في ألّا يهزمنا التحليل أيضاً

 

لا مفرَّ من أن تتكاثف خلال أيام الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة نقاشات كثيرة في تحليل الواقع وفهم أسبابه، بعضها يتكاثف في حضوره، وبعضها الآخر يتكاثف كَبتُه في النفوس، أو في «الحلقات الآمنة»، خشية أن يُساء فهمه، أو خوفاً من أن يُفهَم بشكل صحيح، لكن من قبل جمهورٍ مُتخيَّل تساهم وسائل التواصل الاجتماعي في تخيُّله جمهوراً متربِّصاً للنهش على الدوام. ليس في تحليل هزيمةٍ ما يسرّ الخاطر، هذا على فرض وجود إجماع على تقبّل فكرة «الهزيمة»، وليس ذلك فقط بسبب المحتوى الذي يتم نقاشه وتحليله، بل غالباً بسبب كيفية النقاش، وأسئلة ترتيب الأسباب والمسؤوليات، وأسئلة صيانة الكرامات واحترام التضحيات. وتتوزع المواقف والنقاشات في الأوساط المنحازة للثورة السورية على طيف واسع وشديد التنوع، لكنّ هناك كتلتين أساسيتين، تبدوان متناقضتين للوهلة الأولى، كثيراً ما تتصارعان بشكل صاخب أحياناً أو مكتوم غالباً، وتُشكِّلان معاً ما نعتقد أنه جو غير صحي ولا مُنتِج بين أقطاب متنافرة، نختزلها هنا ببعض المبالغة: كتلة أولى تقول بضرورة القسوة في تبيان الواقع وتحليل أسبابه، وضرورة عدم المكابرة على رؤية البشاعة التي خرجت منا، ورفض ربْط أسبابها بالأسدية وحدها، مع التأكيد على أن إطار الثورة لم يعد يعني إلا شعارات أقلّوية وغيبيّة الطابع لدى حطام منفيّ من السياسة، وأن رفع عذابات وتضحيات ملايين السوريين خلال الثورة في وجه «الحقيقة» ليس إلا ابتزازاً قصدُه إسكات قسوة الوقائع بقوة الأوهام؛ يقابل هذه الكتلة قول آخر، يرى في الثورة السورية قيمة غير قابلة للهزيمة، أو على الأقل غير قابلة للمحو بفعل الهزيمة، بغض النظر عن الواقع البشري والميداني، مع التأكيد على أن عذابات الناس وتضحياتهم تعني الكثير، وأن على هذا المعنى أن يُصان من السينيكية والتبرّؤ، ومن الهرب من أوحال الواقع نحو تحليل نظيف يحفظ لنفسه مسافة آمنة عن الدم. بالغنا في إظهار حدّية الكتلتين وتناقُضهما، قاصدين أن تكون هذه المبالغة مدخلاً إلى سطور ندافع فيها عن صلاحية عناصر من الكتلتين لتشكيل خطاب عابر لما نراه تناقضاً غير حتمي، خطاب قادر على إنشاء تحليل غير متجرد من دماء الواقع، يصون كرامات وتضحيات وعذابات ملايين البشر، دون أن يعني ذلك تكبيلاً بشعارات وغيبيّات من أي نوع.

