قضية «المعابر» تتفاعل في الشمال السوري

 

قُتل قبل أيام أحد عناصر «فرقة السلطان مراد» المدعومة تركياً بالقرب من معبر أبو الزندين قرب مدينة الباب في ريف حلب الشرقي، وذلك نتيجة اشتباك بين مجموعتين في الفصيل ذاته بخصوص نقاط التهريب في محيط المعبر من وإلى مناطق سيطرة النظام، بعد قرار الحكومة المؤقتة بإغلاق المعبر منذ منتصف آذار بسبب أزمة كورونا، وهو الإغلاق الذي دفع تجار مدينة الباب للاحتجاج نتيجة الخسائر التي ألحقها بهم. بالمقابل، يعرب كثير من سكان ريف حلب عن استيائهم نتيجة استمرار عمليات التهريب بين مناطقهم ومناطق سيطرة النظام أو قوات سوريا الديمقراطية، ويرى بعض من تحدثنا معهم أن هذا سيؤدي إلى انتشار فيروس كورونا، ويلحق الضرر بالسوق الداخلية في مناطقهم.

كذلك اعتصم المئات في مدينة سرمين بريف إدلب، في 18 نيسان الجاري، احتجاجاً على عزم هيئة تحرير الشام فتح معبر مع قوات النظام المتواجدة في سراقب، وهو الأمر الذي أعقبه تأجيل أو إلغاء افتتاحه. وكان المحتجون قد اعتبروا أن هذه الخطوة تُشرعن وجود قوات النظام في المناطق التي سيطرت عليها مؤخراً، بالإضافة إلى ما يشكله فتح المعبر من خطر على السوق الداخلية في إدلب، وعلى الصحة العامة في ظل كورونا.

تتصدر قضية المعابر الداخلية النقاش العام في مناطق سيطرة فصائل المعارضة في ريفي إدلب وحلب هذه الأيام، إذ يبدو أن هناك فئات تستفيد، وأخرى تتضرر، مع كل إغلاق أو فتح. ولكن قبل الخوض في سلبيات وإيجابيات الفتح أو الإغلاق، ينبغي القول إن كلمة «معبر» لا تنطبق تماماً على هذه النقاط التي وجدت على خطوط التماس منذ خروج مناطق واسعة عن سيطرة النظام في البلد، ذلك أن المعبر يكون في العادة على الحدود بين الدول، ويخضع لقوانين وآليات عمل واضحة ومعلنة، ويعبّر إغلاقه أو فتحه عن موقف سياسي يتراوح بين الانسجام والقطيعة بين الجهات المسيطرة على طرفيه. لكنَّ أياً من هذه المعايير لا ينطبق على نقاط العبور بين مناطق سيطرة الجهات المتعددة في الحرب السورية، التي شكّلت مصادر دخل رئيسية للتشكيلات العسكرية التي تسيطر عليها.

المزارعون والورشات الصغيرة أكبر الخاسرين

الزراعة هي العمود الفقري لحياة معظم السكان في الشمال السوري الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة، ويمثل تصدير منتجاتهم الزراعية اللاعب الرئيسي الأهم في تحديد أسعارها، إذ يترافق إغلاق نقاط العبور التجارية مع انخفاض حاد إلى ما دون الكلفة في سعرها، ما يتسبب بخسارة المزارعين.

يبدو إذن أن إغلاق نقاط العبور يتسبب بانخفاض أسعار هذه المنتجات في السوق الداخلية، إلا أن ذلك لم يحدث هذه المرّة، إذ تضاعفت أسعار الخضار والفاكهة بنحو ضعفين إلى ثمانية أضعاف عمّا كانت عليه في العام الماضي، وسنضرب مثالاً عن ذلك ارتفاع سعر البطاطا من خمس وسبعين ليرة في العام الماضي إلى ستمائة ليرة حالياً، وهو الأمر ينسحب بنسي متفاوتة على باقي الخضار والفاكهة.

