قدسيّا، إعلان الموت على الملجأ الأخير

أحزمُ حقيبتي وأرحل، ومن بين الأشياء التي أحملها كثيرٌ من رائحة الدماء والبارود التي غزت أنفاسي لثلاثة أيام متتالية، وأصواتٌ ما زالت تحاصرني وتثير الحزن والصداع في ذاكرتي. وفي جعبتي أيضاً حكايا كثيرة لم تكتمل.

ألتقطُ بعدسة موبايلي، بذاكرته الصغيرة، بعضاً من صور اليأس المُخِيّم على المكان. إنها وسائل نقل، سيارات صغيرة، تكاسي، «هوندا»، تحمل داخلها الأهالي وقد أُخرِجوا قسراً من بيوتهم. عيونهم جميعاً مشدودة الى الوراء، الجميع ينظرون عبر زجاج النوافذ الى الخلف بحسرةٍ والدموع تملأ أعينهم.

أسمعُ صوت شاب يمرُّ قربي: «الحجة يا عمي الحجة.. لحالها وما حسننا نطالعها»، مشيراً إلى إحدى جاراته من سكان البناية التي يقطنها، وهي وحيدة ومقعدة لا تستطيع المشي. «يدفشه» العسكري بقوة نحو السيارة التي ستقلّه، ويمنعه من المتابعة بلهجة آمرةٍ ومتعالية. كل حواسي مشدودة إلى ما يحدث حولي، وفي رأسي يدور شريط الذكريات المؤلمة ليأخذني ويتوقف عند منتصف الليلة الماضية.

الليلة الفائتة

الظلام معتم والسكون مخيمٌ في حارتنا، ولكن الذين يجاوروننا فوق لا ليل لهم ولا نهار، يعيشون جحيماً متواصلاً. الرياح القادمة من الشمال الغربي على مسافةٍ لا تتجاوز 2 كم عن الحي تشهدُ على ذلك، كانت تحمل معها كثيراً من الأسى. عويلُ نساء، صيحات رجالٍ تناجي الرب، تحجبها بين الفينة والأخرى أصوات القذائف المنطلقة غالباً من مساكن الحرس، مروراً بنا، نحن همزة الوصل، لتستقر فوق سماءٍ منكوبة.

حتى أسمعَ بوضوحٍ أكبر، أقتربُ إما من النافذة أو من الباب الزجاجي للصالون المطلّ على الشارع. «الله أكبر.. الله أكبر»، تُسمَعُ هتافات بعضهم، تناجي حناجرهم بيأسٍ وترجٍّ «يا الله مالنا غيرك يا الله»، لكنه ليس بالتناغم المعتاد في المظاهرات، تستشفُّ ذلك من خلال كمية الحزن وصدى الصراخ في ترديد تلك الجملة، مرةً واحدة وعلى دفعةٍ واحدة، يبدو وكأن الله بحقٍ هو المسعف الوحيد والمنجاة الوحيدة المتبقية لهم.

مع تزايد نحيب النسوة المُذيب للقلب، أنتفضُ نحو الخارج وعيناي تنظران إلى الشمال، تغرقهما الدموع. تتبعني زميلتي في السكن وتنادي وهي مرتعبة «لك يا مجنونة.. ارجعي. الحارة مليانة شبيحة». امتلكتني رغبة قوية في تلك اللحظة بالتوجه نحو قدسيّا/نزلة الأحداث والهامة، ومعرفة ما يحدث هناك، لكنني تحت رحمة أسباب المنع الكثيرة، فقدسيّا/جادّات محاصرة ومهددة من قبل الشبيحة القادمين من حيّ الورود ومساكن الحرس، وبعضهم من أبناء الحي نفسه.

الوقت متأخر، إنه منتصف الليل. الظلام قاتمٌ ولا تظهر أنوارٌ بعيدة، يبدو أن الكهرباء هناك مقطوعة. تُسمع أصوات اشتباكات قريبة، والقصف العشوائي يشتد. أدخلُ البيت مع خيبتي وإصرار زميلتي المسكونة بالرعب، فالباب الرئيسي للسكن الصغير الذي لا يقطنه سوانا معطوبٌ لا يُغلق بإحكام، كما أنه من الممكن فتح الباب الزجاجي للصالون المطلّ على الشارع بسهولة من الخارج، والشبيحة الذين لا يرحمون يملؤون المكان. كل ذلك كان يخدم هاجس رعبها وهي تحدثني بخوف عن حالات الاغتصاب التي سُجِّلَت قبل ذلك بيوم.

