قصة ثامر، التواترات العسكرية بعيون طفل سوري

في شهر آب من العام 2016، دخلتُ كمصور حربي مع فصائل الجيش الحر التي سيطرت على قرية العمارنة بريف حلب الشمالي الشرقي، بعد معارك مع قوات سورية الديموقراطية. عند مفرق القرية على العام الواصل بين مدينتي جرابلس ومنبج، وقَعَت عيني على طفل أسمر الوجه أجعد الشعر. نظرَ إليَّ، وكنتُ جالساً على كرسي السيارة الأمامي، ورفعَ يده إلى الأعلى، فرفعتُ يدي كي أردَّ السلام عليه.

جفلَ الطفل ولم يعرف أيَّ الإشارات عليه أن يقوم بها بيده كي أفهمه، لأن لكل جهة عسكرية مسيطرة على بقعة جغرافيّة من سوريا إشارتها الخاصة، التي يتواصل أفرادها فيما بينهم من خلالها دون كلام. جفلَ الطفل وبدا عليه الارتباك، وأعتقدُ أنه خاف أن يحرّك يده بإشارة غير مناسبة، فالسيارة التي كنتُ أركبُها لا تحمل أي راية أو شعار يدل على الجهة التي تتبعُ لها.

قطعتُ شروده وارتباكه عندما لوَّحَتُ بيدي إشارةَ السلام، ليلوِّحَ هو بمثلها، ونبتسمَ سوياً.

الموقف مع ذاك الطفل الأسمر، دفعني للتفكير في كيفية رؤية أطفال سوريا للجهات العسكرية المسيطرة والمتصارعة على أرض البلاد. أردتُ أن أعرف كيف تبدو هذه الجهات في عيون الأطفال، وطيلة ثلاثة أشهر عملتُ على توجيه أسئلة للأطفال الذين ألتقي بهم، عن داعش وبشار الأسد والجيش الحر وقوات سوريا الديموقراطية.

قد لا تعبّر الرؤية التي يشملها النص عن رؤية أطفال سوريا عموماً، لكنها تشمل على الأقل رؤية وتجربة شريحة واسعة من الأطفال في ريف حلب الشمالي الشرقي، حيث تسيطر فصائل من الجيش الحر مدعومةً بالجيش التركي.

أحداثُ هذه القصة حقيقيةٌ كلها، أو أنها مطابقةٌ تقريباً لأحداث وقعت فعلاً، عاشها أطفال متعددون، واختزلتُها في شخصية الطفل ثامر، أحد الأطفال الذي قابلتهم في قرية العمارنة، وهو نفسه الذي ألقيتُ عليه السلام وردّه بمثله.

ولدتُ في حي الدويرينة بريف حلب، أو على أطراف حلب كما يقول أبي، فالدولة ستضمّ حي الدويرينة إدارياً إلى مدينة حلب بعد فترة، لأن فيها «مشفى المجانين» (مشفى ابن خلدون للأمراض العقلية). وكان اقتراح ضمِّ حيّنا إلى المدينة صادراً عن رجل «مهمّ»، لم تعجبه فكرة طلب انتقال الأطباء إلى مشفى ابن خلدون، كي لا يحصّلوا إضافات على رواتبهم، باعتبار أن قدومهم من المدينة إلى الريف يعطيهم الحق بتعويضات سفر: «كلّها نص ساعة، من وين جابوا قصة السفر»، يقول والدي متعجباً وهو يُطفئ سيجارته في النفاضة البافون المزخرفة على شكل رأس أسد، متحدثاً لأمي بكل هذه المعلومات، فيما كانت أمي تحدِّقُ به وهي تُرضع أُختيَّ التؤام.

كل يوم سبت، كان والدي يأخذني معه إلى سوق الغنم كي أتعلَّم مهارات العمل هناك، وأراقب الأغنام حتى لا تهرب. كان يعطيني خرطوماً أخضر أضربُ به الأغنام على مؤخراتها في حال حاولَ أحدها الخروج على الحدود التي رسمها أبي. وفي يوم الأحد، كان يأخذني إلى مخيم النيرب الفلسطيني، أصعدُ على ظهر سيارتنا من نوع «إنتر»، وأطلبُ من أبي ألّا يُسرع في حال خفتُ على نفسي من الوقوع. كانت النسوة الواقفات على زاوية الشارع في مخيم النيرب يُطِلنَ النظر إليّ أثناء انتظاري لوالدي، وهنّ يتنظرنَ سيارات تأتي لتأخذهنَّ إلى المدينة. يجتمعنَ كمجموعات، وتركب كل مجموعة في سيارة سرفيس، ويذهبنَ إلى المدينة.
يوم الإثنين كنتُ أذهبُ مع أمي إلى السوق في بلدة جبرين لشراء حاجيات البيت، وهو اليوم الذي كان بمثابة العيد بالنسبة لي ولأمي، لأننا نقضيه في السوق بين البشر، الرجال والنساء وروائح العطور، وليس كباقي أيام الأسبوع، بين الغنم ورَوثه ووَبَره. كنتُ أنتظرُ يوم الإثنين طيلة أيام الأسبوع، فأن لا أحبُّ أن أضرب الغنم، ولا أحبُّ نظرات النساء اللواتي يصارعنَ النعس، وكأني تسليةٌ بالنسبة لهنَّ لطرد النعاس حتى تأتي السيارات التي تقلهنَّ للمدينة.