* * * * *

لقد بيّنت هذه السنوات العشر مدى هشاشة الكيان السوري وتهافُت فكرته ومقولاته. لا تبدو سوريا اليوم فكرة مقنعة أو قابلة للدفاع الجدي عنها. حتى إن الوطنية السورية تكاد لا تشغل حيزاً ذا بال في المزاعم النظرية للقوى التي تتنازع السيطرة على أرضها، اللهم إلّا في بعض الشعارات الفارغة، أو الديباجات التي يتطلبها إصدار البيانات الرسمية. وجميع هذه القوى، دون استثناء، أظهرت استعدادات هائلة للتبعية لقوى خارجية ودول أخرى، وصولاً إلى الارتزاق والاستزلام الكاملين، دون أن يشعر أصحابها أنهم محتاجون حتى لتبرير أنفسهم تجاه «سوريا» التي يقولون إنهم يعملون لأجلها ودفاعاً عن أهلها. تشهد على ذلك صور فلاديمير بوتين وعلي خامنئي ورجب طيب أردوغان وعبد الله أوجلان، وتشهد على ذلك الخطابات السياسية للجميع، ودون استثناء أيضاً. إن خطاب التطيُّر من حدود هذا البلد وكيانيّته، والبحث دوماً عن تجاوزه نحو «أكبر» مرجوّ - «الوطن العربي» غالباً، واستعادة «أمة إسلامية» ما أحياناً - هيمن على عقود طويلة من التاريخ القصير لهذا البلد. وقد أُضيفت إلى هذا الخطاب نزعات انفصالية عند جزء من الطيف السياسي الكردي، يسعى لأخذ أجزاء منه بهدف إلحاقها بكردستان - مرجوّة هي الأخرى - و«هُلام» عمشاتي نشأ في الأعوام الأخيرة في مناطق السيطرة التركية في الشمال، وهو ضرب من الشمال-قبرصية المسخة، مُسرف في التعبير عن الالتحاق بالأردوغانية عبر سيل من الرمزيات التركية، الإسلامية المحافظة والقومية المتطرفة، ومهجوس بالتعبير عن سروره بل وحتى فخره بهذا الالتحاق. ليس للمدافعين عن الخارطة السورية الحالية، على مختلف تلاوينهم، الكثير من الحيلة. وبدورهم لم يتمكن خصوم سوريا الحالية من تقديم ما يُثبت أن لديهم بديلاً أقلَّ سوءاً. نحن مُجبَرون على العيش معاً، أقله حتى إشعار آخر، ولن يكون تغيير ذلك ممكناً دون جولة أخرى من بحار الدماء، وجولة أخرى من الاستباحة الدولية التي، وإن مزّقت البلد بشراهة كأمر واقع، إلا أنها لم تُبدِ حماساً للتقسيم الفعلي أو الإلحاق القانوني، أقلّه حتى اللحظة. ليس لدينا قوة سياسية نافذة تحمل في جعبتها ما يجعلنا نعيش معاً بسلام وفي مساحات مفتوحة على احتمال التقدّم، ولا يمكن لهذه القوة السياسية أن توجد دون أن تطالب جذرياً برحيل النظام الأسدي. نعم، لقد أكملت أحداث السنوات الماضية، مع سلوك القوى التي سيطرت على مناطق خرجت عن سيطرة النظام، التأكيدَ على أن رحيل النظام الأسدي لا يعني حتماً مستقبلاً أفضل للبلد وأهله. لكنها أكّدت أيضاً أنّه لا إمكانية للتفكير بسوريا دون رحيل النظام الأسدي. 

وقد أظهر سوريون كثيرون خلال هذه السنوات العشر ضروباً هائلة من الوحشية، حتى باتت سوريا أرضاً للإفلات من العقاب، يجول في أنحائها مجرمون ارتكبوا شتّى أنواع الفظائع، وعلى رأسهم الأسديون الذين ارتكبوا مذابح جماعية وجرائم تغييب وتهجير وأعمال إبادة بمختلف صنوف الأسلحة، ويُديرون مصانع رهيبة للتعذيب والقتل في مراكز الاعتقال التابعة لهم. ليس الأسديين فقط، فقد ارتكبت القوى الأخرى كلّها أعمالاً مروِّعة لا تختلف عن أعمال الأسدية في النوع، وإن اختلفت عنها في الكم والمنهجية والتواتر. فقط بعض فصائل المعارضة ليس في سجلّها جرائم ممنهجة ضد الإنسانية، لكن هذه باتت من الماضي اليوم، بعد أن تم القضاء عليها وحلُّها أو إلحاقها وإدماجها بفصائل أو تكتّلات أخرى لديها - أو لدى أركان أساسية فيها - سجلّ مروِّع. وما زال هذا الانكباب على التوحش بحاجة إلى كثير من التحليل والعمل على الفهم؛ كيف يحصل؟ ولماذا يحصل؟ وكيف يمكن التعايش مع حصوله؟ وكيف يمكن العمل من أجل حماية ضحاياه قدر الإمكان؟ وكيف يمكن وقفه؟ وكيف لا يتكرر، حين يمكن وقفه؟ 

وقد غرقت سوريا في الأقلمة والتدويل، حتى أن مصيرها لم يعد شأناً سورياً. تعرف جميع القوى السورية اليوم أن استمرارها رهن بدعم يأتيها من خارج الحدود، فيما تستخدم الدول الأخرى والقوى الخارجية الأرض السورية وسكّان الأرض السورية في مشاريعها وصراعاتها وتنافسها على النفوذ. إن جميع السوريين - الموالين والمعارضين وغير المصطفّين سياسياً - ينتظرون حلاً من الخارج، ولا أحد يراهن على أي شيء أو قوة أو فعل يأتي من داخل البلد. هذه حقيقة لا تُخطئها عين، وهي تعني أن الصراع في سوريا لم يعد صراعاً سورياً، وأن سوريا لم يعد لها وجود بالمعنى الجيوسياسي، دون أن يعني هذا القول أن هذه «حرب الآخرين على أرضنا» بغية إعفاء النفس من المسؤولية. ليست هذه حرب الآخرين على أرض السوريين، بل هي حرب السوريين وقد فقدوا سيطرتهم عليها وعلى مآلاتها ونتائجها، وباتت حرب الآخرين بقدر ما هي حربهم، وربما أكثر. ولا ينبغي لخوفنا من أن نبدو لوّامين لـ«الأجانب»، دون «السوريين»، أن يمنعنا من القول إن حرب الآخرين قد أضفت على «حرب السوريين» أكثر عناصرها عبثية وتوحشاً. بشار الأسد كان السَبَّاق المتحمس في استعداده ليكون بيدقاً في حربِ آخرين في سبيل إخماد الحرب لمصلحته. ودون تجاهل متحمِّسين آخرين لَحِقوه، لا بد لأي تحليل منصف أن يتوقف عند أسبقية الأسديين وحماسهم.