مع حجم المعاناة والذعر والخطر المحدق، يشتدُّ القصف وتختلطُ الأصوات. أزيز الطائرات التي بدأت تنطلق من مطار مزة العسكري معلنةً الحرب، مع وقع أقدام الشبيحة المتجهين إلى الجادّة 3، صوتُ زعيق سيارة إسعاف مفاجأة يحتار جنود النظام في تحديد موقعها، وصريرُ الأبواب والنوافذ مع وقع كل قذيفة. أشعرُ بصداعٍ شديدٍ في رأسي، وأبدأ بالغثيان والاستفراغ مرةً تلو الأخرى. جلُّ ما أتمناه أن تتوقف هذه الأصوات المتجمعة على شكل طنين قوي ومتواصل في أذني، وأن يحل الصباح لأكتشف أن ما أعيشه كان مجرد كابوس.

أرغفة خبز ورصيف دماء

يفجعني الصباح بمذابح الليل. أخرج إلى الشارع بعد ثلاثة أيام من الحصار وحظر التجوال. الطرقُ المؤدية إلى دمشق مغلقة، وامتحان اليوم مُلغىً كغيره. لا أكترثُ لذلك، فامتحانُ الكرامة هو الأمر المصيري الذي أنا في مواجهته الآن.

التحركُ داخل الحي لأبعد من مسافة 200 متر جالبٌ للموت، فالقناصة موزعون على أسطح المباني، وأصوات الاشتباكات تُسمع من مكان قريب، من جوار ساحة قدسيّا، ويُقال إنها بين عناصر جيش النظام وعناصر الجيش الحر الذين تتم ملاحقتهم في الجادّات.

أتوجه إلى النزلة (شارعٌ منحدر) أسفل سكني، والتي يؤدي يمينها الى الجادّة 1، ومنها إلى الشارع العام المؤدي إلى المفرق (مدخل قدسيّا). يتجمع فيها كبار السن الذين يحذرونني من المضي أكثر، لا يوجد شبابٌ سوى شابٌ واحدٌ مصاب بطلقةٍ في رأسه، ملقىً على ظهره على بعد متر من زاوية النزلة في يمينها. لا أحد يتجرأ على الاقتراب منه وقد غمرَ الرصيفَ بلون دمه الأحمر. أصرخُ غاضبةً بوجوب إسعافه وأندفعُ باتجاهه، ليسحبني عمو السمّان قائلاً «يا بنتي والله رح تروحي بشربة مي... القناصة ما بترحم، المسكين كان نازل يجيب خبز وليكي شو صار فيه». وما كاد جاري السمّان ينهي كلامه، حتى جاءت عربة نظافة مسرعة من الشارع المعاكس، ليتم جرّه بسرعة من قبل رجلين ويلقى به بين القمامة بغرض إسعافه.

انهارت قواي مع هذا المشهد، وغادرتُ المكان مغلّفةً بإحباطٍ كبير، يغزوني شعورٌ شديدٌ بالانهيار والتلاشي. أفكرُ في إقدامه على المخاطرة من أجل أرغفة الخبز، من المؤكد أنه كان مجبراً بعد ثلاثة أيام من الحصار، ومن المؤكد أنه كان غير واعٍ لمزاج وقسوة قلوب القناصة. لأول مرة أدركُ معنى «اللقمة المغمسة بالدم»، أن تدفع ثمن رغيف خبزٍ دمَك.

جثث مربوطة الوثاق

أتوجه صوب البيت، يدقُّ كمطرقةٍ في رأسي صدى نداء أحد عناصر النظام المنبعث من مكبر صوت، ينادي بإخلاء قدسيّا. لقد حان موعد الرحيل، مهلة الخروج ثلاث ساعات، والتجمع في الساحة على الطريق العام. إنهم حريصون على سلامتنا من العصابات المسلحة، سوف يقومون بطرد الإرهاب، والنزوح مؤقت. هكذا كانت نداءات جنود النظام للأهالي.

