فريدريك هوف للجمهورية: على المعارضة السورية مواصلة العملية السياسية

فريدريك هوف هو سفير أميركي سابق في سوريا، وكان المستشار الخاص بسوريا في الخارجية الأميركية خلال ولاية أوباما، قبل أن يستقيل في أيلول 2012 احتجاجاً على ما اعتبره تخاذل الإدارة عن القيام بشيء ما حيال الأهوال التي كانت تتوالى في البلاد. يعمل هوف حالياً مديراً لمركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في المجلس الأطلنطي في واشنطن.

في افتتاح سلسلة الحوارات الصوتية في الجمهورية، كان هذا الحوار الذي أجراه كرم نشار وأليكس راول مع السفير هوف عبر سكايب يوم 3/10/2017، ويقول فيه هوف إن إدارة ترامب ليس لديها استراتيجية متكاملة حول سوريا، وإن المسؤولين الأميركيين يعلقون آمالاً كاذبة على روسيا وتقاربها مع الرؤية الأميركية حيال الأسد. وهو يرى أنه على الرغم من كل ذلك، فإن على المعارضة السورية أن تنخرط في العمل الدبلوماسي مع موسكو، وربما حتى مع نظام الأسد نفسه.

لنبدأ من مدينة الرقة عاصمة ما يسمى بالخلافة. تشير التقارير إلى أنها أصبحت خالية من عناصر تنظيم الدولة بنسبة حوالي 90% الآن، أي باستثناء مساحات محدودة ما تزال في أيدي الجهاديين – على ما يبدو فقط مستشفى وملعب كرة قدم. على فرض أنه، في مرحلة ما من الأيام أو الأسابيع المقبلة، سيتحقق الانتصار لصالح القوات التي تخوض المعارك الآن بغطاء جوي أميركي، أي بطبيعة الحال قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ما أهمية هذا النصر برأيك، ومن سيحكم المدينة أو ما تبقى منها في نهاية المطاف؟

حسب ما أعلم قامت قسد بإنشاء مجلس مدني. سؤال ما إذا كانت هذه الهيئة قادرة على حيازة الشرعية وإدارة شؤون المدينة بالطريقة المناسبة ما يزال مفتوحاً. من الصعب جداً الآن توقع مسار الأمور.

ما أراه مفزعاً من الناحية التحليلية هو أن كبار العسكريين الأميركيين، أثناء محادثاتي معهم، هنا في واشنطن وفي أماكن أخرى، يجدون صعوبة في الإجابة على هذا السؤال. من وجهة نظري العسكرية كضابط سابق هذا لا يبشر بالخير؛ هذا مقلق إلى أقصى حد. هناك درس تعلمناه أول مرة في العراق وتكرر معنا في ليبيا، يتمثل بالضرورة القصوى للتخطيط المبكر وتأمين الاستقرار بعد انتهاء العمليات القتالية؛ التخطيط القابل للتعديل والتكيف مع المستجدات إذا لزم الأمر. لشدّ ما يفزعني الآن أن أسمع كبار الضباط يقولون إنهم بحاجة ماسّة إلى إرشادات من واشنطن – إرشادات حول السياسات، حول تأمين الاستقرار بعد انتهاء العمليات، حول قوات النظام شرق سوريا، حول الميليشيات الإيرانية… هذه الحملة جارية منذ ما يقارب الثلاث سنوات، وكان ينبغي حسم هذه الأمور منذ فترة طويلة، على الأقل على مستوى التخطيط.

هل ترى أن إدارة ترامب والجيش الأميركي يميلان حقاً إلى تسليم قسد زمام الأمور، بما في ذلك المناطق ذات الأغلبية العربية مثل الرقة نفسها؟

أظن أن الإدارة الحالية، وبالتأكيد القيادة العسكرية، يفترضان أن قسد تضم ما يكفي من العرب لحكم المناطق ذات الأغلبية العربية. هل هذا صحيح أم لا؛ هل ستحاول القيادة الكردية في قسد لعب دور مباشر في الحكم، لا أعرف. ما أظن أنني أعرفه هو أن هذه المسألة كانت من أهم دوافع قيادة قسد خلال السنة أو السنة والنصف الماضية للتوسع وضم المزيد من العناصر العربية، بالإضافة إلى حاجتها إلى فصائل إضافية تخوض معها المعارك.

