في تشكيل الخطاب السلطوي والخطاب المعارض

 

أصدرت مؤسسة اتجاهات بالتعاون مع دار نشر ممدوح عدوان دراسةً بعنوان عندما هتفوا للأبد: لغة الثورة السورية، من كتابة إيلاف بدر الدين، وهو الكتاب الفائر بجائزة المفكر السوري الرحال صادق جلال العظم الاستثنائية للبحث الثقافي.

في تقديمه للكتاب، يؤكد سلام الكواكبي على ضرورة إيلاء الجانب البحثي في علوم اللغة والعلوم السياسية وعلم الأنسنة اهتماماً أكبر، مستشهداً بما أكد عليه عبد الرحمن الكواكبي (1855 – 1902): «إن ألدّ أعداء المستبد هم المشتغلون في بعض العلوم وليس كلها. فالمستبد لا يخشى العلوم اللغوية البحتة، أو الدينية المتعلقة بإستعادة النصوص وتكرارها وتلقينها. المستبد يخشى حقيقةً من العلوم الإنسانية التي تستمر مهمشة حتى يومنا هذا. وهو مارس ويمارس قمعه وتهميشه للعاملين في هذا الحقل، خصوصاً المهتمين منهم بعلوم الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسية المدنية».

يعتمد الباحث إيلاف بدر الدين في بحثه من نظريات اللغة عند الفرنسي بيير بودريو (1930 – 2002)، الذي يُعرّف اللغة بأنها ظاهرة اجتماعية وتاريخية مجسدة بأبعاد التاريخ والسلطة والبنية المجتمعية، فاللغة ليست وحدات لغوية فحسب، بل هي وسائل أداء هذه الوحدات أيضاً. وعندما نتكلم عن أداء اللغة، فإن المقصود هو ما يسمى Parole أو «الكلام المحكي»، وفقاً لتقسيم اللغة كما طرحه فيرديناند دو سوسور (1857 -1913) إلى قسمين، قسم أول هو Parole، أي اللفظ المحكي الذي يؤديه المتكلم معتمداً على القسم الثاني، Langue الذي هو قواعد اللغة وسماتها العامة.

من هنا فإن اللغة بالنسبة لأي مجموعة من السكان تكون مترافقة مع أعراف ومعايير اجتماعية، والمعايير الاجتماعية تتحكم بهذه اللغة، التي ينتجها المجتمع وفقاً للعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يعيشها. وبهذه العوامل مجتمعة يتكون عندنا ما يسمى «النفس الاجتماعي/Social Self»، الذي هو التأكيد على قبول السلوك الاجتماعي الممارس لهذه العادات والتقاليد الاجتماعية. باجتماع العوامل المذكورة آنفاً، يتكون لدينا ما يعرف بالواقع الاجتماعي.

ينطلق الباحث في موضوعة بحثه من اعتبار أن اللغة فعلٌ أدائيٌّ للكلام: «عندما يقوم المتكلم في الوضع الطبيعي بأداء الكلام، فإنه من خلال الكلمات والعبارات والوحدات اللغوية يؤدي «فعلاً/Act» ناتجاً عن الإحالة والإسناد. فإما أن يؤدي الفعل بشكل إنجازي تحقيقي Illocutionary Act عن طريق السؤال والأمر والوعد، أو أن يؤدي فعلاً نتائجياً، أي يعطي نتيجة لهذا القول عن طريق تحقيق آثار على أفعال وأفكار المستمع».

يتناول البحث دور المؤسسات في إنتاج الخطاب اللغوي. فالمؤسسة هنا لا تعني بالضرورة جمعية معينة أو بيئة معينة، بل قد تعني عائلة لا على التعيين أو مصنعاً أو شركة في حّيز مجتمعي معين. وما يجب أن يتوفر في هذه المؤسسة هو مجموعة العلاقات الإجتماعية التي تمنح الأفراد السلطة، ليستطيعوا أن يمارسوا هذا «الفعل» اللغوي أو ذاك في عباراتهم. ويصبح الموضوع هنا ليس ممارسة فعل الكلام فحسب، بل أن يكون هذا الكلام مقبولاً ضمن الشروط التي تضعها المؤسسة. وهنا يأتي تركيز بيير بورديو ليس على «أفعال الكلام» فقط، بل على السلطة التي تمنح الفعل الكلامي القوة ليُنفَّذَ في الواقع أيضاً.

