد وورقة رابحة لتعويض الغول الأسطوريّ.

طبعاً النهايات سعيدة دائماً. ولا تتوقّعن أو تتوقّعوا أن يعود البطل الشهم المغوار إلى دياره منكسراً يجرّ أذيال الخيبة بعد رحلة طويلة وشاقّة في البراري البعيدة. سينتصر حتماً على الغول الشرّير، وسيطعنه بسيفه الخشبيّ طعنة واحدة فقط كي يموت، لأنّ طعنة أخرى إضافيّة ستُعيده إلى الحياة. غريب أمر هذا الغول في حكاية «بليبل الصيّاح». أمّا في حكايتَي «أمّ عوّاد والغولة» و«غولة شرق الأردن» فتُقتل الغولة بالزيت المغليّ، وفي «القرصة» تُحرَق في كومة من النار.

كنّا نهلّل لموت الغول الشرّير محاولين بذلك تجاوز مخاوفنا، ومنتظرين رؤيته بلهفة مَرَضيّة. الغول لا يأتي في مواعيده أبداً، انتظرته طويلاً وربّما ما أزال. نضجت قليلاً ولم أعد أحمّله ما لا طاقة له به، وصرت أعرف حدوده. المهمّ في كلّ هذا أنّني صدّقت ندم واعتذارات جدّتي حاجِة – وصدّقوني هذا اسمها الحقيقيّ – بسبب أجواء الرّعب اللّذيذة التي عشنا فيها. ندمتْ ندماً شديداً دفعها منذ قليل إلى أن تنهر ابن عمّي الصّغير قائلة: «إسّا بجيلك الغول بوكلك إذا بتضلّك تمصّ في إصبعك!».

أضحك وأسألها: «شو؟».

تُجيب: «للأمانة يعني بس وقت يعمل هالعملة بقلّه هيك».

  • 1. جميع الاقتباسات الواردة بين ظفرين في المقال مأخوذة من كتب خبّرني يا طير لنمر حجاب، وقول يا طير لشريف كنعانة وإبراهيم مهوّي، وحكايات شعبيّة من فلسطين لنمر سرحان.