قمة سنغافورا: احتفال دبلوماسي بنتائج متواضعة

 

لم تكن التفاصيل القليلة التي خرجت إلى العلن من الوثيقة المشتركة الموقعة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون كافية لتجعل قمة سنغافورا تاريخية، وعلى الرغم من أن سقف التوقعات بالأصل لم يكن مرتفعاً، إلا أن تعهدات الرئيس الكوري الشمالي لم تتجاوز تعهدات سبق أن قطعها والده لعدة رؤساء أمريكيين بتفكيك منظومة السلاح النووي بالكامل. هذه الوعود التي تمّ الإخلال بها أكثر من مرة، تجعل من مجرد إعادتها أمراً دون التوقعات المرتقبة من لقاء على هذا المستوى.

وفيما لم يتمّ الكشف رسمياً عن المحتوى الكامل للوثيقة الموقعة بين الطرفين، صرّحَ الرئيس الأمريكي ترامب خلال مؤتمر صحفي عقده بعد اللقاء في سنغافورا أن الولايات المتحدة تعهدت بتقديم ضمانات لأمن بيونغ يانغ، في مقابل تخلي الأخيرة عن برنامجها النووي.

وقد سرّبت وكالة أسوشيتد برس أجزاء من هذه الوثيقة، جاء فيها تعهد كوريا الشمالية بنزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، وتعهدها بإقامة نظام مستقرّ وسلمي في المنطقة، إلا أن هذه التعهدات التي لم تصل إلى المطلوب، ربما دفعت عدداً من المعلقين إلى انتقاد اندفاع ترامب في هذه القمة، ووصفه إياها بالناجحة في حين أنه غابت عنها كلمات هامة؛ هي «الإتمام» «التحقق منها»، و«لا رجعة فيه» كما ذكرت الكاتبة روبين رايت في مقال لها بمجلة النيويوركر الأمريكية. وعلى الرغم من أن هذه العبارات كانت قد وردت في المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قبل يوم من انعقاد القمة، عندما أصرّ على ضرورة تخلي بيونغ يانغ عن سلاحها النووي بشكل كامل لا رجعة عنه، وقابل للتحقق منه عبر تفتيش المنشآت الكورية الشمالية، مقابل «ضمانات أمنية فريدة ومختلفة» لم تُقدَّم من قبل، إلا أنها غابت عن البيانات والتصريحات في ختام أعمال هذا اللقاء.

بالمقابل فإن تصريحات ترامب المفاجئة حول التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، ووصفها بالمكلفة والمستفزّة، قد فاجأت المسؤولين في سيول، الذين قالوا إنهم ينتظرون توضيحات أكثر حول هذا التصريح المُستغرَب.

أما بالنسبة لموضوع العقوبات على بيونغ يانغ، فلم يتم تقرير إيقاف أي منها في الوقت الحالي، وذلك حتى تُظهِرَ كوريا الشمالية التزاماً بتعهداتها حول نزع سلاحها النووي، إلا أن تخفيف التوتر قد يدفع الصين وكوريا الجنوبية إلى تخفيف التشديد على تطبيق العقوبات الدولية المفروضة.

وقد تفاعلت عدة دول مع القمة التي عُقدت في سنغافورا، إذ رحبت الصين عبر وزير خارجيتها بالاتفاق الموقّع، فيما اعتبر نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف أن الشيطان قد يكمن في تفاصيل هذه الاتفاقية، أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فقد اعتبر أن اللقاء تاريخي ورحّبَ بالاتفاق الذي وقّعه الطرفان.

يبدو أن التعهّدين الوحيدين الناتجين عن القمة هما تعهّد ترامب المفاجئ بوقف المناورات العسكرية التي تجريها الولايات المتحدة مع كوريا الجنوبية، وتعهّد كيم جونغ أون بتفكيك منشأة لتصنيع الصواريخ البالستية بعيدة المدى، مما يجعل الحصيلة الكلية أقلّ من التوقعات، التي على الرغم من حذرها فإنها كانت تحمل آمالاً أكبر بعقد تفاهمات أكثر تفصيلاً ووضوحاً حول ملف يشكّل بؤرة الصراع الرئيسية في جنوب شرق آسيا.

يبدو أن ترامب حاول الإيحاء عبر الضخّ الإعلامي المكثّف الذي أحاط لقاءه مع كيم جونغ أون بأنه سيحقّق إنجازاً دبلوماسياً مشابهاً لما حققه نيكسون بداية السبعينات من القرن الماضي، عندما زار بكين وبدأ عهد الانفتاح على الصين، الأمر الذي كان له آثارٌ جيوسياسية كبيرة جداً، لكن في الحقيقة لا يمكن وصف اللقاء الأخير بأي طريقة بأنه مشابه لما حدث في تلك المرحلة.

يبقى بالإمكان أن نشبّه الفضائح المتوالية في عهد ترامب بسلسلة الفضائح التي أطاحت بسلفه نيكسون، أما على الصعيد الدبلوماسي فلا يبدو أن ترامب يحقق أشياء كثيرة، بعد قمة أتت دون التوقعات، كان قبلها بأيام قد دخل في خلاف حاد مع حلفاء بلاده خلال قمة مجموعة السبع المنعقدة في كندا.