عدتُ مساء ذات يوم من رعي الغنم إلى المنزل أنا وأمي، لأجدَ أبي يجلسُ، بطريقة جلوس كلب منزلنا، أمام التلفاز، ويقلّبُ بين القنوات ومن ثم يعود إلى القناة نفسها، التي يظهر فيها جمعٌ من الناس يصرخون في وجه أبي من خلال الشاشة، فيما أبي يتحدّثُ مع نفسه بكلمات متقطعة: «أنتو خرجكون تطلعوا ضدو؟!! ولك أبوه شَطح 100 زلمة على حيط مدرسة الميسر».

تسأله أمي: «هل سيقوم هؤلاء بحرق أنفسهم مثل تونس؟»، ليردَّ عليها بعد أن اتكأ بظهره على الحائط، ومدَّ قدميه واضعاً واحدةً فوق الأخرى: «ول ما خرجهم هدول... همّا قدو همّا... لسا ما نزلوا الحرس الجمهوري لسا».

من بعد ذلك اليوم الذي طمأن فيه أمي قائلاً إنّ شيئاً لن يتغير، تغيَّرَ أبي نفسه بشكلٍ كُلّي، ولم يعد يبتعد عن شاشة التلفاز، حتى أنه أثناء ذاهبنا إلى سوق الغنم يوم السبت، كان يخرج من البيت وعينُهُ لا تترك التلفاز. أخذت أمي كلَّ مهام المنزل، ولولا كلام الناس لأرسلها إلى سوق الغنم، وإلى المخيّم لبيع الحليب.

حتى حلب لم يعد يذهب إليها، وكان سابقاً عندما ينوي الذهاب، يتحدث عن الأمر ويعيد أسماء الأشخاص الذين سيلتقيهم فيها طوال أسبوع، ويُخرِجُ بنطاله الكحلي من الخزانة ويطلب من أمي أن تكويه قبلها بيوم، لأستيقظَ على رائحة عطر تعلق في أنفي.

عندما كانت تسأله أمي عن سبب عدم ذهابه إلى حلب، كان يخبرها بصوت منخفض أثناء نومنا، أنه يخاف أن يوقفوه على حائط مدرسة الميسّر ويقتلوه: «كأنو مبارح صارت الحادثة».

بدأ يستيقظُ أثناء نومه، ويذهبُ ليشاهد الأخبار، يحدِّثُ نفسه أنها كاذبة، وأن هذه القناة سعودية وتلك قطرية، ومن ثم يعود لمشاهدة القنوات نفسها.
في صيف العاشرة من عمري، سمعنا صوتاً قوياً كأنه زلزال، ورحتُ أنتظرُ مشاهدة الحمم البركانية كما في البرامج التلفزيونية التي يحدثنا فيها عن العالم رجلٌ صوته قويّ. بدأَ الصوت يزداد، ووالدي يراقب مع العديد من أهالي الحي عند زاوية الحارة الصوت، «يتحزّرون» عن مصدره، ولا أعرُف لماذا كان الجميع يتحاشون القول إن الصوت مصدره مطار النيرب العسكري!

بدأت تنقرضُ سيارات الشرطة والأمن من الحي، وتركوا صورة الرئيس معلّقة على حائط منزل المختار، والتي كلفته حين علّقها سعر طعام يكفي عائلةً لشهرين، كما قال والدي.

تركوا الصورة وهربوا، لا نعلم إلى أين.

دخلَ الحيَّ من الجهة الشمالية رجالٌ يركبون سيارات تشبه سيارات رجال الأمن، لكن لا يوجد عليها نمر ملونة بالأخضر والأحمر والأسود، ولا يرفعون صور الرئيس عليها. يوجد بينهم الكبير والصغير والرجل المسنّ، ورجالٌ لهم لحى لكنهم لا يصومون. عرفتُ ذلك لأنهم طلبوا من رجال الحي أن يجلبوا لهم الماء للشرب، مع أننا كّنا في نهار يومٍ من رمضان.

بين كل كلمة وكلمة، كانوا يخبرون أهالي الحي الخائفين منهم: «لا تخافوا، مالنا شغل هون، رايحين صوب المطار، إن تعرفوا شي عن شبيح خبرونا بس». مَزَّقوا صورة الرئيس فقط وكبّروا، وتركوا العلم على حاله، وسَكَنَت مجموعةٌ منهم منزلَ المختار.

لم يحبَّهم أبي، وأصبحَ عصبياً جداً بعد مجيئهم، كان كلّما دخلَ المنزل يريد شيئاً، يصرخُ في وجه أمي. لا يحبّهم، ولا أراه يبتعدُ عنهم. كان يجادلهم في كل صغيرة وكبيرة، ويعيدُ عليهم قصته عندما كان طفلاً في مثل عمري كما يقول، وكيف أنه نزلَ من الدويرينة إلى حلب، فاستوقفتهم سيارات الأمن والمخابرات ولم تسمح لهم بالعبور، وبعد ساعةٍ ترافقت مع سماع صوت رصاص كثيف ملأَ صداه كروم الزيتون في محيط حيّ الميسر، شاهد جثثاً لرجالٍ ملتحين على جدار المدرسة.