الألبسة الصيفية هي الأخرى شهدت ارتفاعاً كبيراً في الأسعار مع قرار الإغلاق، ويعود ذلك إلى توقف استيراد الألبسة من مناطق سيطرة النظام، وتوقف الورشات الصغيرة عن الإنتاج لحاجتها للأقمشة والمعدات التي كانت تأتي من مناطق النظام، واستبدالها بالبضائع التركية التي لا يتناسب سعرها مع مستويات الدخل المحلية.

مربو الدجاج والمواشي أيضاً تأثروا بقرار الإغلاق، إذ لا تتناسب كلفة العلف والأدوية مع أسعار المبيع بحسب من تحدثنا معهم، ما دفع بعضهم إلى ذبح ما لديهم من دواجن ومواشي وتوزيعها على الأسواق سريعاً. خسر هؤلاء كثيراً نتيجة هذا، لكن أسعار مبيع اللحوم ارتفعت رغم ذلك بنسبة 25 %، نتيجة انخفاض قيمة الليرة السورية مقابل الدولار بما يزيد عن الضعف بين العام الحالي والماضي.

الخُلاصة أن الظروف الراهنة أدّت إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين عموماً، وفي الوقت نفسه خسارة المزارعين وأصحاب الورش الصغيرة نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج وانهيار سعر صرف الليرة السورية. هناك استثناءات طبعاً بالنسبة لبعض الأصناف التي كسدت وتم بيعها للتجار بأسعار زهيدة جداً، مثل محصول «الجانرك»، الذي وقعت الخسارة كلها فيه على المزارعين.

حجج وتفنيدات

رغم أن نقاط العبور تسهّل نسبياً حياة السوريين في مختلف المناطق، فيما يتعلّق بمرور المدنيين والبضائع التجارية والأدوية، إلا أنه ومع كل افتتاح لنقطة عبور جديدة مع تغير خرائط السيطرة، كانت قطاعات من سكان المنطقة المحاذية لنقطة العبور تحتج على افتتاحها. ودائماً، كانت الجهات المسيطرة تضرب عرض الحائط بتلك الاحتجاجات.

نضرب هنا مثالاً افتتاح هيئة تحرير الشام والنظام لـ «معبر العيس» بريف حلب الجنوبي في نيسان من العام 2018، أي قبل عامين بالضبط من الحديث عن افتتاح «معبر سرمين-سراقب» الذي لم يتمّ. وقد عّبر النشطاء والهيئات والمجالس المحلية والعسكرية بريف حلب الجنوبي وقتها عن رفضهم لفتح نقطة العبور، إلا أن هيئة تحرير الشام فرضت فتحها دون الاستجابة لمطالب أهالي المنطقة، التي كان أبرزها إخراج المعتقلي من أبنائهم من سجون النظام، وتحسين الواقع الخدمي والمعاشي في قرية العيس.

كان أمر مشابه قد حدث عند افتتاح الفصائل التابعة لتركيا لـ «معبر أبو الزندين» قرب مدينة الباب بريف حلب مطلع 2018، والذي تم فتحه رغم احتجاج فعاليات تجارية ونشطاء معارضين من أبناء المنطقة، اعتبروا أنه يحوّل المنطقة إلى سوق استهلاك للنظام، ويساهم باستنزاف موارد أبناء المنطقة وتزويد النظام بالعملة الصعبة.

يبدو أن احتجاجات أبناء تلك المناطق تحمل قدراً من الوجاهة، لكن الواقع يقول إنه لا يمكن الاستغناء تماماً عن نقاط العبور تلك، وذلك لعدة أسباب أهمها عدم القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في مناطق سيطرة فصائل المعارضة التي لا تتوافر فيها المواد الأولية، كالمحروقات على سبيل المثال، التي أدى انقطاعها من مناطق قسد مؤخراً إلى ارتفاع أسعار كافة المنتجات الزراعية لاعتماد المزارعين على المازوت لري أراضيهم، وكذلك ارتفاع سعر الخبز وأمبيرات الكهرباء والمياه المنقولة عبر «الصهاريج»، والقائمة تطول.

