قدمٌ في سوريا وأخرى في تركيا

 

مثلَ كل البشر، أرى أحياناً كوابيس مرعبة توقظني من نومي مع دقات قلب متسارعة وعضلات متشنّجة، قبل أن أهدأ وأعود إلى النوم. ومثل أكثر السوريين، كوابيسي تتمحور حول القصف بالصواريخ والبراميل والهروب منها، أو التواجد فجأة في مناطق سيطرة النظام والجري أمام عناصر الأمن، قبل أن أستيقظ في اللحظة التي يقبضون فيها عليّ. لا شيء يبدو غريباً حتى الآن بالنسبة لأي شخص يعرف ظروف الحرب السورية، لكن الغريب هو أن هذه الكوابيس المرعبة لا تزورني إلا وأنا في تركيا، وتكون متكررة بشكل يومي حتى اللحظة التي أعود فيها إلى سوريا، إلى محافظة إدلب تحديداً، المكان الذي تصبح فيه هذه الكوابيس أقرب للتحقق في الواقع، فتختفي بشكل كامل إلى أن أعود مرة أخرى إلى الأراضي التركية، لتعاود الظهور.

في آخر كابوس رأيته، كان علي الديك يريد أن يقتلني بمسدس، قبل أن أحمل باب خزانة خشبي وجدته فجأة أمامي وأبدأ بضربه على رأسه حتى مات. استيقظتُ بعدها وأنا أرتجف من فرط التعب والتشنّج. ورغم أني قررتُ أن أسأل طبيباً نفسياً عن هذا الأمر منذ وقت طويل، لكني لم أقم بذلك حتى الآن.

أنا من المحظوظين السوريين القلائل الذين بإمكانهم التنقل بسهولة بين طرفي الحدود السورية التركية عن طريق معبر باب السلامة الحدودي، ما يعني الحصول على الميزات القليلة التي يتمتع بها السوريون على الجانبين المختلفين، وما يعني أيضاً القدرة على النظر من زاويتين مختلفتين باتجاه الجدار الإسمنتي، الذي يفصل تركيا عن سوريا كما يفصل جدار جليدي عملاق، يحميه حرس حدود غلاظ، مناطق الحضارة والمدنية عن مناطق الهمج والسائرين الأموات في مسلسل صراع العروش، الذي يخشى فيها سكان الممالك السبع من وصول الهمج البدائيين الذين سيدمرون حضارتهم المزيفة، بينما يحاول الهمج البدائيون تجاوز الجدار إلى الطرف الآخر لأنه المكان الوحيد الآمن بعد هجوم الأموات السائرين بقيادة ملك الليل. لا أكتفي أبداً من مقارنة الجدار الإسمنتي بالجدار الجليدي، حتى بدأ أصدقائي بالتندر عندما يحاولون معرفة مكان وجودي، عبر السؤال دائماً فيما إذا كنتُ شمال الجدار أم جنوبه.

بالنسبة لي، كان الانتقال في وقت سريع عبر طرفي الجدار مثل السفر في الزمن، وذلك نتيجة الفارق غير القابل للاستيعاب في وقت قصير بواسطة دماغ واحد. قبل هذا الانتقال، عليَّ دائماً السفر من محافظة إدلب باتجاه إعزاز مروراً بعفرين، ومروراً بالمخيمات التي تكدست في تلك المنطقة، التي تضيق بسكانها الهاريبن من الموت القادم من الجنوب، ومتجاوزاً أعداد كبيرة من الشاحنات التي تحمل النازحين وما استطاعوا حمله من أثاث منازلهم، قاطعاً عشرات الحواجز لعشرات الفصائل، وماراً تحت عدد كبير من الرايات المختلفة. وكأي مسافر عبر معبر باب السلامة، عليه المرور بالقرب من المخيمات على الأراضي الطينية تحت أشجار الزيتون في منطقة سجّو ويازي باغ، ثم معبر باب السلامة نفسه الذي يضم مخيمي السلامة القديم والجديد، اللذين يعتبران من أقدم المخيمات في الشمال السوري وأكثرها بؤساً، ولا يبعدان أكثر من مئتي متر عن الباب الأبيض الذي تقف عنده أول نقطة تفتيش تركية. عليّ قبل ذلك المرور بين أعلام الثورة والأعلام التركية الأربعة، التي تشير إلى أن الأمتار القليلة التي تفصل بينها هي الحدود بين سوريا وتركيا. في تلك النقطة تحديداً، يختفي الطين الذي يغطي الطرقات السورية في الأيام الماطرة، ويظهر الجدار الأبيض وهو يتسلق جبل معرّين غرباً ومحاذياً لمئات الخيم جنوبه.