يتحدّث «الحر»، هكذا أطلق عليهم والدي، عن أنهم سيطروا على قطع عسكرية كثيرة، وأن وزراء وضباط ينشقون ويتركون النظام وينضمون لهم، ومن ضمنهم رائد الفضاء محمد الفارس، الاسمُ الذي أثلجَ صدر أبي، حتى أنه طلبَ منهم أن يحلفوا له ويعيدوا عليه هذه المعلومة أكثر من مرة، ويسألهم أن كيف استطاعوا أن يحملوا السلاح في وجه النظام؟ من أين أتتهم كل هذه القوة.

لكن والدي، رغم كل ما يحدث، كان لا يزال يخاف من عودة المختار وشلّته والجيش إلى الحيّ. يقولُ لأمي إن مقاتلي الحرّ ليسوا من سوريا، وإنهم يريدون تدمير البلد، وبين الحديث والحديث، يقول لوالداتي التي لم يعد يتحدث كثيراً إلا معها: «لسّا ما شافوا شي».

صارَ انقطاعُ التيار الكهربائي متكرراً، ولكن عندما يأتي التيار كان والدي يفتح التلفاز، وقد تحوَّلَ من «القنوات الكاذبة» التي كانت تنقل أخبار المظاهرات، إلى القنوات التي تنشر صور الرئيس، ولا يسمح لأمي أن تشاهد أي قناة إلا هذه القنوات، حتى المسلسلات يجب أن تتابعها من هذه القنوات.

مع مساء كل يوم، يخبرُ والدي أمي عمّا يسرقه الحرّ من مباني المحالج ومعامل الكابلات ومحتويات المباني الحكومية: «ولك حتى مقاعد المدارس صاروا يحرقونها، وحتى المجانين في المشفى تركوهم يعيثون في الأرض، وسرقوا محتويات المشفى». تردُّ عليه أمي: «ليش المختار وشلّته كانوا أحسن من الحرّ، كمان كانوا يسرقوا كل شي، حتى ربطة الخبز كانوا يسرقوا رغيف ويعطونا رغيف»، ليردَّ عليها والدي: «المختار وشلّتو كانوا يسرقوا رغيف ويعطونا رغيف، بس هدول عم يسرقوا الرغيفين سوا، وما عم يخللولنا شي».

بدأ الجيش قصفه على حيّنا، وأرسلَ المختار رسالةً لوالدي يطلب فيها منه أن يعطيه معلومات عن تواجد الحرّ، وأين يضعون سلاحهم. شاهدَ أبي الرسالة ورمى بجهاز الموبايل في جورة التواليت، وقال لأمي أن تُشيعَ أن جهاز والدي تمت سرقته، ولا يعرفُ أين سُرِقَ منه.

اشتدَّ القصف على رؤوسنا، وبدأت كومة الدخان الناجمة عن القصف تكبرُ أكثر من ذي قبل. كانت كومة الدخان بحجم منزل، ولكن اليوم تحولت إلى حجم جبل، وكأنها تشبه الجبل. بدأ الجيش يقصفنا بالطائرات، ومع كل صوت يُدمّرُ منزلٌ بأكمله، ومن بينها منازلُ لأشخاصٍ ليسوا من الحرّ، حتى أن من بينها منزلاً لأحد أفراد شلّة المختار.

سارة وودادـ،أختيَّ التؤام، صارتا تخافان من القصف، ومع سماع صوت الطائرة تقتربان من بطن أمي، وتضمّانها. أما أنا فقررتُ الصعود إلى سطح منزلنا، والتحدَّثَ مع الطيار، كي أعرفَ إذا ما كان هو نفسه الطيار الذي كان يقترب منّا، ويسلّمُ علينا ونحن نركض خلفه ونمدّ يدنا له كي يحملنا معه، ونظلَّ نركض خلفه حتى يهبط في مدرج المطار، أم أن الذي يقصفنا الآن رجل آخر؟

أخبرنا والدي ألّا نخاف، وأن الطيران لن يقصفنا، وعبَّرَ لوالداتي عن تسرعه في اتخاذه قرار رمي جهاز الموبايل في المرحاض، لأنه كان يمكن له الآن أن يتواصل مع المختار كي لا يسمح للطيارة بقصفنا، تردُّ عليه أمي: «بيت حمادو انقصف، وهو من شلّة المختار».

طلبَ الحرّ من أهالي الحي الاجتماع، وأخبرهم بنيّته الانسحاب. حضرتُ الاجتماع مع والدي، وقال رجلٌ من الحرّ: «ابن الحرام قصف طريق الباب بالسكود ... جَحِّش بس مو كل هيك».

انسحبَ الحرّ من حيّنا، وبَقيَت عائلتنا وبضعة عائلات أخرى في الحي. عاد المختار وشلّته، وأخذوا يصرخون ويشتمون عائلةً انضمّت إلى الحرّ، وحرقوا منازلهم. ثم علَّقَ المختارُ صورة أكبر للرئيس، ساعده في تركيبها والدي.

لكن المختار لم يأتِ فقط مع شلّته، بل كان معه مقاتلون أجانب، ووالدي لم يُعقِّب على الأمر، ولم يكرههم كما كره الحرّ لأنه يوجد معهم مقاتلون أجانب أيضاً. سَأَلتهُ أمي عن اسم اللغة التي يتحدث بها هؤلاء المقاتلون، فردَّ عليها: «إنهم إيرانيون، وجاؤوا لحمايتنا».

