قضية خاشقجي: الضغوطات الدولية على السعودية مستمرة

 

انطلقت، صباح أمس الثلاثاء، فعاليات مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في فندق ريتز- كارلتون في الرياض، والذي سبق أن حمل لقب «دافوس الصحراء» كنايةً عن أهميته الاقتصادية وحجم الاستثمارات المُتوقّع إقرارها فيه، والأهمية التي أولاها الحكم السعودي له كواجهة اقتصادية لمخططات ورؤى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، قبل أن يتحوّل، تحت ظلّ قضية قتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، إلى واجهة تُكثّف، عبر الانسحابات والمشاركات ومستوى هذه المشاركات، المواقف الدولية، سياسياً واقتصادياً، من القضية ومن مسؤولية أعلى هرم الحكم السعودي -ولي العهد نفسه- فيها.

ولعلّ الرغبة في عدم إحراج المستثمرين والمسؤولين الحاضرين، الذي قاوموا الضغوطات ولم ينضموا إلى سيل المُقاطعين الذي ضمّ عدداً كبيراً من كبار رجال الأعمال والسياسيين، أبرزهم وزير الخزانة الأميركية ستيفن منوتشين، وكريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي، وجيم يونغ كيم، رئيس البنك الدولي، هي ما دعت محمد بن سلمان لاختزال حضوره في المؤتمر إلى زيارة مقتضبة للتعبير عن رضاه عن سير أعماله، وعن حجم الحضور والاستثمارات المُناقشة والمُقرّة خلال فعاليات يومه الأول. بعد تلك الزيارة، ظهر «أم بي أس» برفقة والده، الملك سلمان بن عبد العزيز، في استقبال نجل وشقيق جمال خاشقجي لتقديم التعازي لهم، في مشهدٍ أثار كثيراً من الانتقادات والتساؤلات حول حرّية حركة ابن الصحفي المغدور، ومدى رغبته في المثول في ذلك اللقاء.

وكان يوم الثلاثاء قد بدأ بخطابٍ للرئيس التركي رجب طيّب أردوغان أمام كتلة حزبه النيابية، والذي سبقه ترقّب كبير ناتج عن إعلان سابق بأن هذا الخطاب «سيكشف كل الحقائق» حول قضية مقتل الصحفي السعودي. ورغم أن أغلب المعلومات التي ذكرها أردوغان في خطابه كانت معروفة قبلاً -ما أثار موجة إحباط وسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي- إلا أن أهمية الخطاب تكمن في أن ذكر هذه المعلومات على لسان رئيس الجمهورية التركية يحوّلها إلى معطيات سياسية وقضائية ذات ثقل كبير عوضاً عن بقائها مجرد تسريبات إعلامية للصحافة التركية والدولية. إضافةٍ إلى ذلك، عبّرَ خطاب أردوغان عن رفض تركيا الاكتفاء بالرواية السعودية المُقدَّمة حتى الآن، مؤكداً أن الجريمة لم تحدث «بالخطأ» ولا «صدفةً»، بل تم التخطيط لها مسبقاً في السعودية وفي اسطنبول، وطالبَ برفع مستوى المحاسبة حتى أعلى المستويات، ودعا لأن يُحاكم المتهمون في اسطنبول وليس في الرياض.

مع ذلك، عبّر أردوغان عن «ثقته» بالملك سلمان بن عبد العزيز، ما يمكن أن يُقرأ كحفاظٍ على بعض خيوط الوِدّ البروتوكولي ومنع تحويل القضية إلى أزمة جذرية تهدد العلاقات بين الدولتين بالكامل، مع الإبقاء على الضغوط التركية، وقدرة هذه الضغوطات، المتجددة يومياً على شكل تصريحات وتسريبات، على الحفاظ على الاهتمام الدولي بالقضية ومنع سقوطها في النسيان مع مرور الأيام، والاستفادة منها لاستنزاف غريمٍ إقليمي سياسياً، ومستثمر مهم اقتصادياً.