ما أن أدخل إلى الأراضي التركية، حتى يطبق فكّاي على بعضهما بكل قوة كي لا أتفوه بأي كلمة. أحمل أوراقي بيدي وأقدمها لأربع نقاط تفتيش، وأنا أدعو بألّا  يحاولوا الكلام معي لأني لن أفهم عليهم في الغالب. الموظفون يتفاوتون بطريقة تعاملهم مع السوريين بين القسوة واللين، وكثيرون منهم سئموا من تهريب البضائع إلى الداخل التركي، فكل مسافر من المعبر يحمل معه في الغالب حزمة المعبر المعروفة، وهي الموبايل الجديد و«كروز» الدخان وكيلو الشاي وبعض الأدوية. في وقت لاحق، تشدَّدَ موظفو المعبر ولم يعد بالإمكان إدخال هذه الأشياء إلا في النادر.

ما أن أنتهي من المعبر، حتى أبدأ رحلة السفر إلى المكان الذي يسكن فيه أقاربي بعيداً عن الحدود. رحلةٌ أتمنى فيها أن أكون غير مرئي، بعد أن يسيطر عليَّ شعور بأني مذنب بدون أي ذنب، نتيجة ما أسمعه عبر وسائل الإعلام من القصص عن التعامل العنصري مع السوريين، وردة الفعل السلبية تجاه تواجدهم على الأراضي التركية. لم يحدث معي أنا شخصياً أي موقف من هذا القبيل حتى الآن، لكنني سمعت من محيطي قصصاً كثيرة تؤكد ما تتناقله وسائل الإعلام.

عندما أصل إلى وجهتي، أستغربُ الحياة التي يعيشها الأقارب في تركيا، ومدى اعتيادهم على العيش فيها وابتعادهم عن الواقع في الداخل السوري، وهذا طبيعي بعد الفترة الطويلة التي عاشوها في تركيا. لقد توقَّفَ لديهم تحديث المعلومات عن الداخل السوري في اللحظة التي خرجوا فيها منها، بسبب انشغالهم بحياتهم الجديدة وتعقيداتها في مكان غريب عليهم. في زياراتي الأولى لهم كنت دائم التوتر والعصبية، وأستمتع كثيراً بإثبات خطأ تحليلاتهم السطحية وتصحيح المعلومات الخاطئة التي يتناقلونها عن الداخل، وكأني بطريقة ما أُحمّلهم مسؤولية معاناة السوريين في الداخل. في وقت لاحق، عرفت أني كنت فظاً كثيراً ولم أستطع السيطرة على نفسي بشكل غريب. في إحدى المرات، انفجرت على خالتي التي كانت تريد أن تقنعني بأنهم خسروا كرت الهلال الأحمر بعد حصولهم على الجنسية التركية: «أنتوا ما بتشوفوا أبعد من أنفكم، السوري ما لو حدا، ووين ما راح العالم بتعفس عليه. هلق أنتوا مواطنين بدولة، وإلكم حقوق وما بيسرتجي عالقليلة حدا يطردكم إذا غلطتوا شي غلطة. لسا لاحقة كرت الهلال والعلاك المصدي»؛ كانت تلك العبارات، والطريقة التي قلتها فيها، وقاحةً لا أستطيع نسيانها.

بالطبع، مع تكرار الزيارات تراجعت تلك الحالة، وبدأتُ أعرفُ ظروفهم الصعبة وأَفهمهم أكثر. وعلى ما يبدو أنهم كانوا بدورهم يفهمون أني قادم من الداخل، ويبررون تصرفاتي بالضغط النفسي الذي نتعرض له هناك. في الحقيقة، لا أشعر أني تحت أي ضغط نفسي في الداخل، وكل ذلك يحدث بمجرد دخول تركيا، والكوابيس التي تكلمت عنها في البداية دليلٌ إضافي على ذلك.

