في البدء كان الصفر

 

خاتمة

«لا أريد أن أكون أُمّاً في المقام الأول»

سيلفيا بلاث

بداية البداية

غريبٌ حقاً، كيف يمكن أن يكون الصفر بداية كل شيء، وهو في أحد وجوهه كالموت، نهاية كل شيء.

يبدأ الجنين، ككل شيء، صفراً وينتهي صفراً؛ وكشيء ذي وعي، تمتلئ الفجوة ما بين الصفرين بكثافة من التجريب على عدد سنوات كل بشري، التي تنفخ الروح، اكتساباً وتراكماً، في وعيه، أي في وجود هذا البشري بمعزل عن فيزيائيته/جسده المحدود بأجل مسمى.

ولكن، هل لكل الأجنّة ترحالٌ مثاليٌّ بين الصفرين، يخلو من العبث في بدايته، كون النهاية حتمية لا يمكن التلاعب بها حتى إذا أردنا ذلك؟

كيف يمكن التلاعب بالصفر البداية؟

يقوم التلاعب، في أحد أشكاله، على التطفل المجتمعي على نشأة الوعي، الفردي والجمعي في بعض الأحيان، تلويثه، التدخل في تركيبه الحيادي اللافيزيائي، من خلال تقييد الوعي بالنوع الجسدي، أي جنسياً.

جنسانية الصفر

يسيطر العبث، التمييز الجنسي، على الأسابيع الثمانية عشرة الأولى من تكون الجنين؛ يكون خلالها ومثلُهُ الصفر مخنثاً، معلّقاً بين احتمالين وحيدين ستفضي إليهما علاقة جنسية بين بشريين، في انتظار دورة حياة تبدأها أنثى بصبغيات xx)) أو ذكر بصبغيات (XY).

يُعدُّ الإيكو أول المتواطئين ضد الحياد، حيث يتهيأ الصفر للانشطار ما أن تعلن الشاشة نوع الوافد المُرتقب؛ تتلقف العينان الصورة الثلاثية الأبعاد بتلهف؛ فرج؟ قضيب؟ «خلقة تامة»؟

طبعاً ليس الجمهور المُنتظِر فجّاً أو صريحاً إلى هذا الحد، فنسمع ما هو أقل بذاءة، أو أكثر احتشاماً؛ بنت/صبي، بينما يضيع الباحثون عن تمام الخلقة فقط في نهم المتسائلين عن طرفي الثنائية المتعلقة بالجنس.

تتحمل شاشة الجهاز ردَّ فعل المتلقين، سعادة أو سخطاً، فيما تحمل الموجات فوق الصوتية ارتداد الشعور بنوعيه إلى داخل الشاشة، ومنها إلى طبقة الجلد حيث السائل الطبيّ اللزج، ومنه إلى المشيمة، فالكيس حيث يسبح الجنين دون أن يدري بأن جُزأه السفلي المسطح، الناقص، أو البارز، الزائد، سيُحدِّدُ شكل حياته خارجاً.

ما بعد الرحم

لهذه المرحلة سيناريوهات عديدة، منها ما قد يحدث عندما يكون المولود بكراً.

تحكم علاقة المجتمع مع البكر نزعة من النوع الساديّ، تتأصل في الإلحاح على إلغاء الآخر وحرمانه من حق لغوي يشهد عليه المعجم، فعلى الرغم من أن الكلمة تدلُّ على المولود الأول لأبوين، سواء كان المولود ذكراً أم أنثى، تسقط الأنثى عادة من معادلة الفخر العائلي، لا ترتيباً وإنما قيمة، لأن ما بين ساقيها مسطح، تاركةً موضع البكر شاغراً حتى يجيء صاحب الزائد، ليملأ ثغرة طيش والديه في محاولتهما الأولى.

كانت القابلة سعيدة يوم ولادتي، بل محظوظة بقدري تماماً، فقد حصلت كلتانا على ابتسامة من وجه أبي، قليل الابتسام، واستطاعت أمي الهرب ولو بشكلٍ مؤقت من نخر في الرأس يلومها على مساهمتها الفيزيولوجية «إكسية» الشكل، حيث أن جدتي، أم أبي، أم رجال خمس، ونساء ثلاث، الفخورة بجوفها الذي أحسن التصرف والإنتاج مُنقذاً إياها من لسان القوم، أصدرت استثناءً بحقي. أنا لست بكر أبي فحسب، وإنما عائلة أبي كلها؛ تمّت مسامحة التجاوز، والعفو عن تساهل النطفة والبويضة في ليلتهما المصيرية، إذ أن المستقبل لا بدّ وأن يحمل ذكوراً كُثر بالاستناد إلى تجربة جدتي.