بدأت حملة تفتيش البيوت بحثاً عن بقايا «الإرهابيين»، أي الحرّ، وبدأت أعمال التحقيق مع كل من بقي في الحي، ولم تنتهِ. والدي كان يقفُ مثل الصنم جنبَ المختار، ويضع له حذاءه أمامه بعد الخروج من أي اجتماع.

دخلوا إلى منزلنا وفتّشوه، فتّشوا خزانة أمي الحديدية ولم يُعيدوا أي غرض إلى مكانه، وأثناء خروجهم أخذوا معهم كيساً من البصل المجفّف، كنتُ أنا وأمي قد زرعناه وسقيناه وحصدناه ووضعناه في الكيس. أخذوه حتى بدون كلمة شكرٍ لنا.

لا أعلم سبب حبّ والدي لهم.

بعد مرور الأسبوع الأول من سيطرتهم على الحي، جاءت سيارة بيضاء كبيرة مُحمّلة بجنود، وسيارة أخرى فيها رجلٌ عيناه مثل عيني «الحصيني»، يتلفّتُ نحونا مع ابتسامة صفراء ضامرة، وكأننا قطعان غنم أمامه.

طلبَ منا الابتعاد، ثم طلب من العناصر الذين يستقلّون السيارة البيضاء أن يضربوا رصاصاً ويمشوا ببطء، فيما كان يصورهم من خلال كاميرته ذات الضوء الأحمر الغامق. أخذَ يتحدث للكاميرا وهو يلهث، نراه من بعيد لكنه يمنعنا من الاقتراب منه ومعرفة ما يتحدث.

بعدها سمحوا لنا بالتقدّم وتصويرنا، وما أن انتهى من عمله حتى قال للعناصر الذين معه: «شباب شوفوا شغلكون».

سرقوا المنازل، وأخذوا الأغنام، وقتلوا بقرة جارتنا التي ورثتها عن أهلها. جارتنا ذات الثدي الواحد، التي كان أهالي الحي يشترون الحليب منها كي تتعالج بثمنه. قتلوا البقرة لأنهم لم يستطيعوا حملها في سيارتهم المليئة بالمسروقات، وأحد العناصر لمس امرأةً من الحي في ظهرها، ولم يستطع زوجها التحدّث.

مَرِضَ والدي وارتمى في الفراش لا يستطيع التكلم، ومَنَعَ أمي من الذهاب بمفردها للسقي والرعي وبيع الحليب، فيما أخذت هي زمام الأمور، وأخبرته أن علينا الرحيل إلى قرية أهلها في العمارنة بريف حلب الشرقي.

استحسنَ والدي القرار، وخاصة أنه يوجد هناك سوق غنم قريب من القرية، ولا يوجد من يُذّله مثل المختار. تعافى والدي من المرض، بدأنا بجمع المهمّ من أغراض المنزل، وأخرج والدي سيارة الإنتر من مستودع منزل كان يخفيها فيه، وقبيل الفجر خرجنا، وأمي كانت تحمل سارة ووداد في حضنها.

تحت ضوء السيارة الأحمر يردّدُ والدي: «يا رب ما يحسّون علينا يا رب، صرنا متل الفلسطينية يا أم ثامر، صرنا مثلهم».

قطعنا حواجز الشبيحة، ولأول مرّة كان والدي يلفظ هذا المصطلح. لم يوقفونا، ولا حتى طلبوا من والدي هويته. حتى حواجز الحرّ، الذين كانوا يتلفتون وكأنهم في معركة أخرى، أيضاً لم يطلبوا هوية والدي. ربما لم توقفنا الحواجز بسبب رائحة الغنم.

وصلنا قرية أهل أمي، وخالي أسكننا في منزله وسافر للعمل في تركيا. تأكَّدَ والدي من المسافة التي يبعدها المختار وشلّته والشبيحة عنا، وراح يحسب: «في حال أن كل قرية وبلدة، مثل مسكنة ودير حافر وكويرس مثلاً، ومنبج، تتطلب من النظام شهراً من المعارك للسيطرة عليها، فأقل مدّة هي سنتان للوصول إلى العمارنة». لكن من أصبحنا نعيشُ تحت حكمهم لم يكونوا من الحرّ، وإنما رجالٌ يطلقون على أنفسهم اسم «الدولة»، لم أنتبه لهم أثناء سفرنا لأنني نمتُ أثناء الطريق.

قام والدي بإعداد ما يلزم لتشغيل التلفاز، وأيضاً أصبحَ لا يشاهد إلا قنوات المختار وشلّته. تقول له أمي: «أنت تشتري وجع الراس شراية».