إذا افترضنا أن قوات النظام السوري وروسيا ستحاول، بعد تحرير كل ما كانت تحتله داعش والقضاء على وجود التنظيم في سوريا، أن تهاجم قوات قسد، هل تعتقد أن لدى الولايات المتحدة تصوراً جاهزاً لاحتمالات رد الفعل على اشتباك كهذا بين قسد والنظام؟

كما تعلم لدينا ما يشبه عيّنة من هذا السيناريو قبل بضعة أشهر، عندما حاولت قوات محسوبة على نظام الأسد –أظن أنها ميليشيات إيرانية– الاشتباك مع قوات مدربة أميركياً، أعتقد على مقربة من التنف. وقتها جاء الرد الأميركي سريعاً.

لكن الآن في حالة حدوث تصعيد روسي من نوع ما، أو تدخل عسكري ضد قوات مدرّبة أميركياً، أعتقد أن هناك مخاطر إضافية ستترتب على ذلك، وهو ما يدفع الولايات المتحدة لنزع فتيل الصراع مع روسيا في تلك المنطقة.

مع ذلك أنا شخصياً أجد صعوبة في تصديق أن الولايات المتحدة ستقف مكتوفة الأيدي لا تلوي على شيء في حال تعرّض قوات مدرّبة ومجهّزة أميركاً لهجمات متواصلة.

في سياق متصل لكن إلى جنوب شرقي الرقة، حيث يتزايد الحديث مؤخراً عن معركة وشيكة ستدور رحاها في محافظة دير الزور، مرة أخرى بين قوات قسد المدعومة أميركياً من جهة، ونظام الأسد المدعوم من قبل الطيران الروسي والميليشيات الإيرانية من جهة أخرى. كتبت عن هذا منذ فترة؛ ما أهمية هذه المعركة برأيك، وكيف تتوقع أن تسير مجرياتها؟

بالنسبة لي تكمن أهمية المعركة في محاولة تأمين جزء على الأقل من الأراضي السورية، ومنع سقوطه وخضوعه المباشر لحكم الأطراف المسؤولة عن تدمير الدولة السورية، وعن صعود التطرف وتطييف النزاع في سوريا؛ أتكلم بالطبع عن نظام الأسد والميليشيات الإيرانية القادمة من شتى بقاع العالم بين أفغانستان والعراق ولبنان وغيرها.

شخصياً أعتقد أننا فقدنا فرصة حقيقية طوال العامين الماضيين. لقد وضعتُ كل ثقلي فيما يتعلق بالمعركة ضد داعش، موصياً الحكومة الأميركية باعتبار شرق سوريا منطقة حظر جوي أو منطقة محظورة على أي طرف، وبالعمل مع السكان المحليين والمعارضة السياسية على إنشاء هياكل إدارية تحل محل تنظيم الدولة. طبعاً ذهبت هذه التوصيات أدراج الرياح، لكن لم تتم الاستعاضة عنها بأي شيء. أنا مع هزيمة داعش طبعاً وقطعاً، هذا مفروغ منه، لكن المسألة أكبر من ذلك، وهي تتعلق بضمان عدم انبثاق داعش ثانية أو شيء من هذا القبيل. فالسماح بدخول قوات الأسد والميليشيات الإيرانية إلى المنطقة برأيي سيهيئ تربة خصبة لانبعاث مقاومة متطرفة جديدة في شرق سوريا.

هذا متعلق مباشرة بالسؤال التالي. إذا عدنا قليلاً إلى الوراء وتحدثنا عن السياسة الأميركية بشكل عام، كما تعلم هناك الآن على الأقل ثلاثة تفسيرات أو قراءات مختلفة لسياسات إدارة ترامب حيال سوريا. هناك من يعتبرها مجرد استمرار لسياسات أوباما، ما يعني أنه ليس لدى الإدارة الحالية مشكلة في تسليم الملف السوري إلى روسيا ومنحها حق تقرير مسارات التسوية السياسية؛ ثم لديك من يقول كلا، مسؤولو الإدارة الحالية أكثر تدخلية ولا يمكن أن يسمحوا لإيران بالسيطرة على سوريا، ما يعني أن هناك مقاربة مختلفة كلياً عن مقاربة أوباما وإن لم تكن معالمها قد توضّحت بشكل تام؛ وأخيراً لديك القراءة الثالثة، وهي تقول، ببساطة، ليس لدى إدارة ترامب أي فكرة على الإطلاق، ليس لديها أي خطة، وهي متخبطة تماماً فيما يتعلق بالخطوة التالية. ما رأيك؟

حسناً، بالعودة إلى السؤال الأول وشهادات كبار ضباط الجيش الأميركي، أعتقد أن من الواضح تماماً أنه ليس لدى إدارة ترامب أية استراتيجية متكاملة ومستندة إلى أهداف محددة… على الأقل حتى الآن.

