قلعة الكرتون: السرد عبر جماليات الفوتوغرافي

 

بدعم من مؤسسة الأمير كلاوس والمجلس الثقافي البريطاني، أصدرَ المصور الفوتوغرافي علاء حسن مجموعة الصور الفوتوغرافية التي التقطها بين الأعوام 2006 إلى 2011 في العاصمة دمشق ومحيطها العمراني(العشوائيات)، في كتاب مطبوع باللغتين العربية والإنكليزية، أعطاه عنوان قلعة الكرتون، ليكون وثيقة فنية-بصرية، تحاولُ سردَ تلك المرحلة الغامضة في تاريخ سورية الاقتصادي والسياسي، التي سبقت اندلاع احتجاجات العام 2011.

الفترة التاريخية التي يتناولها الكتاب والصور، هي فترةٌ نادراً ما تم رصد متغيراتها بدقة، أو إعادة تحليل التجربة الاجتماعية والسياسية التي عايشتها البلاد خلالها. ويحاول علاء حسن، وعبر استعمال وسيط الصورة الفوتوغرافية، تقديمَ محاولةٍ لا تقتصر على الجانب الفني-التشكيلي القادر على السرد، بل أيضاً عبر نصوص كتبها لترافق الصور وتنضمَّ إلى صفحات الكتاب، بهدف تقديم مقاربة سياسية اجتماعية لواقع البلاد في تلك الفترة، وللمتغيرات المناخية والسكانية التي ستلعب دوراً على تاريخ سورية المستقبلي، معتمداً بذلك على مجموعة من الأبحاث، يقول عنها: «هي دراسات أنتجت معظمها جهاتٌ أكاديمية أو بحثية، كهيئة تخطيط الدولة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وعلى تقارير رؤية الألفية الجديدة، وتقارير رؤية سوريا 2025».

في القسم الأول من الكتاب يعتمد حسن على الدراسات الاقتصادية والاجتماعية المذكورة آنفاً ليكتب: «في العام 2010، أدت السياسيات الحكومية التي أهملت الفلاحين وعجزت عن مواجهة الظروف المناخية القاسية إلى إفقار وانتقال مئات الآلاف من العائلات التي توجهت إلى محيط دمشق، ليسكنوا في مناطق العشوائيات». ويوضح أن عدد سكان المناطق العشوائية بلغ مليوني نسمة، يقطنون في محيط العاصمة دمشق.

ql_lkrtwn_-_ktb_fwtwgrfy_l_hsn_4.jpeg

قلعة الكرتون، علاء حسن

 

إذن يركز القسم الأول من سلسلة الصور الفوتوغرافية على التقاط الحياة اليومية في العشوائيات، وهي مساحات ممتدة فقيرة بالخدمات، وكذلك بالألوان. تبرع عدسة المصور في التعبير عمّا يرغب بالتقاطه من حيوات شخصيات وحيدة أمام جدران أو ممرات عارية من الزخارف، وهو يختار مِهناً مثل سائق سيارة أجرة، وصوراً لعمالة الأطفال، منتهياً ببعض الصور للموقع الجغرافي للعشوائيات، تقدِّمُ صورة بانورامية للأبنية وتجمعاتها.

ينجح الفنان علاء الحسن بالجمع بين الجماليات التشكيلية في توزيع الكتل والمساحات والأضواء من جهة، وضبط ما يريد للمتلقي تأويله من كلّ صورة من جهة أخرى. ويمكن القول إنه يحيط المتلقي بالجمال التشكيلي، بمقدار ما يوصل إليه الغاية السردية من كل صورة، أو مجموعة صور.

القسم الثاني من الكتاب يركّزُ أكثر على شروط السكن في العشوائيات، وطبيعة المهن المتوافرة وأساليب تحقيق العيش، إذ تنحو الصور إلى تسليط الضوء على الأعمال التي يمارسها النازحون إلى أطراف العاصمة، كأعمال المياومة وأعمال البناء. ويسعى الفنان عبر الصور والنصوص البحثية المختارة، إلى توضيح التناقض الموجود في قيام هؤلاء العمّال بإنتاج ما لا يمكن لهم التمتع بمثله: «بنى العمال أبنية عصرية متينة، شققاً صحية لن يتمكنوا يوماً من سكنها، بل عادوا كل يوم إلى مساكنهم العشوائية المبنية بالتهريب».