نستطيع الآن التحرك تحت رحمة مزاج القناصة الموزعين على أسطح المباني، تعود قدماي بي إلى الوراء بعد أن اقتربت من البيت. أتبعُ خطواتي اللاإرادية، لا أعرف الى أين أذهب، أتجولُ في الشوارع. عيناي الجاحظتان تنظران بهلعٍ إلى الخراب المحيط، قليلةٌ هي جدران البنايات التي تخلو من آثار الرصاص، وقد التهم الحريق العديد من دكاكين السمانة والحوانيت الجميلة. سكونٌ كبير، لا صوتَ يُسمَعُ سوى وقع أقدامٍ مرتعبةٍ تلهث للوصول إلى الساحة، تُفزعها بين حينٍ وآخر طلقة قناصة. أتابع المسير بين الحارات، تفاجئني أصوات رشقات رصاص متتالية تصيبني بالذعر الشديد، الذي يدفعني للركض مسرعةً نحو الأسفل. لأول مرة أسمعُ دوي الرصاص بهذا القرب الذي يثقب الآذان، لا أستوعبُ شيئاً سوى أنني ألاحق خطواتي المسرعة والمشتتة، التي قادتني إلى الشارع العام.

أبكي من هول ما لمحته عيناي في طريقي المرعب المليء بالدماء، أتوقفُ على قارعة الطريق، يفصلني الشارعُ العام عن جثتين محروقتين. أتوجه نحوهما قاطعةً الشارع مذعورةً مما تركته خلفي، لأفزع مما هو أفظع!

شابان مربوطان من معصميهما من الخلف، مُلقيان على الأرض، والتمثيل بجثتيهما واضح. آثار الحريق تغطي كامل جسديهما، نصفهما السفلي عارٍ تماماً حتى من الملابس الداخلية، الثقوبُ تملأ الفخذين، والملامح غير واضحة وملتهبة. يمرُّ بعض الأشخاص دون اكتراث، الكل لاهثٌ يريد أن يستغل ما تبقى من الوقت للمغادرة. التجمعات ممنوعة وإسعاف أحدهم يجعل المرء طعماً سهلاً لنيران القناصة.

أديرُ وجهي، أغلق عيني تارةً وأفتحهما تارةً أخرى. تختلطُ عليَّ المشاعر، حزن، غضب، فزع، فضول. لا أعرفُ ماذا ينتابني، وكأنما اعتلتني بعض الجسارة، أصرخُ بالمارة باكيةً بوجوب معرفتهما وتسليمهما لذويهما. يستوقفُ هذا المشهد الكارثي أحدهم، وهو رجلٌ ستينيٌ يصرخُ مندهشاً هو الآخر، «حسبي الله ونعم الوكيل... حسبي الله ونعم الوكيل». يمد يديه إلى جيب قميص إحدى الجثث للتعرف على هويتها، لا يوجد أي دليلٍ يُذكر. نبحثُ عن أي شيء لنغطيهما، يتوقف نظري على ملصق إعلاني كبير متدلٍ من فوق إحدى المحلات، نقتطعه ونضعه فوقهما.

«يلا يا بنتي، ما بيطلع بأيدنا غير هيك.. أنت ما قصرتي وباينتك كدعة وبنت حلال. خلينا نمشي من هون قبل ما يشتلق علينا حدا، والوقت مو لصالحنا». يذهبُ العم في طريقه، وأنا أعود أدراجي مندهشةً ومشتتة.

لم أستطع معرفة شيء، ولم أستوعب لماذا كل هذا التوحش الذي يدفع إلى ما هو أشنعُ من القتل، التعذيب والتمثيل بالجثث بهذه الطريقة؟ أتوه بائسةً ما بين حارات قدسيّا الضيقة، في كل زاوية خراب. الشوارع لا تشبه نفسها، كل شيء لا يشبه نفسه. تستوقفني القطط الأليفة التي تميزت بها هذه الأحياء وهي مشوهة مستلقية على دمائها، حتى الحيوانات الطيبة لم تنجُ من أفعال البشر. كل شيءٍ أمام عيني يصهر القلب ويبعث على الأسى، أقتربُ من الشارع العريض الذي عرفت من خلاله أنني دنوت من البيت، حيث المزيد من الدماء.