نجاةٌ قلقة

لم نقع أنا والمسطّح صريعين للإلغاء التعسفي بشقيه اللغوي والوجودي، نجونا إذن؛ ولكن كم كانت حقيقية تلك النجاة دون منافسة؟

لا بدّ لي من القول هنا إن السماح لي بالنجاة بدا غير منطقي للبعض، أقصد المحيط العائلي غير المباشر والاجتماعي الأكبر من العائلة بقليل؛ وانسحب ما اعتبروه لا منطقياً على مكافئة مُنِحتُها دون استحقاق جسدي.

«أبو فلانة»، هكذا لقّبوا أبي، منحوه اسمي.

الزيف

قامت التراتبية الولادية في عائلتي بحماية اللقب؛ رُزِقَ والدي بمسطحين آخرين بعدي، أو فلندعوهما بنتين حفاظاً على التهذيب، غير أن آخر الولادات في المتتالية كانت بداية عهد الرعب. أين ذو القضيب بعد سنوات تسعة؟

هل جفّ بطنها؟ ممسوسٌ هو رحمها؟ وضعوا سحراً لزوجها في طعامه؟

عجز أبي، كطبيب ونصير للمسطحات أسفلاً، عن حماية أمي ورحمها؛ حينما قررت جدتي أن علينا بالحجيج إلى مزار السيد عباس، وهو قبرٌ حجريٌ أعلى جبل في إحدى القرى القريبة من مسقط رأسي القحطانية، ترتحل إليه العاقر وأم البنات على السواء، تتضرعن وتقذفن بسبع حجرات في أرجوحة قماشية، علّقها مسؤولو المزار أسفل القبر، وتتمنين صبياً، لتُختَتَم الطقوس بربط أثرٍ من ملابسهن على غصن من شجرة تغطي المزار.

نذرت جدتي يومها أن تمشي حافية القدمين على طريق القرية غير المعبد إذا ما رزقتنا بركة حضرة العباس بمولود ذَكَر. وكان لها ما شاءت.

وضعت ولادة الصبي نهاية لما هو مناقضٌ للمنطق، للعيب الاجتماعي الذي ثابر والدي على ارتكابه، فسقطت التاء المربوطة من الاسم وأصبح «أبو فلان».

النجاة لم تكن فعلية إذن، بل كانت تعويضاً مؤقتاً إلى حين مجيء ذي الزائد، ليفتكَ بأي زيادة تطرأ على ناقصي الجسدي ولو لغوياً.

الصفر في ثدي

يبدأ الصفر عادة بالتخثّر مع اكتمال شكل الجسد الأنثوي، أي بروز الثدي، ولو أن للأخير سمةً تشبه القضيب، أي أن كلاهما يظهر نوعاً ما من خلال الملابس. يلجأ الأهل عادة إلى إخفاء الثدي، كيف؟

يسقط الثدي، لا لغوياً كالتاء المربوطة، وإنما من حيز التواجد، أي التواجد غير العائلي، مثل الشارع، حيث يلعب الأطفال قبل البلوغ ذكوراً وإناثاً دون حدود ملموسة بين العالمين الخارجي والداخلي؛ حدود يطلقها الثدي بادئ الأمر، ثم ترسّخها في الوعي مقولات العيب والحرام تالياً.

يشبه الشارع في زمن ما قبل الثدي ما يفترض أن تكون عليه المرحلة الجنينية في خلائها من التصنيف الجسدي، لو أنه لم يتم العبث بها، فنجد أطفالاً يركبون دراجة، دون تمييز نوعي؛ ولكن بعد الثدي، نرى أغلبية من الذكور فقط تقود الدرّاجة.

الدرّاجة، كما الاسم في معادلة البكر، دلالةٌ على الاستحقاق، ومجموعةٌ لا تنتهي من الروابط التي تؤدي كلها إلى الجسد، قيمياً ومكانياً.

لا دراجة (بعجلتين) بعد اليوم

تكمن قيمة الصفر، في جزء منها، في الابتعاد عنها كنقطة بداية، فالابتعاد دلالة على الوعي الآخذ بالنضج؛ ولكن للعبث رواية أخرى؛ حيث يمكن للذكر الابتعاد، الجري مبتعداً، فيما تبقى الأنثى حبيسة الانطلاقة؛ أو ما يشبه النمو المتأخر، تزحف فيما يركض نظيرها الجنسي.

يمنع كُثُرٌ بناتهن، أمي من بينهم، من ركوب الدراجة؛ ويكون الخوف غالباً هو الدافع؛ خوف من الأذية الجسدية، فجسد الأنثى أكثر هشاشة فقط لأنها أنثى، ومن الأذية الاجتماعية، التي ترتبط كذلك بالجسد.