شاهدَ على قناة سما أن هؤلاء (أي الدولة) يغتصبون النساء ويمارسون الجنس معهنّ، ومن ثم يرجعونهنَّ إلى بيوتهنّ حواملاً، وهذا ما دفعه كي يتركني في المنزل مع أمي وأختيّ، ولم يعد يأخذني معه إلى سوق الغنم.
بقيتُ وحيداً في المنزل مع أهلي، ولا أعرفُ أحداً في هذه القرية. أبي يرفض ذهابي معه إلى سوق الغنم، ويرفض حتى أن أرعى الغنم على تلّة القرية، ولا في مغاراتها القديمة: «خليك بالبيت مع أمك وبسّ»، هكذا كان يقول والدي الذي نبتت لحيتُهُ وحفَّ شاربهُ وقصَّرَ ثوبه، وكان كلما يرتدي الكلابية، يقول لأمي وهو يدور حول نفسه: «تقولي لابس روب مرا عَ القصير».

سلّيتُ نفسي بمشاهدة المسلسلات على قناة سوريا دراما، وشاهدتُ مسلسل الزير سالم، الرجل المغوار. ولكن بسبب انقطاع التيار الكهربائي، كنتُ نادراً ما أتمكن من مشاهدة حلقة كاملة، حتى أن الكهرباء كانت تنقطع أحياناً عند نهاية شارة بداية المسلسل. قلتُ لنفسي لو أن الحسبة ورجالها في زمن الزير سالم، لقتلوه في أول حلقات المسلسل أثناء شربه للخمر، ولأنه لا يصلّي، وانتهت أحداث المسلسل في حلقاته الأولى، دون أن أنزعجَ من عدم مشاهدة حلقة بأكملها.

من كثرة بيع الوقود في القرية ومرور سيارات نقل الوقود فيها، كانت تنبعث رائحة الوقود وكأنها رائحة عطر يتعطر منه كل من في القرية، وكل من يمرُّ فيها قاصداً مكاناً آخر. طلبتُ من والدي أن يشتري لي برميل مازوت، لأعمل أمام منزلنا في ببيع المحروقات للمارّة دون أن أبتعدَ عن أهلي، وفي الوقت نفسه أسلّي نفسي أكثر، فلا كهرباء ولا حلقةً كاملةً من مسلسل الزير سالم.

اقتنعَ والدي باقتراحي، وما زادَ قناعته هو تخويفُ أمي له، من أنه إذا لم يملأ فراغي كشاب في بداية عمري: «بيجي واحد من هدول بيضحك عليه بكلمة، ويصير معون».

اشترى والدي لي غالوناً أسوداً كبيراً، بإمكاني سحبه إلى داخل المنزل بعد وضع كرتونة تحته، أبدّلها كل يوم حتى لا ينبعج الغالون، ويتسرَّبَ البنزين منه، فلا أستفيدُ من البيع.

بقيتُ على هذه الحالة مدة أسبوع، ولم أستطع بيع محتويات الغالون بأكملها، ولكني كنتُ أشاهدُ السيارات تسيرُ على الأوتوستراد ولا تمرّ من حارتنا، لذلك قرّرتُ أن أجد لي مكاناً على مفرق الطريق، وأضع عبارة على كرتونة تشيرُ إلى مكان تواجدي كي يراني من يسير في الطريق ليلاً. كنتُ كُلّما رأيتُ قداحةً على الأرض، أو انتهي الغاز من قداحةٍ في المنزل، آخذها أو أنزع منها الضوء الذي في أسفلها، وأثبته على الكرتونة كي ألفتَ انتباهَ المارّة.

«من وين أنت يا ثامر؟»، سألني رجلٌ منهم (عناصر تنظيم الدولة)، فأجبتُهُ من حلب، من الدويرينة، ليجيب: «دويرينة! أنت مجنون؟؟ دويرنية مو اللي فيها مجانين؟».

فكَّرتُ فيما أجيبُه، لم أجد إجابة عن كلمته التي أزعجتني، ولكني قلتُ له: «شيخي ما تشتري من عندي كل الغالون، صرلها أسبوع وما عم تخلص معي!». اشترى الغالون بأكمله، وطلبَ مني أن أردّد خلفه كلاماً عن البغدادي، رئيسنا الجديد، ولكن والدي بعد أن أخبرتُه بما طلبه مني الرجل، وهو أن أردد خلفه كلمات في طاعة البغدادي في العسر واليسر، ردَّ بعصبية: «لا قلَّك ولا قلتلو، أنسى شو قلَّك، وأول مرة وآخر مرة أسمع منك هالحكي، ولا تتعاطى معهم». لكنني ولأول مرة قررتُ أن أعصي والدي ولا أنفِّذَ قراراته، فهو لا يتعذّبُ مثلي بسحب الغالون من مفرق الطريق إلى المنزل إذا لم يكن قد فَرغَ من البنزين المُكرَّر، والتحدُّثُ معهم هو ما كان يسمح لي بحمل الغالون فارغاً عند العودة، وركله مثل كرة القدم من مفرق الطريق إلى المنزل.

كلّما تمرُّ سيارةٌ لهم، كنتُ أرفعُ سبابتي في وجهها كي يراني من فيها، وأطلبُ منه شراء ليترٍ واحدٍ فقط، وهكذا أخفّفُ عنهم الدفع، وانتهي من غالوني اليومي بسرعة. وعندما شاهدَ والدي عملي المتفاني، ونجاحي في بيع كامل محتويات الغالون يومياً، اشترى لي غالوناً آخر بني اللون. قَبَّلَني على خدي، شعرتُ كأن قلبي خفق من جديد، كان شعوراً لم أعرفه من قبل، وقرّرتُ في سرّي أن يكون أمره مطاعاً، حتى وإن طلب مني عدم التعامل معهم، فالشعور الذي شعرته بتقبيل والدي لي، يعادلُ فرحتي بما بعتُهُ طيلة فترة تجارتي بالمحروقات.