لا نجاة إذاً من المشاهد العنيفة، آثار الحريق في كل مكان، والأحمر يلون كثيراً من الأشياء هنا. حاويات القمامة محاطة بدم قاتم يتدلى من جميع أطرافها، وعلى بعد أمتارٍ ألمحُ جثةً أخرى مكبلة الأيدي تبدو وكأنها محروقةٌ أيضاً. أتجنبها وأتابع السير بخطوات ثقيلةٍ وقلبٍ أثقل، لا أريد أن أشاهد المزيد من الجثث المُمَثّل بها، أريد أن أصلَ إلى نهاية هذه المشاهد القاسية التي لا يستوعبها العقل.

«ضبّ الجناتي»

أتجهُ إلى المنزل وعيناي قد اغرورقتا بالدموع، بالكاد يحملني جسدي المنهك. تلك الأحياء التي كانت تضج بالحياة باتت خراباً وهُدِمَت فوق رؤوس أصحابها، وما شاهدته حولي يفوق قدرتي على التماسك. أشعرُ بإعياءٍ كبير، ويخترقني ألمٌ شديد أسفل البطن أشبهَ بتقلصات المخاض. أتابع بصعوبة، كل ما يحدث معي هي دلائل انهيارٍ نفسي أعجزُ عن وصفه.

هنا في الداخل كانت لا تزال بعض الأشياء الجميلة تقاومُ معنا أصوات المدافع، لم يبقَ لأي شيءٍ معنىً تحت وطأة الموت المعلن خارجاً. سنترك البيت ومفاتيحه لمصيره. تراقبُ عيناي بحزنٍ أشياءنا التي سنفارقها، عباراتنا غير المكتملة على الجدران، وزجاجات البيرة المتكومة التي رافقتنا «عالحلوة والمرة»، المحاضرات التي لم تبرح مكانها، المجلات التي كنّا نطالعها بهدف تعلم الصحافة.

أتألمُ كلما وقعت عيني على غرض، في كل بقعة وفي كل زاوية لنا حكاية لم تكتمل. تنبهني زميلتي للوقت وهي تعدُّ حقيبتها، ستتوجه إلى جرمانا عند أقربائها، أما أنا فقد قررتُ مسبقاً العودة إلى الديار. كانت قدسيّا محطتي الأخيرة في دمشق.

أضبُّ «جنتاية» السفر، وأودّعُ الصديقة الطيبة التي تعرّفتُ عليها منذ فترة قصيرة. يحزنني أنها لم تعد تستطيع أن تمارس طقسها المسائي المفضل، تدخين الأركيلة على البرندة.

الفترة التي قضيتها في قدسيّا قصيرةٌ جداً مقارنةً بأحياء دمشق الأخرى التي مكثت فيها، ولكنني لم أشعر بالانتماء مثلما شعرت به هنا، أحببتُ المكان وتعلقتُ بكثيرٍ من تفاصيله الجميلة. أجرُّ حقيبتي خلفي مثلما يفعل الجميع، ولكن هناك فارقٌ بيننا، وهو أني ربما كنت محظوظة لأنني سأتوجه إلى الديار، وقدسيّا كانت إحدى المحطات. ربما يكون هذا ما خفّفَ وطأة المصيبة عليّ، أما بالنسبة لهم فقدسيا كل شيء. يغادرون جسداً وأرواحهم وعقولهم ستظل هناك، ملامحهم المقطبة والدماء المتجمدة في عروقهم تحكي ذلك.

السكون مهيمنٌ على النفوس، لا يوجد ضجيجٌ رغم أن النزوح يتم من كافة أحياء قدسيّا، ومن الهامة أيضاً. العدد كبيرٌ جداً، وقعُ الأقدام مع دواليب حقائب السفر المتدحرجة نحو الأسفل هو كل الجلبة في المكان. وسائلُ النقل ممنوعة من الصعود، تنتظر ركابها في الأسفل. أُخرج رأسي من النافذة لألتقط مزيداً من الصور للعوائل النازحة وأطفالها وهي تتعرض لعملية التفتيش الدقيقة، فيمنعني عنصرٌ من الجيش مهدداً بمصادرة موبايلي. أبلعُ الأوامر بغصة، وأحذفُ بأسفٍ شديد ما وثّقته.