ما أسمعه من كبار المسؤولين الأميركيين، ولا أتحدث فقط عن عسكريين بل عن جهات مدنية رفيعة المستوى، هو مجرد تعبيرات عن آمال وتوقّعات بأن يقوم الروس في نهاية المطاف بدور مفيد وبنّاء في سوريا. تستند هذه النظرة إلى فكرة أن بلاداً من الأطلال والحرائق، بلاداً مقسّمة ويساء حكمها من قبل الأسديين، يستحيل أن تكون مفيدة لروسيا بأي شكل من الأشكال، وبالتالي فإن روسيا ستدفع باتجاه إعادة إعمار واسعة النطاق، وستدرك عاجلاً أم آجلاً أن على نظام الأسد أن يتقاسم السلطة بشكل فعلي لكي يتمكن اللاعبون الدوليون، أي الذين لديهم موارد حقيقية؛ أموال حقيقية، من المشاركة عبر المنح والقروض والاستثمارات الرامية إلى إعادة بناء سوريا. هذا ما يقال في واشنطن طوال الوقت. لكن أعتقد أن للسيد بوتين رأياً في كل هذه المسائل، وأعتقد أن من الخطورة بمكان أن نفترض أن موسكو ستعمل وفقاً للتعريف الأميركي لما سيكون في صالح روسيا.

لكن ملاحظتي الرئيسية هي غياب أي استراتيجية واضحة مستندة إلى أهداف محددة. هناك الكثير من الأفكار الحالمة والمتأملة في أن يساعدنا الروس. أنا لدي سؤالان فقط للذين يفكرون بهذه الطريقة: أولاً هل هذا ما تريده روسيا حقاً؟ وثانياً إذا كانت روسيا تريده، فهل لديها القدرة على فرضه؟ لأن كياناً مثل نظام الأسد لا يصلح لتقاسم السلطة. تقاسم السلطة من وجهة نظر بشار الأسد وشركائه يعني التنازل عن السلطة، يعني التخلي عن السلطة، ويعني الانزلاق على منحدر سقوطهم بشكل نهائي؛ ولا أظن أنهم مخطئون.

تبدو نشوة النصر سائدة في دمشق الآن، والشعور بأن الحرب انتهت وأن نظام الأسد انتصر، وكما تعلم هناك بالفعل كلام من هذا النوع في لبنان أيضاً، ناهيك عن أنه في معظم المؤتمرات التي تعقد حول سوريا في المنطقة اليوم؛ لا أحد يعتبر الحديث عن الحرب والتسوية السياسية راهناً، والكل يريد الحديث عن إعادة الإعمار. هل ترى ذلك سابقاً لأوانه؟

أعتقدُ أن الحرب، بمعنى المقاومة المسلحة لمعارضين حقيقيين لنظام الأسد، وأنا بالتأكيد لا أعتبر داعش جزءً من ذلك؛ أعتقدُ أن هذه الحرب انتهت عملياً. الآن يجري حصر جبهة النصرة بمختلف تشكيلاتها وأسمائها في إدلب ويبدو أن هذا سيستمر لبعض الوقت. لكني أميّز بين مسألتين: انتهاء المقاومة المسلحة وهزيمة الثورة السورية برمّتها، فهذه الأخيرة لم تنتهِ بعد. الأسديون سيحكمون سوريا فقط ما دام الروس والإيرانيون يحملونهم على ظهورهم. النظام مستنزف؛ النظام منقسم على نفسه؛ النظام أساساً عديم الفائدة في كل ما يتعلق بالحكم الفعّال لسوريا والإشراف الفعّال على شؤون إعادة الإعمار. من المفهوم تماماً بالنسبة لي أن يشعر جميع السوريين من مختلف الأطياف بالاستنزاف، فقد أجهز عليهم هذا النظام بشكل ممنهج، وقد انجرفت الكثير من فصائل المقاومة المسلحة باتجاه طائفي، وهو أمر أكثر من مؤسف؛ أعتقد أن معظم السوريين يرغبون بشدّة في وقف ذلك كله. لكني أشك أن عموم السوريين تخلّوا عن أهداف الحكم الذاتي، وهو ما قامت كل هذه الانتفاضة من أجله، وأنا لا أعتقد أن الأسد، ولا الروس، ولا الإيرانيين، ولا كلهم مجتمعين سيقضون على ذلك.