بدوره، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرّح أن ما سمعه من أردوغان خلال اتصال هاتفي بين الرجلين بما يخص الموقف التركي من السعودية «شديد القسوة» قبل أن يُطلق، بدوره، مجموعة من التصريحات تعبّر عن استياءٍ من أسلوب إدارة السعودية للقضية، تفسيراً ومحاسبة، معتبراً أنها «أسوأ عملية إخفاء في التاريخ» وأنها «فشلٌ ذريع». وقد دخلت قضية جمال خاشقجي في صُلب النقاش السياسي الأميركي، أكان بين الديمقراطيين والجمهوريين، أو ضمن الجمهوريين أنفسهم، إذ اعتُبرت مواقف ترامب ليّنة وسينيكيّة، لا تُخفي، ولو حتى على سبيل الكياسة الدبلوماسية، حصر اهتمامها بحجم الاستفادة الأميركية من المشتريات والاستثمارات السعودية، دون أي وزن أو قيمة للأبعاد السياسية والأخلاقية. وفي وقتٍ لاحق من أمس الثلاثاء، أعلن وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، مجموعة من الإجراءات العقابية ضد المُتّهمين بالضلوع في قتل جمال خاشقجي وإخفاء جثّته، تشمل إلغاء تأشيرات دخولهم إلى الولايات المتحدة، وتجميد ودائعهم في بنوك أميركية في حال وجودها، مضيفاً أن هذه الإجراءات «ليست آخر كلام الولايات المتحدة في هذا الشأن»، وأن مزيداً من العقوبات قد يُفرض مع تقدّم التحقيقات.

على الصعيد الأوروبي، كان الأسبوع قد بدأ مع إعلان المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل تجميد توريد الأسلحة والمعدات العسكرية إلى السعودية إلى حين معرفة كامل الحقيقة في قضية جمال خاشقجي، وقد سبق هذا الإعلان بيان ثلاثي أصدرته خارجيات ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، يوم الأحد، يُدين اغتيال خاشقجي ويُطالب بكشف كل الحقائق ومحاسبة كل المسؤولين عن الجريمة. وقد دعت ميركل ومسؤولين آخرين في حكومتها، بينهم وزير الخارجية هيكو ماس، الدول الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات مشابهة ووقف توريد الأسلحة إلى السعودية. وتبرز قضية توريد الأسلحة إلى السعودية، واستخدام هذه الأسلحة في حرب اليمن، ضمن النقاشات الأوروبية منذ أشهر عديدة، أكان على مستوى الاتحاد أو داخل الدول الأوروبية، وقد تلقّت ميركل نفسها انتقادات شديدة من حزب الخضر، الصاعد مؤخراً في استطلاعات الرأي، يدين ازدواجيةً بين خِطابٍ يدعو لتقييد هذه الصادرات، وممارسة تنتهي فعلياً بشكل دائم إلى عقد الصفقات مع السعودية وتنفيذها.

وبينما تنتظر دوائر السلطة السعودية، والدوائر الإعلامية الموالية لها، الدفعات الجديدة من التسريبات والتصريحات المتجددة كل يوم، لا تخفي هذه الدوائر انزعاجها من بقاء هذه القضية مشتعلة كلّ هذا الوقت، على عكس المنحى العام، أي التشتت السريع، للقضايا السياسية والإعلامية في السنوات الأخيرة، ورغم أن رهان هذه الدوائر ما زال قائماً على محاولة مقاومة الضغوطات وتحمّلها إلى أن تخفّ وتُنسى، إلا أن قضية خاشقجي مرشّحة لأن تبقى في صدارة الاهتمام العالمي في الفترة المقبلة، ومرشحة أيضاً لأن تبقى جاثمة على صدر طموحات ولي العهد الشاب ومخططاته، سعودياً وإقليمياً ودولياً، إلى أمدٍ غير محدود.