كراجات البولمان هي أيضاً مزدحمة بـ «جناتي» السفر، وليس فقط لأهالي الجزيرة كما اعتدنا، بل لجميع أطياف السوريين، حماصنة، ديريون، رقاوية، حسكاوية، حلبية. خصوصاً النازحون من المناطق الساخنة آنذاك، يتوجه أغلبهم نحو محافظة الحسكة.

تمكنتُ بصعوبةٍ من تأمين رحلةٍ قريبة، إنها سفرة استثنائية، كل شيء عكس المعتاد. يخرج الباص مستوفياً جميع مقاعده بالركاب في الساعة السادسة مساءً، لم أكن قد اعتدت عليه هكذا، فهو عادةً لا يمتلئ عن آخره. أحجزُ مقعداً، وأذهبُ لأغفو في المقاعد الخلفية. هناك العديد من أهالي الداخل السوري، ويجلس خلفي شابٌ حمصيٌ من تلبيسة، على «الطالعة والنازلة» يتم توقيفه من قبل حواجز النظام الموجودة على الطريق، مع تحقيقٍ وتفتيشٍ وإهاناتٍ مستمرة، والسبب أنه من مدينة يكرهها جنود الأسد، ذلك على الرغم من أن جميع أوراقه نظامية. فوجئتُ بعد الاستفسار منه بالإجراء الاحترازي الذي اتخذه قبل أن يتوجه إلى الجزيرة، وهو وثيقة كفيل من القامشلي. يا لحجم المذلة! بتنا بحاجة إلى كفيلٍ للسفر من منطقةٍ إلى أخرى في سوريا، فيزا داخلية يعني.

على طريق تدمر يوقفنا حاجزٌ آخر، يصعد ضابطٌ ومعه أحد المحتجزين، طالباً من الركاب البصق في وجهه لأنه أهان الجيش. يهتفُ بعدها الجميع مثل البلهاء «بالروح بالدم...». أدعو الله أن تمضي هذه المواقف المقززة والمستفزة على خير، فالطريق طويل جداً. لقد استغرق ست عشرة ساعة، أي ضعف الوقت المُعتاد.

يحلُّ الصباح وقد اقتربنا من تخوم الجزيرة، لا حواجز، لا استفزازات، لا تطاول، ولا دماء هنا. الحياة تبدو طبيعية وهادئة، كل شيء يبعث على الطمأنينة والأمان، وعلى وجه الخصوص حضن أمي وهي تعانقني بحرارةٍ وبهجةٍ غير موصوفة، كمن عثر على كنز، فالعودة إلى المنزل سالمةً غانمةً كان كل همّها وهي تسمعُ أخبار قدسيّا الساخنة.

أرمي غبار «جنتة» السفر المنهكة، وأرتمي في حضن أمي النظيف.

كانت هناك مجزرة!

حمامٌ ساخن، طبخ، لباسٌ نظيفٌ مكويّ. كل شيء هنا يأتيني دون مشقة، الجو دافئ، الهواء نظيف، أصوات عصافير الدوري هي التي تتنافس في الجو، كل شيء يبعث الأمان في النفس.

مفارقاتٌ كبيرة عشتها في عامودا أقصى شمال سوريا. لا زال عقلي في رقعةٍ أخرى من جغرافية البلاد الطويلة، مندهشةً من ذلك الكم الكبير من الموت والمشاهد التي تجاوزتها، والليلُ يشهدُ عليَّ بكابوسِ ما عشته. تُخبرني أمي في الصباح أنني «جننتهم» وأنا أصرخ: «سكروا الشبابيك والأبواب منيح... سكروها منيح... الشبيحة أجت... الوحوش جايين».

يبدو لي أيضاً أنني أصبحت في حقبة تاريخية أخرى، الثورة هنا غير الثورة هناك، المظاهرات باتت عديدةً ومنقسمة، والهدف ليس واحداً والحناجر غير متحدة. هناك مطالب وشعارات جديدة؛ فدرالية، تقرير المصير، كوردستان، كونفدرالية. لا يوجد مجلسٌ محليٌ موحد، بل مجالس. لقد أخذ الحراك منحىً جديداً.