ذكرت إدلب قبل قليل. يبدو واضحاً أن هناك استراتيجية واعية من جانب النظام وحلفائه، تقوم على التشريد والتهجير القسري وغير ذلك، وتسعى لحصر جميع من تبقى من المقاتلين في إدلب، ومعظمهم كما تقول من عتاة الجهاديين. لكن ما هي الغاية من ذلك؟ من المؤكد أنه لا تسوية سياسية مع جبهة النصرة. هل تنطوي الخطة على حرب إبادة على طريقة ما جرى في حلب؟ لكن إبادة مهولة على هذا المستوى؟ حتى ذلك لا يبدو ممكناً.

أكثر ما أخشاه… حسناً، ليست لدي عصا سحرية ولا أعتقد أن هناك إجابة على هذا السؤال. أعتقد أن معظم المدنيين المقيمين تحت سيطرة القاعدة في إدلب وريفها غير سعيدين بما يحدث. مع ذلك فإن أكثر ما أخشاه، في حالة اتساع نطاق العنف هناك، أن تكون السمة الطاغية لهذا العنف غارات جوية تقوم فيها طائرات النظام وروسيا بالقصف المتعمد للمرافق المدنية؛ للمستشفيات والعيادات والمدارس والمساجد. تعلمان طبعاً المستويات القياسية التي بلغها النظام والروس في معركة حلب، مستخدمين استراتيجية عسكرية قائمة أساساً على إرهاب المدنيين. آمل أن تتغير هذه المقاربة [العسكرية في إدلب] لكني أشك باحتمال ذلك.

لو تسترسل أكثر في التمييز الذي أشرت إليه بين انتهاء النزاع المسلح وعدم انتهاء الثورة السورية. نودّ سؤالك عن المعنى السياسي لذلك. ما الذي تقترح أن تفعله المعارضة السورية المعتدلة، تحديداً الهيئة العليا للمفاوضات؟ فكما تذكر كان السفير فورد مثلاً قد أعلن بشكل صارخ للغاية أن نظام الأسد انتصر وأن على المعارضة السورية أن تذهب، رغم كل شيء، إلى طاولة المفاوضات، وأن تقبل أي شيء قد يقدمه الروس، ربما بعض المناصب في حكومة انتقالية برئاسة الأسد، مع الموافقة على حق الأسد في الترشح للانتخابات المقبلة. بالنظر إلى إشارتك إلى عدم انتهاء الثورة، وإلى رغبة الأميركيين في أن يعود الروس إلى رشدهم وأن يفهموا أن نظام الأسد عاجز عن تقاسم السلطة فعلياً، ما هي نصيحتك للمعارضة السورية على المستوى السياسي؟ وحسب كلامك هل تختلف مع ما أعلنه السفير فورد؟

لا، ليس لدي خلاف جوهري مع روبرت فورد. أظن أن روبرت حين قال أشياء من قبيل أن الأسد انتصر كان يعبّر عن مترتّبات الوضع العسكري، أي أن الوضع العسكري أدى إلى وضع دبلوماسي جعل توقعات الانتقال السياسي أيام جنيف 2012 من المستحيلات في ظل الظروف الحالية. أعتقد أن ما يهم هنا هو التمعّن في أن ملايين السوريين جربوا في سياق هذه الانتفاضة الحكم الذاتي لأول مرة في حياتهم. لقد عملت المجالس المحلية ومنظمات المجتمع المدني في أحلك الظروف؛ تحت البراميل المتفجرة والذخائر الموجّهة وضربات المدافع وغاز السارين وكل ما كان يقصفه النظام وحلفاؤه. تلك التجربة لن تغيب عن أذهان الناس. أما فيما يتعلق بالهيئة العليا فهي بحاجة بكل تأكيد لمواصلة العمل مع الأمم المتحدة وغيرها من الأطراف في جنيف. وأعتقد أن عليها أن تكون منفتحة على مباحثات مع نظام الأسد. لكن لنتذكر أن نظام الأسد هو من كان يرفض باستمرار أي تواصل دبلوماسي مباشر في جنيف؛ وليس المعارضة. أعتقد أن على المعارضة أن تكون مستعدة لمختلف الاحتمالات، وبرأيي عليها أن تتشاور مع نظرائها في القاهرة وموسكو، وأن تعطي هؤلاء النظراء فرصة –ولا سيما جناح المعارضة المقربة من موسكو– ليشرحوا رؤيتهم حول إمكانية نجاح تقاسم السلطة؛ وحول إمكانية وقوف الجمهورية على قدميها، بمعنى قيام حكم لائق، مع بقاء بشار الأسد رئيساً للبلاد. أعتقد أن هذه هي العقبة الكبرى.