مع عودتي إلى الداخل الذي تتكرر فيه المعارك بشكل مخيف، ويجتمع النازحون فيه على الجانب السوري من الحدود، ينتهي التوتر وتختفي الفظاظة، ويبدأ الشعور بالخجل والذنب لأني أستطيع الدخول إلى تركيا بينما لا يستطيع الملايين من السوريين ذلك. أتخيل نفسي مثل أولئك الأغنياء في فيلم تايتانيك، الذين هربوا بقوارب النجاة وتركوا المئات خلفهم يغرقون في المحيط. الشعور بالذنب أطبق بقبضته القوية على حنجرتي في إحدى المرات التي كنت مسافراً فيها باتجاه الأراضي التركية، عندما رأيت عشرات السوريين ممن فشلت محاولة تهريبهم إلى تركيا يجلسون في قاعة الاستقبال في الجانب السوري، بعد أن أعادهم الأتراك إلى الداخل بملابس ملطخة بالطين ووجوه شاحبة وحزينة من عدم نجاحهم في الوصول. ركَّزَ جميعهم نظراتهم اليائسة عليّ وأنا داخل بلباسي المرتب والنظيف وحقيبتي وجواز سفري بسهولة لا يمكن أن يصدقها أحد، حتى أنني أنا نفسي لم أصدقها عندما دخلت أول مرة.

في الثامن والعشرين من شباط لهذا العام، وبينما كنت أتهيأ للعودة إلى سوريا، انتشرت أخبار مقتل عدد كبير من الجنود الأتراك في محافظة إدلب. عمّت حالة من الغضب في تركيا بسبب الرقم المرتفع من القتلى والجرحى. كالعادة، سيطر الخوف على السوريين من محاولات الانتقام وتحميل المسؤولية. طغى عليّ شعور اليتيم الذي لن يجد أحداً يحميه، وخصوصاً في رحلته التي تستغرق حوالي عشر ساعات للوصول إلى سوريا. كنتُ بحاجة لتذكير نفسي في كل فترة بأني لا أتحمل المسؤولية، فيما أنتظر ردة فعل كل شخص يعرف أني سوري، وأراقب من بعيد نظراتهم المعلّقة بقنوات الأخبار التي تحلل الحادثة. 

في وقت لاحق من شهر آذار، ومع انتشار الكورونا حول العالم، والبدء باتخاذ إجراءات غير اعتيادية للحد من المرض، أعلن معبر السلامة أنه سوف يغلق بعد يوم واحد، كفرصة أخيرة لمن يريد العبور إلى تركيا أو العكس. فجأة وُضِعتُ على المحك، وكان علي الاختيار بين التواجد في تركيا أو سوريا خلال هذه المدة الطويلة. كان اتّخاذ القرار بالبقاء أو الذهاب مزعجاً للغاية، ففي الداخل عملي وفي تركيا عائلتي، ولا يعرف أحد متى سوف يفتح المعبر مرة أخرى، ولا كيف سينتشر المرض وإلى أي مدى سيكون خارجاً عن السيطرة، وخصوصاً في سوريا حيث الكثافة السكانية الكبيرة جداً، والبنية التحتية الهزيلة، والنقص في الكوادر الطبية. ليلة عصيبة قضيتها وأنا أضع قدماً في تركيا وقدماً في سوريا. في النهاية اخترت التواجد مع عائلتي في هذا الظرف الصعب. لا أعتقد الآن أنه كان قراراً خاطئاً، إلا أن أحداً لم يكن يتوقع انتشار المرض في تركيا إلى هذا المستوى الخطير، وعدم تسجيل أي إصابة في الشمال السوري حتى دخول شهر تموز. الحياة كانت شبه متوقفة في تركيا، بينما لم يغيّر السوريون أي شي وبقيت حياتهم على حالها، باستثناء توقف المعارك بشكل شبه كامل، ولا أعرف إذا كان لكورونا يد في الموضوع.

لعلّ الفارق بين سوريا وتركيا يظهر بوضوح أكبر في كلام ابني ذي الخمسة أعوام، وذلك عندما يأتي في زيارة عيد من تركيا؛ كان لا يتوقف عن الأسئلة عن الأمور التي فاجأته في سوريا:

«بابا ليش بسرمدا مافي إشارات مرور؟»؛ أردّ عليه: «أشو هي إشارات المرور؟»، فيجيب: «هي عالأحمر منوقّف، وعالأخضر منمشي».

«بابا ليش بسرمدا ما في أصنصيل؟»؛ «أشو هادا الأصنصيل يا ابني؟»؛ فيشرح: «هادا منطلع فيه، منكبس الزر ومنروح لبرا».

والعديد من هذه الأسئلة الأخرى التي لا تنتهي، والتي لا أملك لها إجابة «بابا ليش بسرمدا مافي محاسب؟…  بابا بتركيا الأمبير ما بيطفى… بابا بتركيا في قطار تحت الأرض بتعرف إش أسمو؟ أسمو ميترو». لكن العبارة التي اختصر فيها ابني الفارق بين البلدين هي «بابا... بتركيا في طيارات... بس ما بيضربوا حدا».