كنتُ قد ابتعدتُ فترةً لا بأس بها عن النشاط السلمي الذي كنت أشاركُ فيه أحياناً في دمشق، وذلك لأسبابٍ عديدة أهمها التسليح الذي دخلَ الثورة، والنَفَسُ القومي والإسلامي الذي بات يهيمن شيئاً فشيئاً على الشعارات والحراك السلمي، ما دفعني إلى النفور بعد تجارب قاسية.

كانت قدسيّا آخر محطة لي في دمشق، حيث استأجرت هناك بيتاً صغيراً وقررتُ العودة للدراسة الجامعية. يظلُّ للمظاهرات في قدسيّا وشعاراتها عبقٌ آخر، على الأقل كان هناك مظاهرةٌ واحدة ومجلسٌ محلي واحد. لم أسمع أي شعارٍ خارج مطلب إسقاط النظام طيلة فترة مكوثي فيها: «الشعب يريد اعدام الرئيس»؛ «نموت وتحيا سوريا»؛ «قالو عنا مسلحين ونحن رصاصة ما عنا»، إضافةً إلى شعارات الثورة الأخرى. لقد كانت تلك الشعارات أكثرَ ما يُردَّدُ في المظاهرات هناك.

يعتريني شعورٌ شديدٌ بالانتماء إلى تلك الرقعة، وبالحاجة إلى التواجد فيها. أحملُ جهاز الريموت كونترول لأعرف ما هي الأخبار القادمة من ملجأي الأخير في دمشق، ليفاجئني خبرٌ مثل الصاعقة، ويشطرني إلى نصفين. الحديث يدور حول مجزرة كبيرة في قدسيّا والهامة في 26/6/2012، وهو التاريخ الذي كنا قد غادرنا فيه قدسيا قبل يومٍ واحدٍ مرغمين.

المشاهد عنيفةٌ كالتي شاهدتها بأم عيني، جثثٌ مكبلة الأيدي ومحروقة، ولكنها كثيرة. عشراتُ الشباب مقتولون بالطريقة نفسها. يا إلهي، لقد كان قتلاً جماعياً ممنهجاً، الكم هائلٌ وليست بضع حالات فردية كما كنت أعتقد، لقد كانت مجزرة.

يحكي الناشطون الرواية؛ الأبواب كانت تُقرَع من قبل عناصر الأمن: «تق تق تق.... بدنا شباب مشان أوراق الخدمة العسكرية، ورح نرجعهن». يخرجُ الشباب ولا يرجعون سوى جثث هامدة مكبلة الأيدي تُرمى أمام أبواب المنازل أو في الشوارع. أشعرُ بتأنيب الضمير، لقد تركنا خلفنا من بقي ليعاني ويقاوم، ليدفن شهداءه بكرامة. يعتريني صمتٌ جنائزي، وأتخشبُ في مكاني. يا لحجم الكارثة التي لم أشهد سوى على بعضٍ من تفاصيلها، غير مدركة للحقيقة الكاملة، التي تبدو الآن واضحةً على شاشة التلفاز. ثمة قتلٌ وحشي ارتكبه رجال الأسد، وكان يفصلنا عنه أمتارٌ فقط. إنهم بارعون في إخفاء الفظائع، ولطالما حاولوا طمس أفعالهم الشنيعة بالقمع.

الحقيقة أنه كانت هناك مجزرةٌ تحدث في الشمال الغربي من الحي، والحقيقة أيضاً أن قدسيّا/جادّات تحوّلت إلى جادّات الأسد الآن، بعد أن أحكمت قوات النظام قبضتها عليها إثرَ المجزرة، وصارت تستخدم «جادّاتها» لتصدير الموت إلى أحياء أخرى من قدسيّا، وإلى الهامة أيضاً. وفي قدسيّا التي شهدت طيلة نحو أربعة أعوام أصنافاً من الحصار والموت، انطلقت مؤخراً، في 29/9/2016 حملة (نعم للسلم لا للحرب)، التي طالبت بفك الحصار عن المدنيين، ووقف المجازر. لكن المذبحة المفتوحة لم تتوقف، والتهجير الذي شهدتُ بنفسي أول فصوله لم يتوقف أيضاً، وآخر هذه الفصول هدنةٌ أعقبت نحو عامٍ من الحصار على أجزاء البلدة الخارجة عن سيطرة النظام، وكان أحد بنودها تهجير عشرات العوائل إلى ريف إدلب.