للخوف الأول مبررات، نوعاً ما، أما الخوف الثاني فيرتبط تماماً بنظرة المجتمع لمفهوم البلوغ الجسدي لدى الذكر والأنثى، فهو عهد اندفاع، انفجار، نحو الكون، لدى الأول، وعهد خوف وتربّص لدى الثاني.

دراجة بثلاث عجلات

ليس عدد العجلات ما يهم هنا، بل المرحلة العمرية في حياة الفتاة وما تعنيه، آخذين تطورها الجسدي، زمانياً، وانعكاسه عليها مكانياً، بعين الاعتبار.

تختلف الدراجة بثلاث عجلات عن نظيرتها ذات العجلتين، لا بقدرة الفتاة على القيادة بمهارة، وإنما بالمحيط الذي «يقدّس» العفاف، الطهارة، الجسديين، لدى الأنثى، وهو ما يُستدَلُّ عليه بغشاء البكارة عادة.

يمكن أن تسقط الفتاة عن كلا الدراجتين، ويمكن أن يتمزق الغشاء في كلتا الحالتين، غير أن الخوف لا يستهدف الطفلة التي تقود الدراجة بثلاث عجلات، فهي ليست بالعمر الذي يخولها للخضوع إلى متطلبات العفة، التي تتربص بفتاة ذات ثدي آخذ بالتكور.

الـ Delivery Boy

قد يشكل المنع المتكرر، في بعض الأحيان، علاقة بين ما يقع خارج المنزل والأذية الاجتماعية وغياب القضيب في وعي الأنثى؛ فلو تواجد القضيب لما كان المنع؛ وتتجلى الرغبة بامتلاكه في الخيارات، التي تلعب دوراً مباشراً في بناء شخصها.

لفترة لا بأس بها أردت أن أعمل كـ delivery boy، فتى تسليم بضائع، ما أثار نوبة ضحك في المنزل كلّما أصريت على مهنتي المستقبلية هذه؛ وطالما أضافت أمي بعد الضحك، أنت لست «Boy».

يجمع المصطلح كل ما هو غائب، القضيب، دراجة نارية، مسافة، انتشار، خطورة، ابتعاد عن المنزل، نقود، استقلال من نوع ما.

لم يسعفني وعيي حينها بالقوة الكافية على تركيب الردّ التالي: «سأكون delivery girl إذن».

الصفر الوظيفة

إن كان الصفر يتخثّر وحسب مع بروز الثدي، فإنه يصبح صلباً صعب الكسر مع أول دورة شهرية، تنذر الدماء بالمزيد من الانغلاق الوظيفي، الانحسار الوجودي، في حياة الأنثى. مضحكٌ أن الذكر لا ينافسها في هذه الميزة.

الطمث هو آخر المسافات التي يمكن أن تحبو خلالها الأنثى المُعَرّفة بجسدها، تصبح حياتها من بعده فرجاً بحتاً وفيزيولوجيا مثابرة على العطاء؛ يشكّل الحمل، الأمومة، المنزل حيث هي المسؤولة فيه عن المنع وحماية المقدسات، أغلب وعيها.

نجوتُ، نوعاً ما هذه المرة أيضاً، فأمي، مع نصيبها الكبير من الخوف المجتمعي، لم تبارك خصوبتي، ولم تسمح لأقاربنا من النساء بالتربص بي، منعتهم من قول: «مبروك، أصبحت عروساً».

مقدمة متأخرة

يفتقر ما قرأتم أعلاه إلى تمهيد، بل ويقفز إلى نتيجة محتملة، عن قصد؛ فنشأةُ الصفر، تقسيمه إلى مخصصات للذكر وأخرى للأنثى بناءً على وله المجتمع بأعضائه التناسلية، ليست بهذا الترتيب، أو الوضوح، أو الصراحة، وإلا كنا بحثنا عن العدل في الميراث، لا سيما من حصصنا في البداية، فالتوزيع بحدّ ذاته بات رتيباً، كعاداتنا اليومية، من الصعب أن يشد الانتباه إلى العيوب فيه والسقم الناجم عنه، إنه لا وعينا المشترك الذي يزحف إلى السطح ساعات النوم، حيث لا سيطرة لنا على الجسد أو مآلاته.

فيما تندمج أنا[ي]، صفري، بالصفر الاجتماعي، هناك تحيّزٌ مقصود للأنثى، وعموميات مقصودة عن الذكر؛ فالأنثى تفتقر إلى من يناصرها، فيما تُرسِّخُ العموميات ماهية الذكر.

ما كُتِبَ عن الصفر محاولة لتصوير حضيض كثير من الإناث؛ فهنيئاً لمن هربن من وحشة البداية؛ وصبراً جميلاً للعالقات فيها.