كابوس كورونا في دمشق

 

تشير بيانات وزارة الصحة في حكومة النظام السوري إلى أن عدد إصابات كورونا، المسجلة في مناطق سيطرتها (لا تشمل الأرقام محافظات إدلب والحسكة والرقة ودير الزور)، قد بلغ حتى مساء أمس الأحد التاسع من آب (أغسطس) الجاري 1188 إصابة، يتركز حوالي نصفها في مدينة دمشق، بواقع 525 حالة، لا تزال 297 حالة منها نشطة (قيد العلاج)، بينما تم تسجيل وفاة 40 مريضاً وشفاء 188. وتأتي محافظة ريف دمشق في المرتبة الثانية وفقاً لأرقام الوزارة، حيث تمّ تسجيل 192 حالة فيها، من بينها 88 حالة نشطة وثلاثة وفيات.

وتشير البيانات التي تنشرها الوزارة على موقعها الرسمي، إلى ارتفاع شديد في الإصابات المسجلة في دمشق وريفها خلال الفترة الزمنية الممتدة من مطلع شهر تموز (يوليو) الماضي حتى الآن، بالتزامن مع أنباء متواترة تشير إلى ارتفاع كبير يتجاوز الأرقام المعلنة رسمياً في أعداد الإصابات والوفيات في دمشق ومحيطها على وجه الخصوص، وهو ما يدفع إلى التصور بأنّ محافظتي دمشق وريف دمشق تتجهان لتسجيل ذروة انتشار جائحة كوفيد-19 خلال الفترة القادمة.

وقد حدّدت وزارة الصحة عدداً من المشافي العامة باعتبارها مراكز لعلاج المرضى المصابين بفيروس كورونا المستجد، من بينها مشفى المواساة أكبر مشافي العاصمة، ومشفى دمشق (المجتهد)، ومشفى ابن النفيس، ومشفى ابن رشد (للأمراض النفسية). وقد أدى هذا إلى شبه إغلاق في تلك المستشفيات، التي لم تعد تستقبل حالات مرضية أخرى، ما عدا الحالات الإسعافية الحرجة التي يتم تحويلها من مناطق قريبة من تلك المستشفيات، فيما يتم تحويل كل الحالات المرضية الأخرى إلى المستشفيات الخاصة التي تفرض على السكان أعباء ماديّة يصعب احتمالها في ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة في البلد.

وقد خصّصت وزارة الصحة التابعة لحكومة النظام خمسة مختبرات لإجراء فحوصات الكشف عن فيروس كورونا، اثنان منها في العاصمة دمشق بينما تتوزع ثلاثة مختبرات أخرى على حلب واللاذقية وحمص. وعلى الرغم من اعتراف حكومة النظام بارتفاع عدد الحالات المصابة، إلّا أنّ ما يثير مخاوف السكّان هو عدم تطابق الأرقام المعلن عنها مع الواقع الفعلي، ليس بالنسبة للحالات التي لا تُظِهر أعراضاً شديدة فقط، بل حتى بالنسبة لأعداد الوفيات، والحالات الحرجة جداً التي تتطلب تدخلاً طبياً ومعالجة في غرف العناية الفائقة وتوفير أجهزة تنفس اصطناعي، والتي لا يبدو أنّ البنية التحتية للقطاع الطبي في العاصمة قادرة على التعامل معها.

يقول مصدر طبي خاص من مستشفى الأسد الجامعي في دمشق للجمهورية: «الأرقام المعلن عنها من وزارة الصحة غير دقيقة أبداً، في الأيام القليلة الماضية فقط وصلتنا حوالي 70 حالة مصابة بمرض كوفيد-19، من بينها حوالي 5 حالات وصلت عن طريق الإسعاف في وضع حرج. أظن أنّ عدد الحالات هي أكبر بعشرة أضعاف من تلك المسجلّة رسمياً».

بالنسبة للتحاليل، فإنه «لا يتم أخذ مسحات للكشف عن فيروس كورونا إلا للحالات التي تعاني من أعراض واضحة وشديدة، تتمثل بضيق شديد في التنفس وحرارة بين 39 و40 درجة مئوية»، تقول طبيبة فضّلت عدم الكشف عن اسمها، وتعمل في إحدى المستشفيات التي تستقبل حالات كورونا. تتابع الطبيبة: «أوضاع العاملين الصحيين مزرية. لم أعد للبيت منذ أكثر من أربعين يوماً خشية أن أنقل العدوى لعائلتي، إذ أن هناك احتمالاً أن معظم الأطباء حولنا يحملون الفيروس، وربما أنا نفسي. توفي طبيب معنا في المستشفى يوم أمس، وهناك أنباء عن خمس وفيات بين الأطباء في دمشق خلال اليوم الماضي فقط».

عدم الثقة بالأرقام الرسمية، وما يتحدث عنه الجميع عن انتشار واسع النطاق للمرض لا يتوافق مع الأرقام الرسمية، وقلة عدد الفحوصات التي تجريها وزارة الصحة بحجة العقوبات الاقتصادية بحسب بيانات الوزارة، كلها ظروف تؤدي إلى خلق بيئة خصبة للشائعات والخوف، حتى أن أحاديث عن وفاة مرضى كوفيد-19 فور نقلهم للمستشفى، أثارت شائعات عن تعرّض المرضى لإجراءات تقصّدت قتلهم. وقد استطاعت الجمهورية التواصل مع أشخاص من ثلاث عائلات في مدينة دمشق، قالوا بأنّ مرضاهم توفوا خلال 48 ساعة من نقلهم إلى المستشفى بسبب الاشتباه بإصابتهم بمرض كوفيد-19.