* * * * *

الانهيار الوطني والتبعية، والتوحش، وهيمنة الخارج المطلقة، تجعل المشهد السوري اليوم مشهداً من معاناة بلا معنى. ملايين السوريين، على الأرض السورية وخارجها، يتألمون في كل يوم بلا هدف، يُصارعون الفقر والموت والغربة والاقتلاع وتحطُّم شروط الحياة وفقدان السيطرة على المصائر، دون أن يبدو أن لهذه المعاناة نهاية معلومة، ودون أن يكون وراء هذه المعاناة أهداف محددة يمكن إنجازها. يُعزّي بعض السوريين أنفسهم بالحديث عن وطن ينبغي الحفاظ عليه، أو عن سيادة ينبغي الدفاع عنها، أو عن كرامة ينبغي صونها، أو عن قيم ومبادئ ينبغي تجسيدها على الأرض، لكن هذا كلّه يستعصي على أن يصير كلاماً ذا مضمون واضح. يتحدث كثيرون مثلاً عن «مبادئ الثورة السورية»، لكن أحداً لا يعرف ما هي هذه المبادئ التي لا ينبغي التفريط بها. وحتى إن وُجِدَت مبادئ كهذه فعلاً في الأذهان، فإنه ليس هناك اتفاق عام في أوساط الثورة والمعارضة على الحد الأدنى من القواسم المشتركة فيها. تنطبق مقادير من هذا الوصف على كل السوريين، أياً تكن قناعاتهم واصطفافاتهم، بحيث يبدو إنكار غياب الهدف والمعنى تضليلاً للنفس، بينما يزيد الاعتراف بهذا الغياب من وطأة المعاناة وتراجيديتها. كما لو أن السوريين جماعة بشرية تسير في صحراء قاحلة بلا وجهة معروفة، فلا هم يملكون الكفّ عن المسير خشية الموت في مكانهم عطشاً، ولا هم يسعون إلى محطة أخيرة معروفة تتوقف المعاناة عند بلوغها؛ يتساقط مزيدٌ منهم على الطريق في كل يوم، ولا يجد الباقون متسعاً من الوقت من أجل وداع كريم لأحبابهم الراحلين.