قال لي والدي: «اسمع يا حلو، تعاطى معهم، بس إن سألوك عندك خوات لا تردّ عليهم، وقلّهم إنك وحيد، منها ما ياخدوك معهم على الجبهات تقاتل، ومنها ما تفقد خَوَاتَك، أنت مو تحبّ خَواتك، بلكي أخدوا وحدة منهم وخلّوها تفجر حالها بشي دولة، بعدين ما عاد تشوفها».

فهمتُ من مقاتلي «الدولة» أن هذا الطريق الذي يسلكونه يؤدي إلى خطوط الرباط مع الملاحدة الأكراد كما كانوا يسمّونهم. كنتُ أعرفُ سيارات الأمراء من لونها الأسود وحجمها الكبير وعلو خزانات الوقود فيها، فسألتُ واحداً من الأمراء: «كيف لشبل مثلي أن يساعدكم؟ أنا وحيد لأهلي ولا أستطيع السفر معكم؟ وكيف يعرف الأخوة عندما يمرّون من أمامي أني أحبهم؟ هل يوجد عبارة محددة؟».

ردّ عليَّ الأميرُ، بعد أن انحنى صوبي واقتربَ منّي، وأخذ يضرب بسبابته على كتفي: «من جهز غازياً فقد غزا»، كما قال عليه الصلاة والسلام.

كتبتُ هذا الحديث على الكرتونة، وتحته عبارة: «أخي أعطني أجراً، واشتري مني ولو ليتر مازوت أو بنزين». أخذت خطتي مفعولها ونجَحَت، أصبحتُ أبيعُ كلّ ما تحمله الغالونات كل يوم، وأثناء العودة كانت سيارة لهم تقلّني إلى المنزل. حتى اللعب مع أطفال القرية بعد العودة إلى المنزل بتُّ مشغولاً عنه، أصبحَ اسمي، ثامر، مضرب مثلٍ عند نساء القرية لأولادهم أثناء إيقاظهم صباح كل يوم، بسبب عملي المتواصل ببيع المحروقات.

كنت قد كرهتهم في آخر مرة لعبت فيها معهم، وكرهتُ ما فعلوه، فقد قاموا بلعب لعبة «الدولة»، وهي أن يتم تنصيب أحدنا كأمير، وآخر كقاضٍ وثالثٌ متهم ورابعٌ ينفّذُ الحكم. قام عادل ابن مختار القرية بإقامة حدّ السرقة على أحمد، الطفل الحمصي النازح إلى القرية مع أهله من القصير، وقاموا بقطع يده في محل والد لؤي ابن الحداد بخرّاطة الحديد، وأخذوا يلعبون بكف أحمد كرة قدم، وأحمد يصرخ ويركض تجاه أمه، وأثناء ركضه تجاه منزله أغمي عليه وانطرحَ أرضاً.

قامت «الدولة» بفرض غرامة على والد كل منّا، ودَفعِها لوالد أحمد، مع ابتسامةٍ كنتُ أراها على وجوه العناصر، الذين تحدثوا أمامنا وأمام والدي ووالد كل طفل موجود في محكمة جرابلس: «جيلٌ يطبّق أحكام الشريعة، هذا ما أوصانا به خليفة المسلمين حفظه الله».

قلتُ للشيخ: «في الدويرينة كان أمام منزل المختار صورة للرئيس بشار في منتصف العلم بين النجمتين، لماذا لا تضعون صورة الخليفة داخل الدائرة البيضاء؟»، فردَّ الشيخ: «بشار طاغوت يُعبَدُ من دون الله، أما أبو بكر البغدادي فهو خليفة المسلمين».

أثناء العودة قال لي والدي مازحاً: «خفت تقلهم إني كنت مع المختار لما رفع صورة الرئيس على بيته».

لم تكن أختيَّ، سارة ووداد، تتكلمان. كان عدد الكلمات اللتين تعرفانها قليلاً جداً، فقد منعوا التلفاز في المنازل، ووالدتي صامتةٌ طوال اليوم تهتمّ بشؤون المنزل. الصغيرتان كانتا تعبّران عن الفرح والحزن والطلبات بالنظرات فقط، سنتان في المنزل، لا تخرجان إلى الشارع مطلقاً كي لا تتعرضا للخطف كما يقول والدي.

كنتُ أحاولُ التحدث معهما بعد الانتهاء من عملي، فأخبرهما عن السيارات التي تملأ الوقود من عندي، ولكن لا أجد منهما إلا الإشارة والإيماء بالرأس. خافت أمي من احتمالية إصابتهما بالجنون، ووالدي ردَّدَ لاهثاً: «العما، إن انجنو محدا يتزوجهن!».

اشترى تلفازين، واحدٌ سلّمه للدولة مرة أخرى كي يعطوه ورقة تدلُّ على أن منزلنا «مُطهَّرٌ» لا رجس فيه، وآخرُ للمنزل بعد أن أحكم إغلاق النوافذ بأكياس سوداء، وهكذا بدأت الصغيرتان بالنطق والتعلم.