كذلك يشمل الأمر الألبسة التي تحدثنا عنها أعلاه، والأدوية التي شحّت في صيدليات الشمال السوري بعد إغلاق المعابر مع مناطق سيطرة النظام، وهو ما أدى لارتفاع أسعار ما يشابهها من الأدوية المهربة التي تأتي من تركيا، أو عبرها من دول أخرى كالصين مثلاً.

سيؤدي إغلاق تلك النقاط إلى خنق السكان في الشمال السوري، خاصة أن الجانب التركي، الداعم والضامن لمناطق سيطرة المعارضة، لم يقدم بديلاً سوى تحويل المنطقة إلى سوق استهلاك من طرف واحد، إذ تدخل البضائع التركية من المعابر الحدودية دون أي قيود من أي نوع، بينما تفرض الحكومة التركية منعاً لإدخال المنتجات السورية إلى تركيا إلّا ما تقتضيه حاجة سوقها، ما يؤدي دائماً إلى رفع أسعار هذه المنتجات في السوق المحلية.

المتقاعدون والموظفون الحكوميون في مناطق سيطرة فصائل المعارضة يشكلون حلقة أخرى من حلقات النقاش العاصف حول نقاط العبور، فهؤلاء لا يستطيعون قبض معاشاتهم إلّا  عبر الذهاب إلى مناطق سيطرة النظام. ويرى كثيرون من أصحاب الرأي القائل بضرورة إغلاق نقاط العبور نهائياً أن هؤلاء، وخاصة الذين يعملون في سلك التربية والتعليم، يشكلون خطراً على الثورة وأنهم في الواقع موالون للنظام.

تحدَّثنا إلى بعض أصحاب هذه المعاشات، وهم يقولون إن هذه الحجج سخيفة، إذ كيف يمكنهم مواصلة العيش دون قبض معاشاتهم، وخاصة في ظلّ غياب أي بدائل، وفي ظلّ توقف الدعم عن قطاع التعليم منذ أشهر. يقول إحد المدرّسين: «نحن نعيش هنا، نتحمّل أعباء النزوح وظروف القصف والموت وشراكة المصير. هذه كلها افتراءات واتهامات باطلة، خاصة أن تسع سنين تفصلنا عن هذا الكلام؛ لماذا يُفتح هذا الكلام من جديد الآن؟».

يتقاضى الموظفون والمتقاعدون رواتبهم كل ثلاثة أشهر، وفي حال استمر إغلاق نقاط العبور، فإن القانون يقضي بتحويل هذه المعاشات إلى وزارة المالية، ما سيعني إجراءات طويلة ومعقدة لاستعادتها في المستقبل. يقول أحد المتقاعدين: «معاشاتنا التقاعدية هي من حقنا، وهي حصيلة تعب السنين الطويلة، وليست منّة أو فضلاً من بشار الأسد أو غيره حتى يتهمنا البعض بأننا مرتبطون بالنظام».

المرضى أيضاً لهم رأي في إغلاق هذه النقاط؛ مع منع تركيا لدخول الحالات الطبية السرطانية أو التهاب الكبد وبعض الأمراض المزمنة، توجه قسم كبير منهم إلى مشافي النظام للعلاج. هؤلاء دون علاج أو جرعات بعد الإغلاق، خاصة إذا عرفنا أن ثمن أي جرعة سرطانية يبلغ نحو مئتي دولار، في حال أمكن توفيرها أصلاً في مناطق سيطرة الفصائل.