هذه معاناة بالغة القسوة، ولكن من أجل هذا بالتحديد ينبغي أن يكون لها معنى، أو أن يصير لها معنى إن لم يكن له وجود اليوم. في الأصل، ليس هناك معنى لأي شيء، نحن مخلوقات كسائر المخلوقات، نولد ونعيش ثم نموت، ونحن الذين نمنح المعنى لحياتنا وأفعالنا. وليس البحث عن المعنى من كل هذا مستحيلاً، لا في العقد الأخير، ولا في عقود الأسديّة الخمسة. لدينا منذ 2011 كفاح بطولي بالغ الشجاعة خاضه مئات آلاف السوريين والسوريات، وتضحيات وآلام عظيمة كان هدفها معروفاً وواضحاً: الخلاص من الأسدية وصناعة مصير آخر لسوريا وأهلها، وامتلاك الفضاء العام وانتزاع الحق في ممارسة السياسة والتعبير عن النفس والعيش الكريم. في رصيدنا حناجر وأجساد صنعت، عام 2011، ما كان يبدو مستحيلاً في عيوننا، وفي عيون غيرنا. وقبل ذلك، لدينا أربعة عقود شهدت مذابح وأعمال قتل، وامتلأت فيها سجون الأسديين بمناضلات ومناضلين من مختلف أركان الطيف السياسي، في مستوى أعلى من التضحية والنضال السياسيين، يُحيط به مستوى أوسع قَوامه ملايين الذين لم ينخرطوا في أحزاب ولم يناضلوا سياسياً، لكن حياتهم اليومية كانت سلسلة لا تنتهي من أفعال المقاومة ضد الذوبان في همجية السرقة والكذب والاستباحة غير المحدودة - أولئك الذين لم يعتمدوا على الفساد كمصدر عيش رغم الفقر وأبواب الفساد المفتوحة، والذين لم يصيروا أدوات للسلطة رغم إغراء ذلك وإمكانيته، والذين لم يصيروا طائفيين رغم مضخة الطائفية الأسدية التي تعمل ليل نهار، وإلى آخر القائمة من أفعال «عادية» بالغة الكرامة والدلالة. ثم جاءت السنوات العشر الأخيرة لترفع نوع وحجم التضحيات النضالية، موتاً وسجناً وتغييباً وتهجيراً، وتتحوّلَ خلالها أصغر تفاصيل الحياة اليومية إلى فعل مقاومة أكبر بكثير مما كان عليه قبلاً، حتى ملأت بطولة «العاديين» كل دقيقة من دقائق هذا العقد، ليزداد معناها بالذات حين يضمحلّ معنى كل شيء عداها: من الاعتيادي في أي مكان من العالم أن يتعلم الأطفال، وأن يسعى الكبار إلى رزقهم، لكن أن تعمل كل يوم لتعليم أطفالٍ حروفاً وكلمات وأرقاماً وحسابات، في ظروف بالغة السوء، وأن تأكل لقمتك دون أن تخطفها من يد غيرك، ودون أن تؤذي أو تتأذى وسط هذا البحر من التوحش والأذى، هو فعل نضالي بكل ما في الكلمة من معنى. أن تكون «عادياً» وسط العيش تحت الاستثناء هو فعل مقاومة، يمارسه الملايين من أبناء البلد كل يوم، كل ساعة، داخل البلد وخارجه.

مئات آلاف السوريين قدموا تضحيات جسيمة في نضالهم ضد الأسدية، وملايين يناضلون من أجل أن يحتفظوا بكرامتهم ما أمكن، وسط بيئة لا تكفّ عن تذكيرهم بالقعر الذي وصلوا إليه. تبيانُ هذا الواقع قد لا يواسي في شيء، بل لعله يزيد الألم ألماً. وهو لا يفسّر مصائبنا المُركَّبة، ولا يقدِّم حلاً لها. هذا صحيح، لكن الصحيح أيضاً أن على أي تحليل واقعي أن يأخذ هذه الوقائع بعين الاعتبار. نحن مهزومون، لكننا لسنا الهزيمة؛ خرج من بيننا كثير من الشرّ، لكننا لسنا الشرّ. لسنا أسوأ من غيرنا، ولكننا شهدنا أسوأ بكثير مما يستطيع العالم أن يتخيله. لم يكن من المحتَّم أن تصل أوضاعنا إلى ما وصلت إليه اليوم، لكنها وصلت. ليس من المحتوم أن نظل كذلك، لكننا لن نخرج من قعر البئر بمرور الزمن فحسب.

مرَّ عقد على ولادة لحظة كان يمكن أن تكون تأسيسية بعمق، ليس فقط لنظام سياسي مختلف، بل تأسيسية لمعنى البلد ككل؛ وقد انكسرت تلك اللحظة، وانطوى معنى الثورة كإطار جامع يمكن من خلاله تعريف الذات وبناء التحالفات. ثمة خداع للذات في عدم الإقرار ببشاعة واقعنا ومسؤوليتنا عنه، من هشاشة كياننا الوطني، إلى ضروب التوحُّش والتبعية التي أظهرتها القوى السورية المتحاربة، إلى خروج مصير بلدنا من أيدينا. وبالمقابل، ثمة سينيكية لا تُطاق في التقليل من نضالات وتضحيات ملايين السوريين، سواءً عبّرت عن نفسها في نضال سياسي أو كانت سعياً في سبيل ما هو «عادي» من حياة البشر. هزيمة التحليل تأتي من الإصرار على الركون إلى واحد من هذين القطبين دون الآخر، ومن الإصرار على أن هذين القطبين متناقضان كلياً وبنيوياً، طبعاً دون أن نقصد المكابرة على توتُّرات حتمية بين عناصرهما. لا أجوبة سهلة في الشأن السوري اليوم، ولو وجدنا الآن جواباً سهلاً على أي سؤال سوري، فإن سهولته ستكون صِنوَ خطئه على الأرجح. نحتاج إلى استكمال التحليل عبرَ أخذ هذين القطبين وتوتّراتهما وعناصرهما بعين الاعتبار. لهذا الاستكمال ضرورات أخلاقية، لا شك، ومعرفية أيضاً. وسياسية.