تشرح الطبيبة التي تحدثت إليها الجمهورية أسباب وفاة كثير من الأشخاص بعد وصولهم إلى المستشفيات بقليل، فتقول إن «المستشفيات أصبحت تغص بالمرضى ولم يعد يوجد أمكنة»، وإن «قسم الإسعاف يعيد توجيه المرضى إلى المشافي الخاصة، ويستقبل الحالات الحرجة التي تحتاج إلى جهاز تنفس اصطناعي في حال وجود جهاز شاغر، لكن في الواقع لم يعد لدينا أجهزة تنفس كافية، وهو ما يؤدي إلى وفيات عالية بين الحالات التي تحتاج لأجهزة تنفس اصطناعي، وهي الحالات التي تقل نسبة الأوكسجين في دمهم عن 60 مم زئبقي. إضافة إلى شبه انقطاع في أدوية يتم استخدامها لمحاربة أعراض المرض أو الالتهابات المرافقة له، وهو ما يعني ترك المرضى من دون أي مساعدة حقيقية مع وجود دواء الباراسيتامول فقط».

في الغوطة الشرقية، التي سيطر عليها النظام بعد معارك عنيفة ربيع عام 2018، تبدو الصورة أصعب بكثير من دمشق من ناحية بنية القطاع الصحي، فمع تدمير كل المستشفيات الكبيرة في الغوطة، أصبح الاعتماد الرئيسي على المستوصفات. كما أنّ صعوبة التنقل الشديدة بين الغوطة ودمشق، والتخوّف لدى شرائح كبيرة من السكان، خاصة الشباب، من الانتقال عبر حواجز النظام نحو دمشق، يمنعهم من الوصول إلى الخدمات الصحية الموجودة في العاصمة، وهو ما يؤدي إلى زيادة الوفيات في الغوطة.

يقول عبد الله شعاع، وهو ناشط من منطقة الغوطة يعيش اليوم في مدينة إدلب: «كل الأخبار من الغوطة سيئة للغاية بخصوص انتشار المرض. الغالبية العظمى من معارفي قد أصيبوا بأعراض مشابهة لأعراض المرض، ومن يحتاج لعناية طبية لا يجدها. نسمع بشكل يومي عن وفيات يعتقد أن نسبة كبيرة منها بسبب كورونا، إلّا أنّ الأوضاع الصعبة والمخاوف من الجائحة ساهمت أيضاً في انتشار شائعات تضخم أحياناً الوضع، وتعزو عدداً من الوفيات إلى كورونا بينما يمكن أن تكون وفيات بأمراض أخرى. مع ذلك، فإن الوضع شديد السوء، كل يوم نسمع عن وفاة جديدة، والبارحة انتشر خبر وفاة الدكتور زياد خميس في سقبا بسبب فيروس كورونا، وهو من الأطباء المعروفين الذين يحظون بتقدير في مدينتهم».

«أحوال الناس المعيشية لا تساهم أبداً في احتواء المرض»، يقول جميع من تحدثنا إليهم، ومن بينهم الطبيبة في دمشق، التي أضافت أن «الإجراءات التي اتخذت لم تكن فعّالة، فحتى البلدات أو المناطق التي تمّ الحجر عليها كان هناك حركة منها وإليها عن طريق العسكريين، بينما تُركت أحياء من دون حجر، لأنّ لدى وجاهاتها (واسطة). لا يمكن أن تكافح جائحة كهذه، فيما يقف الناس لساعات في طوابير مزدحمة من أجل تأمين احتياجاتهم. لقد صرنا كعاملين صحيين بلا حول ولا قوّة».

في نهاية أغلب النعوات في دمشق وريفها نجد العبارة التالية: «تقبل التعازي بقراءة الفاتحة والدعاء للفقيد وعبر وسائل التواصل الاجتماعية والهاتف»، فلا دور عزاء تقام اليوم في تلك المدينة، التي تفقد العشرات من أبنائها وبناتها يومياً في ظروف الوباء، دون أن يكون مؤكداً عدد الوفيات الناتجة عن كورونا فعلاً، بينما لا تتخذ حكومة النظام إجراءات جديّة للحد من انتشار المرض، مع إلقاء اللوم على العقوبات الاقتصادية التي باتت الشمّاعة المفضّلة لتغطية الفشل الحكومي العام.

اليوم، لا يوجد أسرّة كافية لمرضى كوفيد-19 في دمشق وريفها، ولم تعد مستشفى المواساة، أكبر مشافي العاصمة، تستقبل مرضى بغير فيروس كورونا. فلنتخيل شخصاً أصيب بأزمة قلبية، ولا يستطيع تحمّل تكاليف العلاج في مشفى الشامي أو هشام سنان. إنّه كابوس على الجميع، على من أصيب بفيروس كورونا ولا يجد أي علاج أو رعاية طبية مناسبة، وعلى من لم يمرض لكنه يشاهد أحباءه يمرضون يومياً وربما يفقدون حياتهم، وعلى المصابين بأمراض خطيرة أخرى مهددة للحياة، لم يعد لها مكان في خطط الاستجابة الحكومية الصحية.