في سوريا، عملت السلطة الحاكمة، انطلاقاً من المؤسسات الحزبية، والمجموعة الإعلامية، والمنتجات البصرية والموسيقية ودور النشر، على ابتكار لغة وظّفتها بما يخدم استمرارية هذه السلطة. فهذه المؤسسات صدّرت الخطاب اللغوي عبر الأدوات المذكورة سابقاً، وأيضاً عملت على مراقبة وتشجيع الأفراد على إصدار منتجاتهم اللغوية وفقاً لقاموس مفردات الخطاب السلطوي. فهذه المؤسسات برأي الباحث بدر الدين، هي التي تسمح للفرد بأن يتكلم وفقاً لما تراه صحيحاً.

يعتمد الباحث على تقسيم بيير بورديو لرؤوس الأموال إلى قسمين: الأول مادي، وهو يتضمن المال، والآخر رمزي، وهو يتضمن اللغة والثقافة. يركّز بدر الدين اهتمامه على رأس المال الرمزي وعلاقته مع الآخر المادي: «وكما هو معروف أن كلمة رأس المال تستخدم في الحقل المعجمي للاقتصاد، ولكن من الممكن أن تُستخدم في الحقل الثقافي (المعرفة، المهارات، والمكتسبات الثقافية الأخرى)، أو الرمزي (المكانة الاجتماعية، وطريقة التعامل). وإحدى أهم سمات رؤوس الأموال وموادها هي السلع، القابلة للتحول من شكل إلى آخر».

يرى الكاتب أن السنوات الأولى من حياة الفرد السوري، هي التي تتم فيها التهيئة للدخول في الصراع على منتجات رؤوس الأموال الرمزية والمادية في آن واحد في سوريا. ويبدأ تبادل منتجات رأس المال اللغوي عبر الحياة المؤسساتية التي خلقتها السلطة، وفيها يُكافأ الفرد المُنتِج لخطاب لغوي يتماشى مع متطلبات الخطاب السلطوي، فيتحول هذا الخطاب اللغوي الرمزي هنا إلى ربح مادي من خلال التقدّم إلى وظيفة ما والموافقة عليه، أو اكتساب درجات أعلى في الجامعة مثلاً. هذا الأداء اللغوي في إنتاج خطاب متوافق مع معايير السلطة، يتحول على الفور إلى قوة رمزية تساعد في لعبة الصراع على تجميع وتراكم منتجات رؤوس الأموال وتوزيعها للأفراد، فمن يمتلك مقدرات لغوية متوافقة مع قواعد السلطة أكثر، يصبح هو الأكثر قوة.

بناءً على ما سبق، يتناول القسم الأول من البحث المؤسسات والآليات التي عملت من خلالها السلطة الحاكمة (1970 – 2011) على إنتاج الخطاب الاجتماعي، أو ما يمكن اعتباره في إطار الإيديولوجيا الحاكمة، وطبعاً فإن من أقسى أنواع الآليات المستعملة هي الاعتقال للأفراد العاملين على إنتاج خطاب معارض مختلف. ويتطرق البحث إلى المجموعات الإعلامية العاملة على تكريس الخطاب السلطوي، منها المؤسسات الإعلامية والرقابية، والمنظمات الشعبية التابعة للسلطة الحاكمة، ويفند تجارب من إنتاج هذا الخطاب عبر الموسيقى والإعلان البصري.

