قبل أن نُعيد البناء

 

إذا استرشدنا بالماضي دليلاً، فمستقبل لبنان قاتم. أكثر من أسبوعين على وقوع الكارثة، ولا يزال الوحوش الستّة أنفسهم، الذين قتلونا ونهبونا، في سدّة الحكم غير خاضعين للمساءلة والمحاسبة. المحتجون ذاتهم يجدون نفسهم في مواجهة الجهاز الأمنيّ ذاته، وتنحاز المصالح الأجنبيّة ذاتها إلى الأحزاب والتّيّارات اللّبنانية ذاتها، محاولة عبثاً إحداث إصلاح لكن دون محاسبة. بعبارةٍ أخرى، لم يتغيّر شيء.

رغم ذلك، ينتابني شعور غريب بالأمل، يأتي ويذهب. هو شعورٌ مبنيٌّ على ذاتيّة محضة، وقد أَلمَحَ العديد من المحيطين بي، بمن فيهم زوجتي، إلى أنني تحت تأثير «تعويذة ما بعد الإنفجار». لكنّ هذا الشعور يدفعني للمضيّ قدماً، وأنا لست وحيداً في ذلك، بل إنني محاطٌ دائماً بأناسٍ يعملون بجدّ، رؤوسهم مطأطئة، سواعدهم مليئة بالرّكام وبقايا الأرواح المهشّمة بفعل الانفجار. لقد كنّا نعمل معاً بصمت. الجميع يعون أدوارهم. نحن على دراية بالرّعب الحاصل، ولكنّنا نعرب عن امتنانا لما تبقّى من الحياة. نقوم بالتّنظيف، ونعيد الإعمار.

جميعنا نحتضن أحبّاءنا أكثر من السّابق. لقد شكّلنا أيضاً علاقات جديدة مبنيّة على مشاعر حقيقيّة، ونادراً ما يتم كبت هذه المشاعر في وقتنا الحاليّ. الشوارع التي كانت منذ أيّام ممتلئة بالزّجاج والسّيّارات المحطّمة وملطّخة بالدّماء، اليوم باتت شبه نظيفة. البيوت أصبحت، بفعل الانفجار، تشبه أنياباً من الزجاج والألمنيوم، يبدو للوهلة الأولى أن أحداً لم تكتب له النجاة منها، لكن معظم سكّانها نجوا بأعجوبة. باتت تلك البيوت قشوراً فارغة غير مسكونة بالبشر، بل بحطام الأثاث المنزلي وإطارات النوافذ.

الاندفاع لإعادة الإعمار منتشرٌ حاليّاً في المجتمع، لكنه متقطعٌ وغير منتظم: هناك جار يحاول عبثاً إقناع جميع سكان المبنى بتركيب إطارات النوافذ والأبواب نفسها، وهناك مجموعات من مالكي المطاعم المحليّة الذين يرغبون بتنظيم عملية إحياء صناعتهم المدمّرة، ولكن نجاح هذه المساعي يتعذّر لأن أحداً لا يأخذ زمام المبادرة. الحكومة من جانبها تُصدر قواعد وإجراءات متناقضة حول كيفية الحصول على التّعويض، وقد أرسلت الجيش للتجوّل في المناطق المتضرّرة بالسّلاح بدلاً من المجارف، كما أنها تعرقل عمل المتطوعين والجّمعيّات التي تحاول المساعدة. جهود إعادة البناء في هذه المرحلة تشبه نوبة فجائيّة أكثر من كونها مسيرة منظّمة.

وهذا أمر يمكن تفهّمه نظراً لأنّنا لا نزال تحت وطأة النّظام الذي فجّرنا. لقد رسّخ هذا النظام نفسه بالحرب والسلم، خلال فترات الاحتلال، السوري والإسرائيلي، وخلال ثورتين شعبيّتين، وانهيار اقتصاديّ كامل وإفلاس الدّولة والبنك المركزيّ وكافة البنوك الخاصّة. من نحن لنعتقد أنّنا نستطيع الهروب من الماضي؟ من أين يأتي الدّافع لإعادة الإعمار؟ هل نحن جميعاً تحت تأثير «تعويذة ما بعد الانفجار»؟

لم أكن الوحيد الذي اعتنق الأمل واليأس، اللّاعقلانيين كلاهما، ولا الوحيد الذي اعتنق العمل المحموم والتّقاعس المرير معاً. إنّ حبّي للبنان، وإرادتي للبقاء والنجاة، يقفان في وجه نظام كبيرٍ للغاية، ذي مخالب أطول من أن أستطيع الاشتباك معها. ولكن من ناحية أخرى، يمكنني التعامل مع هذا النظام؛ هو النّظام الذي يدفعني إلى أن أكون استراتيجيّاً في خياراتي، وأن أشارك في اللّعبة كما يفعل غيري، وهو النّظام الذي يحثّني أيضاً على تقديم تنازلات لأصحاب النّفوذ، ليقتطعوا جزءاً منّي. أسلوب التفكير هذا لا يُعينني على البقاء، ولا يساعد أحبّائي، بل يُبقي النّظام حيّاً قائماً.

في لحظات الشكّ واليأس، وعندما يبدأ النّظام بالزّحف، أذّكر نفسي بمن هم حولي، فَعرقُنا ممزوجٌ بالغبار والدّماء الجّافّة. عمليّة التّنظيف هي مُسكّنٌ وملتقى لنا جميعاً. لا يهم الهدف أو الوسيلة أو الاستراتيجيّة، فليس هناك سوى العمل الجماعيّ المتواصل من أجل الصالح العام، سواء كان منزلاً أو مؤسّسة، شارعاً أو حيّاً. إلّا أنّ مفعول المسكّن بدأ يزول، وباتَ تَبدُّد الزّخم جليّاً، إذ نرفع بصرنا عن الرّكام في شوارعنا لنرى الفساد، وحطام المدينة والبلد، وسلطة النّظام، مما يضعف حبّنا وغريزتنا للتواصل والتّكاتف. وهكذا فإنّ احتمال إعادة البناء على الرّقعة الصّغيرة التي نظّفناها في بيتنا أو مؤسّستنا أو حيّنا، يبدو وكأنّه أفضل ما يمكن القيام به.

تتطلّب إعادة الإعمار أكثر من مجرّد التركيز على منزلٍ أو شارعٍ أو حيٍّ نظيف، بل تحتاج إلى مدينة وبلد ودّولة، والأهم من كل ذلك إلى ذهن وعقلية نظيفة. ليس الآن هو الوقت المناسب لإعادة البناء، إذ لا يزال لدينا الكثير من التنظيف للقيام به قبل ذلك.