وكما تعلمان لا ينقص بشار الأسد محلّلون يقدّمون وصفات جاهزة حول ما يجب عليه القيام به: عليه أن يتقاسم السلطة ضمن حكومة وحدة وطنية بصلاحيات واسعة في دمشق؛ عليه أن يسمح بحكم محلي بصلاحيات كبيرة في مختلف أنحاء سوريا… الجميع يقول لبشار ما يجب عليه القيام به، لكن للأسف حين ينظر المرء إلى نظام كهذا لا يجد أشخاصاً مستعدّين لتقاسم السلطة مع أي طرف. ستكون هذه مشكلة مستمرة.

سؤالٌ آخر حول هذه النقطة. بصراحة، كثير من السوريين الذين نتحدث معهم، وكثيرون من ذوي التوجهات الديموقراطية والليبرالية في الائتلاف في اسطنبول، سيقفون بشراسة ضد مشاركة المعارضة في جنيف. سيقولون: إذا فقدنا المعركة العسكرية فعلى الأقل لم نفقد المعركة الأخلاقية أو السياسية؛ معركة أن الأسد رئيس غير شرعي، أن الأسد مجرم حرب، أن الأسد ارتكب جرائم ضد الإنسانية؛ وسيقولون: إذا قبِلنا بعد سبع سنوات أن نكون جزءً من حكومة انتقالية هو على رأسها، ومع بقاء أجهزة مخابراته على حالها، فسنضحّي بآخر ما تبقى لنا، وهو سردية أن هذا الرجل مجرم حرب؛ وأنه حتى لو انتصر في المعركة فسنواصل الكفاح ضده ولن نقبل أبداً أن نوقّع على انتصاره؛ وأنه سيبقى غير شرعي بالنسبة لأي معارضة ديموقراطية. فإذا لم تقم المعارضة بذلك سينتهي تماماً احتمال توحيد السوريين –سواء في الشتات أو في الداخل– وراء قيادة ديموقراطية، في حين سيميل السوريون الثكالى أكثر فأكثر نحو الأصوات المتطرفة التي، رغم كل شيء، ما تزال تقاتل الأسد.

نعم، أنا معك وأفهم هذا المنطق جيداً. حين أَقترحُ على المعارضة المشاركة في جنيف، والمشاركة الكاملة، فأنا لا أعني أن على المعارضة أن تقبل في نهاية المطاف بصفقة سياسية تترك بشار الأسد والمخابرات الجوية والشبيحة وسائر تشكيلة مجرمي الحرب في السلطة مع مباركة من الهيئة العليا للمفاوضات. أنا لا أدعو لذلك على الإطلاق. وأعتقد أن على المعارضة، في عملها في جنيف، وفي علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة والدول المحورية الأخرى مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها، عليها أن تصرّ باستمرار على المحاسبة الكاملة والعدالة القصوى، تمام؟

لكن لأكن صريحاً معك. ما أخشاه هو أن تقرّر المعارضة الاختفاء في هذه المرحلة وتقول لنفسها «يسقط كل شيء ولتذهب جنيف إلى الجحيم». لن ينجح ذلك سوى في تشجيع القوى الأوروبية وغير الأوروبية على أن تقول «حسناً، لقد انتهى كل شيء فعلاً، هيا بنا نعيد فتح السفارات في دمشق ونعمل مع بشار وعائلته مجدداً… لا بأس حتى لو تمت سرقة نسبة من الأموال التي نرسلها لإعادة الإعمار، على الأقل بشار قادر على المحافظة على الهدوء في تلك المنطقة». أنا أخشى من مغادرة فئات المعارضة السورية الأكثر مسؤولية وامتلاكاً للحلول من المسيرة التي ترعاها الأمم المتحدة وغيرها، ما سيفسح المجال لأولئك العدميين الذين لن يجدوا حرجاً على الإطلاق في إقامة علاقات كاملة مع نظام الأسد.