في القسم الثاني من البحث يتم التركيز على الخطاب الثوري الذي بدأ بالتشكل منذ العام 2011. ولقد تطلّب إنتاج الخطاب الثوري أيضاً مؤسسات فاعلة، مثل التنسيقيات وهيئات سياسية أخرى ناشئة تحت مسميات الثورة، وينبّه الباحث إلى أهمية التجارب الإعلامية، الصحفية، والأدب الناتج عن الحراك المعارض. كذلك يتطرق البحث إلى دور الإعلام الرقمي في تنظيم الفئات الشعبية المشاركة في الحراك المعارض، ومن ثم يتطرق إلى الإنتاج الموسيقي والبصري الحامل لهذا الخطاب.

يجد الباحث أن هناك في المرحلة الراهنة في سوريا صراعاً على إنتاج السلع الفكرية، أي رأس المال الرمزي في السوق الاجتماعي، بين الهياكل التابعة للثورة وللسلطة الحاكمة، وقد تنافست هذه الجهات على طرح النتاجات الموسيقية والبصرية والفكرية، وأصبح هناك تجاذبات كبيرة بين القسم الذي يروج لسلعة النظام اللغوية وبين القسم المروج لسلعة المعارضة: «كان الطرح في أغلب الأحيان يعتمد على إنتاج نقيض المنتج المطروح».

هي دائرة مصطلحات أُدخلت عبر مؤسسات وهياكل النظام والثورة، خلقت حيزاً لغوياً خاصاً لكل جماعة، فأصبح التعرف على توجهات الفرد يتم عن طريق الطريقة التي يستخدم فيها الكلمات، وهو ما أدى إلى تكوين ما يسمى «جماعة الكلام» عبر تغيير بالسلوك اللغوي، الذي يحدث عندما تتفق الجماعة على وضع معايير لغوية حول كيف يجب أن يكون كلام أفرادها.

واحدة من نتائج البحث الهامة هي تلك الإضاءة التي تمكّن الباحث من تحقيقها على التفاعل بين اللغة الثورية واللغة السلطوية، فالباحث لا يرى أن هناك لغة ثورية مطلقة، بل هي نتاج التفاعل بين الخطابية اللغوية المعارضة والخطابية اللغوية السلطوية: «جميع الأداءات الثورية، والتي كانت هي أساس البحث وتركيزه، مع اللغة المصاحبة لها، بدأت بالمحاكاة للأداء القديم الذي كان النظام يؤديه خلال عقود استلام البعث للسلطة، وهو ما وضحه البحث في تشابه طريقة التجمهر والتجمع للمظاهرات أو المسيرات، أو حتى في الأساليب المستخدمة للتعبير عن الرسائل المرسلة». وبحسب ميشيل فوكو، في كتابه تاريخ الجنسانية، فإنه لا يمكن أبداً أن يظهر خطاب سياسي معارض من تلقاء نفسه أو أن يوجد مصدافة، فلا بدّ له من أن يخرج من صلب الخطاب السياسي السائد، ولا بدّ له من أن يأخذ بعض صفاته، ومن بعدها يتطور وينفصل ليصبح معارضاً للخطاب السائد.

ومن المناهل الأخرى التي استقت منها الثورة لغتها ما يطلق عليه «الهوية الثقافية السورية» المتعلقة بالتاريخ السوري، ويثبت البحث ذلك مثلاً عبر استلهام المبادئ الأخلاق للثقافة السورية، واستعادة الأحداث التاريخية المشرفة من الماضي، واستذكار الشخصيات التاريخية التي عُرفت بخصال نبيلة.

تنبع أهمية البحث من كونه يشكل مرجعاً لمنتجات السلطة الموسيقية والبصرية والفكرية، ومن بعدها تلك المنتجات المقابلة التي أنتجتها المعارضة. فالقارئ يتعرف على العديد من الأعمال الفنية، الموسيقية والبصرية، مروراً بالأعمال الأدبية التي برزت مؤثرة في الفكر الثقافي الجمعي منذ سنوات السبعينات، وصولاً إلى مفرزات الحدث السوري منذ العام 2011 حتى الآن. هذه الرحلة بين أنواع متعددة من الفنون لتتبّع تشكّل الخطاب السلطوي والخطاب الثوري، ربما تكون أمتع ما يرافق القارئ في اكتشافه لأقسام هذا البحث ومساراته.