ذات يوم، طلبَ مني أحد عناصر «الدولة» أن أقرأ له سورة من القرآن الكريم، وعند تسميعي له إياها وعدم تمكّني من القراءة السليمة، ردَّدَ أمام أصاحبه أن «أهل الشام لا يتقنون كتاب الله، وأن الله مَنّ علينا بحكمهم لردّهم إلى دينهم»!

أردتُ أن أقول له: «والله لو تذهب معي للدويرينة تشوف عمر ومهند كيف يحفظون القرآن»، ولكني خفتُ ألّا يشتري منّي، وأن يخبر أصدقاءه بشأني فلا يشتري مني أحدّ.

أثناء حديثه مع أصدقائه عن عدم حفظنا لكتاب الله، تابعتُ الحديث في سرّي: «كيف نحفظ وأنتم أتخذتم من المدرسة مقراً لكم، وسكناً لنسائكم، وأحرقتم خشب المقاعد. وعندما أُخبِرُ الشيخ في المسجد أن حذائي سُرِق، لا يبحث عن السارق بل يقول لي أن أصبرَ وأحتسب، ووالدي لا يوجد لديه المال لكي يشتري كل يوم حذاءً جديداً لي». رفعتُ صوتي في داخلي، وقلتُ له دون أن يسمعني: «أنتو رجعولنا مدارسنا، ونحن منصير بلبل بكل شي مو بس القرآن».

بدأتُ أكرههم، حتى أنني أصبحتُ أحياناً عندما يسألني أحدهم عن المازوت، أقولُ وأنا جالسٌ في مكاني إنه غير متوفّر. باتوا يتحدّثون على بعضهم بعضاً أمامي، حتى أن أحدهم حلف لآخر كان معه في السيارة عن رؤيته بأمّ عينه للأمير أثناء ممارسة الجنس مع طفل تخرّج من المعسكر حديثاً.

سألتهم ذات مرّة: «لماذا تطيلون شعركم؟»، ليردّ عليَّ أحدهم: «هكذا أمرنا رسول الله!». قلتُ له بصوت مسموع: «صلى الله عليه وسلّم»، وفي سرّي تابعت: «الرسول أمركم بإطالة الشعر، وما أمركم بتسريحه والنظافة؟».

عندما دخل «الحرّ» إلى حيّنا، قالوا إن الله نَصَرَهم. وعندما عاد المختار وشلّته، أيضاً قالوا إن الله نَصَرَهم. و«الدولة» تقول إن الله ينصرها في معاركها. سألتُ والدي: «كم الله موجود؟»، فصرخَ في وجهي: «هكذا تكفر، لا تُعِد مثل هذا الكلام». لم أنم في الليل لأني لم أجد جواب سؤالي، وفي الصباح قالت لي أمي: «إبني الله واحد، بس هدول كذابين يتحججو فيو».

ذهبتُ للعمل دون أي رغبة، وأصبحتُ أتمنى لو يطلب مني والدي أن أجلس في المنزل، وكم تمنيت أن أكون مثل سارة ووداد. أصبحتُ أشتمهم مع كل سيارة تمرُّ من أمامي، وازداد كرهي أكثر عندما قال أحدهم لآخر أثناء تعبئتي للمازوت في سيارتهم: «والله سيُقتل فلان من الدولة، لأنه يُشَكُّ في ولائه».

لكن أكثر ما كان يثير كرهي لهم، حديثهم عن حلب وكأنها زوجة أبيهم الظالمة، فكُلَّما تُقصف يفرحون، ويقولون لبعضهم: «اللهم أهلك الظالمين بالظالمين، هذا جزاء من يقاتل الدولة من الصحوات!». حتى أني طلبتُ من أحدهم أن أشاهدَ ما يحدث في حلب على جهازه، شاهدتُ رجالاً شعرُهُم أبيض، يركضون ويحملون بيدهم أطفالاً يسيل الدم من رؤوسهم.

كانت حلب هي المكان الذي كنتُ أنتظرُ أن أكبرَ كي أذهب إليه، وألبسَ بنطالاً كبنطال والدي، وأضعَ من عطره، وأعرفَ أين تذهب النسوة الناعسات اللواتي كُنَّ يقفنَ على مفرق الطريق في مخيم النيرب. حلب التي زرتها مرة واحدة في عمري، وصعَدَت بنا السيارة فوق سطح الأرض، لأرى من خلال نافذتها وأنا في حضن والدتي الناس كالنمل، وأشاهدَ بناءً كبيراً جداً يوجد فيه ألف مرآة لونها أخضر. كنتُ أكرّرُ الحديث عن هذا المشهد كثيراً، وأخبر سارة ووداد عنه.

أقولُ في سرّي لهم: «ما ذنبُ الحجارة والمنازل، إن كنتم تكرهون الموجودين فيها. وتفرحون أيضاً عند سماع خبر تقدم شلّة المختار تجاه حلب التي يسيطر عليها الحرّ! لماذا تفرحون عندما تشاهدون كومة من الدخان في هواء حلب؟».

كنتُ كثيراً ما أصعدُ تلة القرية، وأنظرُ تجاه حلب، أمعنُ النظر أكثر علّني أرى شيئاً، ولكن دون نتيجة.