ينتقل الكتاب في القسم الثالث إلى داخل العاصمة دمشق، وهذه المرة يختار علاء حسن الحديث عن مشروع «يلبغا»، المجمع تجاري وسط دمشق، الذي بدأ تنفيذه منذ مطلع السبعينات. وهو يجعل من هذا البناء غير المكتمل، الرمزَ البصريَ لتعثّر مشروع السلطة في إدارة البلاد.

ql_lkrtwn_-_ktb_fwtwgrfy_l_hsn_2.jpeg

قلعة الكرتون، علاء حسن

تالياً، يستعرضُ الكتاب مجموعة من الصور الفوتوغرافية غير منتظمة السرد، يحاول من خلالها علاء حسن أن يروي مرحلة سياسية عنوانها: «التحديث والتطوير»، وهي مرحلة تنصيب بشار الأسد على سدّة الرئاسة. نرى هنا مجموعة من الصور الجميلة لتفاصيل وتجمعات في المدينة، لكنها لا تحمل قيمة سردية عالية، ومن الصعب على المتلقي أن يستخرج منها المعنى المراد من اختيارها.

في القسم الرابع، يعود الفنان إلى مهارة اختيار الصورة الفوتوغرافية التي تحمل جمالية وقدرة على السرد، فتتابع عدسته الحملة المخصّصة لمرحلة «التحديث والتطوير»، ويحاول تحليل الخطاب البصري الذي رافق استفتاء التمديد لبشار الأسد في فترة رئاسية ثانية في العام 2007. يكتب الفنان في النصوص المرافقة للصور: «عادت الدعاية السياسية لتغزو فضاء المدينة وتفاصيلها. واسترجع النظام السياسي هويته البصرية السابقة، صورة الفرد، صوت الفرد، سياسة الفرد». وبهدف توضيح وجهة النظر هذه، تختار عدسة الفنان في بعض الأحيان كادراً ضيقاً لتبيّنَ عدم خلوه من صورة رئيس البلاد، وصوراً أخرى توّسع كادر اللقطة لتبيّنَ تكرار صورة الرئيس السوري على واجهات المقاهي، على النوافذ الزجاجية للسيارات، في محطات انتظار الباصات، وفي الحدائق العامة.

يتميّزُ الأسلوب الفني الجمالي للمصوّر علاء حسن بكثافة بصرية في العناصر التي يختارها للبروز داخل كل صورة، دون أن يفقدَ التشكيلُ التوازنَ في الأحجام والتكاوين التي تمكّنُ عينَ المتلقي من استدراك المشهد. جميع الصور مُلتقطة بتقنية الأبيض والأسود، وتحاول الكاميرا عبر زاوية التصوير أن تروي فكرةً أو تُخرِجُ ما أمكنها من معنى. منها تلك الصورة التي تمّ افتتاح الكتاب بها، حيث مقبرةٌ تتداخل مع بيوت المدينة، أو حيث بيوتُ المدينة محاطةً بالقبور.

ql_lkrtwn_-_ktb_fwtwgrfy_l_hsn_1.jpeg

قلعة الكرتون، علاء حسن

تُحقِّقُ التجربة التي يقدّمها علاء حسن في هذا الكتاب تكاملاً بين الجانب التوثيقي الذي يمكن للصورة أن تلعبه، والعنصر الجمالي المُضمر في طبيعتها كفن، مضافاً إليهما الميزة السردية التي تتأتى من خلال دقة اختيار السياق، وإحكام العلاقة مع الصور الأخرى.

عند السؤال عن العنوان، قلعة الكرتون، الذي اختاره الفنان لسلسة الصور الفوتوغرافية والكتاب المطبوع، أجابَ علاء حسن: «استخدمتُ تعبيرَ قلعة الكرتون كمفهوم يصف بعض البنى النفسية أو الاجتماعية أو السياسية، أي ما يبدو منيعاً وحصيناً ولكنه هشّ. إنه وهمُ القوة الفارغة».