إغلاق نقاط العبور نهائياً سيكون كارثة إذن بالنسبة لكثيرين، وتبقى أخيراً الذريعة التي تتحدث عن أن فتحها يعني شرعنة لوجود قوات الأسد، لكن هذه الحجة لا تصمد في مواجهة الوقائع على الأرض، التي تقول إن نقاط العبور كانت تتغير طوال سنوات الحرب مع تغيّر خرائط السيطرة، ولم يكن وجودها حائلاً دون هذا التغيّر في أي مرحلة، سواء كان التغيّر لصالح النظام أو غيره.

القضية ليست وجود نقاط العبور أو عدم وجودها

المسألة الأهم التي تحرك السكان الرافضين لفتح نقاط عبور جديدة هي كيفية إدارة هذه النقاط، التي يعود ريعها بالكامل إلى الفصائل المسيطرة عليها. مثلاً، تسيطر هيئة تحرير الشام على جميع معابر إدلب، ويقول من تحدثنا إليهم من السكّان إن الهيئة لا تبحث عن حلول لتخفيف العبء عليهم، بل تسعى لإبقاء «الساقية التي ترفدها بالتمويل». ورغم السيطرة الشكلية لـ«حكومة الإنقاذ» التابعة للهيئة على هذه «المعابر»، إلا أن الهيئة لا تسمح بتحويل عوائدها حتى شكلياً إلى الحكومة، بل تربطها مباشرة بـ«المكتب الاقتصادي» للهيئة. ليس ثمة أرقام دقيقة طبعاً، لكنّ مراقبة الحركة عبر هذه النقاط قبل إغلاقها تكفي لاستنتاج أن عوائدها كانت تبلغ مئات آلاف الدولارات شهرياً.

ينطبق الأمر نفسه على نقاط العبور في مناطق سيطرة الفصائل المدعومة تركياً، التي تشرف عليها شكلياً الحكومة المؤقتة، بينما تسيطر الفصائل عليها فعلياً، دون أن يعود ذلك بالفائدة على حياة السكّان والمجالس المحلية والمرافق العامة.

يبدو أنه لا فارق بالنسبة لأغلب السكّان سواء أُغلقت النقاط أم فُتحت، باستثناء ما يتعلق بأصحاب المعاشات الحكومية والمرضى؛ الفائدة تعود دائماً على التجار والفصائل المسيطرة، وهؤلاء لن يعدموا الوسيلة لإيجاد بدائل كطرق التهريب التي انتشرت في الآونة الأخيرة، والتي أدّت إلى ارتفاع الأسعار. في هذه الأوضاع، يبقى أن فتح النقاط أمام الحركة أفضل من إغلاقها، لأنه سيؤدي إلى انخفاض الأسعار على الأقلّ، أمّا الحل الجذري الذي لا يتحدث عنه أحد، فهو إدارة عمل هذه النقاط بحيث تعود الفائدة منها على عموم السكان، عبر تحسين الواقع الخدمي في القطاعات العامة مثل الطرق والتعليم والصحة والأفران.

أما فيروس كورونا، الذي بنيت على أساسه أغلب الدعوات لعدم فتح نقاط العبور، فبالإمكان إيجاد حلول بديلة تتعلق به، مثل تلك المفروضة على المعابر التركية السورية، عبر استبدال السائقين في ساحات التفريغ على سبيل المثال، ومنع دخول المدنيين إلا بعد إجراء فحوصات طبية عليهم وإخضاعهم لحجر صحي.

انتشرت مؤخراً في الشمال السوري شائعات حول إطلاق النظام لبعض المعتقلين الذين يحملون فيروس كورونا من سجونه، وإرسالهم إلى مناطق سيطرة المعارضة بغية نشر المرض فيها. يبدو الأمر أقرب إلى نكتة حزينة، لكنّ ما لا شكّ فيه أن عائلات هؤلاء المعتقلين تطالب بإطلاق سراحهم جميعاً فوراً، وهم مستعدون طبعاً لاحتمال كلّ ما قد ينشأ عن هذا من عدوى وحجر صحي وغيره.