بدأت حركتهم تقلّ، وأبي طلبَ مني أن أجلس في المنزل، ولكني كنتُ قد اعتدتُ على البيع والجلوس على مفرق الطريق. سألتهم عن سبب اختفائهم عن القرية، فأجاب أحدهم أن «الملاحدة تقدموا وأخذوا كثيراً من المناطق، والصحوات يقاتلوننا من الطرف الآخر»، وطلبوا مني أن ألتحقَ بصفوفهم للقتال، لأن كثيرين منهم قد قتل في المعارك. كذبتُ كالعادة، وأخبرتهم أني أودُّ ذلك، ولكني وحيدٌ ومعيلٌ لأهلي.

اختفوا على الإطلاق، ولم أعد أشاهد منهم أحداً. يومان لم تمرَّ سيارة لهم من القرية، ثم دخلت سيارات غريبة ترفرف فوقها رايات صفراء اللون، لا هم من «الحرّ» ولا النظام ولا «الدولة»!!

في سياراتهم من الخلف، كانت تركب نساءٌ يجدلنَ شعرهنَّ ويتحدثنَ لغات لا أفهمها، ولا يشترون مني إلا الماء الذي أصبحتُ أضعه في غالونات مع الثلج، بالإضافة إلى غالونات المحروقات التي تراجعت كمياتها وقلّ بيعها، بسبب عدم توفرها وقطع الطرقات.

صار سوق الغنم تحت سيطرة هؤلاء الصفر، ووالدي لم يعد يخرج من المنزل، قال لأمي: «أخوكي أبو الحرية وينو؟؟؟ هدول إيمتى صاروا زلم؟».

كان أصحاب الرايات الصفراء يمرّون أمام المفرق مسرعين تجاه مدينة منبج، ويتحدثون مع بعضهم بلغات لا أفهمها، وانزعجتُ من أحدهم عندما طلب مني ماء ومشروب «سِلِس» قائلاً: «خيتو... معليش تعطيني 5 مي و5 سلس برتقال، وشقد بِدك مني؟». عناصر «الدولة» استهزأوا مني عندما لم ألفظ كلمات القرآن بطريقة صحيحة، والآن وهؤلاء لا يجيدون التحدّت معنا باللهجة السورية التي نتحدث بها.

طلبت أمي من والدي النزوح بسبب الاشتباكات التي تحدثُ على أطراف القرية، فصرخَ في وجهها: «وين تريدي مني أروح؟!! لعند المختار وشلّتو حتى يذّلوني، وإلا لعند الدواعش الكلاب اللي أخبي البنات من وجههم مشان ما يتزوجوهن، وإلا هدول الي ياخدوا البنات ليقاتلوا معون، وإلا مين؟ ضالل هون، واللي بدو يصير يصير». نظرَ والدي إلى السماء، ودعا الله، وأنا الذي كنتُ أحسبُ أن ربّ أبي هو الرئيس: «يا رب وين أروح؟؟؟».

هدأت الاشتباكات، اختفى أصحاب الرايات الصفراء من القرية وذهبوا تجاه منبج. استيقظتُ بعدها صباحاً على صوت قصف جوي، عرفتُ لاحقاً أنه ذهب ضحيته بعض أبناء البلدة. ذهبتُ لأجلسَ دون أن أبيع شيئاً سوى الماء، عند مفرق الطريق. لا أحد يمرّ، لا مدنيون ولا سيارات للدولة ولا للصفر ولا أي أحد، وكأن القرية ليست لأحد. بعدها دخلت سيارات كثيرة، ترفع راية «الحرّ» الخضراء، ولكني لم أجد أي رجل ممن دخلوا حيينا في الدويرينة بينهم.

والدي نظر إليهم أثناء شرائهم الماء مني، وبدأ يتحدث معهم بدهشة: «يا هلا يا هلا بالشباب، أنتم شو جابكم لهون، مو كنتو هنيك؟». ليردَّ عليه أحدهم: «دخلنا من تركيا». وبعدها عاد أهالي القرية الذين كانوا قد غادروها، وسمعنا أن القرية لن تُقصَفَ مرةً أخرى، لا من أي طيران ولا من أي جهة.

عدتُ إلى مفرقي، مسحتُ كلمة «دولة الإسلام باقية»، ورتّبتُ غالونات المحروقات، فيما جلبَ لي والدي من صاحبه البنزين والمازوت. مرّت سيارةٌ بيضاء كبيرة، لم أعلم لمن تتبع لأنه لا يوجد عليها أي راية. أثناء دخول السيارة في مفرق القرية، نظرَ في وجهي من يجلس في كرسيها الأمامي. حدّقَ في وجهي، فحدّقتُ في وجهه علّني أصطاده لشراء المازوت. رفعتُ يدي، ولكنني احترتُ في الإشارة التي يجب أن أحركَ أصابعي وفقاً لها. خفتُ أن أرفعَ السبابة فقط، فأبدو أنني مع «الدولة»، ولا يكون هذا الشخص مع «الدولة». وخفتُ أن أرفعَ الإصبعين بإشارة النصر، فيكون الرجل من «الدولة».

رفعَ الرجلُ يده أيضاً مثلي، دون أن يقوم بأي إشارة. ارتبكتُ وخفت، ولكني اكتفيتُ بتلويح يدي في إشارة السلام، ليردَّ هو عليَّ بمثلها.