كلمات «هزّ» البدن

 

سُئل وزير الصحة السوري الحالي عن الأعداد الحقيقية للمصابين بفيروس كورونا في سوريا فأجاب مادحاً الجيش العربي السوري، مخلّص سوريا من الفيروسات والجراثيم. هذا كل ما في الأمر. السؤال الآن هو: لِمَ أو كيف تهزّ كلمات الوزير البدن؟ ولا أخال تعبيراً أكثر بلاغة من هذا التعبير السوري يمكنه أن يفهم أثر عنف اللغة المباشر في الجسد. ولِمَ يحاكي ذلك الأثرُ أثرَ المذيعة ميشلين عازار حين توجهت لطفلين وأمهما في خلفية عربة هوندا، على وشك الاحتضار، بعد مجزرة داريّا في 25 آب عام 2012 لتسألهم عن شعورهم وعن مقترف المجزرة؟ الأثر وجعٌ وغثيانٌ ونوعٌ من الشلل والخوف المريع. مرة أخرى، لماذا؟ «يقتبس» (ولفعل اقتبس أهميته هنا) الوزير النعوت التي استخدمها بشار الأسد في خطابه في جامعة دمشق في حزيران 2011 قبل أن تتوالى النعوت من «قوارض» و«مندسّين» و«حثالة» إلى «عملاء» و«خونة» وغير ذلك. حاول المنعوتون أن ينقلبوا على النعوت الإقصائية والتخوينية ويتبنوها في الإشارة لأنفسهم، كفعل مقاومة. غير أني لا أزال لا أصدق أن هذا الكلام غير مؤذٍ ولا يجرح حتى المنقلبين عليه، ولا «ينكز» إحساس القرف من الذات (Abjection) الذي تحدثت عنه سلوى اسماعيل في كتابها حكم العنف؛ القرف من الذات، بالمعنى الحرفي الجسدي للكلمة، الذي حكم السوريين عقود. هو «خطاب كراهية»، ولكن بلادة وبرودة المنظمات والهيئات المشتغلة على نظم ورقابة وقمع خطاب الكراهية لا تشفي الغليل في هذا المضمار وفي إدراك عمق الوجع، وقد يتسلل من «فلاترها» الكثير من الكلام المؤذي الذي يهزّ البدن. نواظم هذه الجهات معدّة سلفاً، في الخارج غالباً، بناءً على الاثنية والجنس والطائفة والدين، وهي لا تعرف الطبقات التاريخية المتراكمة التي يحملها الكلام.   

أحاول أن أستبصر «لماذا» و«كيف» هذا الأثر حتى بوجود آلاف الكيلومترات الفاصلة، باستعادة  لكتاب جوديث بتلر1 الذي يحكي عن قوة الكلام وأدائيته في خطاب الكراهية. وليس الهدف تبيئة الكتاب، إنما تعقيد البيئة التي نتناولها من الحياة اليومية، لتفكيكها ووضع المسافات مع العنف، فربما في النظرية ملجأٌ لاقتفاء المعنى والفهم وبلسمة جروح تسببها الكلمات، خاصة أن بتلر تناقش في مقدمة كتابها كيف أن للكلمات أثراً جسدياً مباشراً، وإلا لما كنا استخدمنا كلمة جرح وتجريح للدلالة على الكلام المسيء والعنيف.  

تسعى بتلر في كتابها لتحليل حالات وحوادث بعينها حدثت في الولايات المتحدة، متعلقة بخطاب الكراهية العنصري أو الجنساني والتعامل الرسمي القانوي معها. الأطروحة الأساسية للكاتبة هي أن تعامل الدولة مع خطاب الكراهية وقوننته بالشكل المتداول والمعمول به يحصر الفعل الخطابي المؤذي في ناطقه المباشر ويجعل منه فاعلاً، ويعتّم بذلك على طبقات تاريخانية ومتنقلة من العنف، هي أصل الأذى، ويمنع تحليلها. وتحاول في نهاية كتابها تحليل مفهوم الرقابة ليس بأنها أداة منع، بل بكونها أداة إنتاج بشكل أساسي، حيث أن الرقابة لا تهدف إلى قصر أو تحديد مضمون خطاب ما، بقدر ما تسعى إلى خلق فاعل خطابي يعرف حدوده وحدود المُقال واللا-مُقال. خارج هذه الحدود التي يصطلح عليها الجميع دون وعي ودون ان تُصاغ بطريقة صريحة، يصبح المرء خطيراً يجب محاربته، أو ذهانياً خارجاً عن المعقول. الحواجز والممنوعات ليست ثابتة بأي حال من الأحوال، هي دائماً ديناميكية ومتغيرة على طول حياة المرء/الذات الخطابية. وهي، أي حواجز الرقابة، لا تستمر إلا بقدر ما يحاول المرء الدخول في حيز الكلام (اللا-مُقال) ويخاطر في كل مرّة بحياته. الرهان كبير لاقتحام اللا-مُقال، الحياة أو السجن أو مصح الأمراض العقلية. وتختتم بتلر كتابها بما مفاده أن قبول الشتيمة يمنح قوة هائلة للمشتوم، لأنه يدخله في حيز اللامقال ويسقط المحرمات بطريقة ما.   

للوصول إلى نتائجها، ومن أجل فهم سياسي ونفساني لخطاب الكراهية ومفاعيله وطرائق مقاومته، تستعير بتلر أدوات ومفاهيم من مشارب فلسفية وفكرية مختلفة، من أوستن وألتوسير وفوكو وفرويد ودريدا وكاثرين ماكنين ولاكان وبورديو وشوشانا فلمان. من اللغة والتداولية، وعلى وجه التحديد من الفيلسوف الإنكليزي جان لانغشو أوستن، فيلسوف التداولية ولغة الحياة العادية، ومؤسس نظرية أفعال الخطاب، تستعير فكرة الفعل الإنجازي (illocutionary) والفعل التأثيري (perlocutionary) للمضمون اللغوي وفكرة السياق والطقوس التي تضمن تحقق الأفعال التي تؤديها اللغة. الفعل «الإنجازي/ الأدائي»، بحسب أوستن، هو تماهي المضمون اللغوي مع أثره المباشر، حين يؤدي الخطاب فعلاً في الواقع، كما في كلام الرب أو الساحر حين ينطق «كُن» فيكون. في حياتنا اليومية، القانون هو المثال الأعلى على الفعل الأدائي، يترتب على الكلمة فيه نتائج ملموسة مباشرة. الفعل «التأثيري» هو ما يترتب على الكلام ولكن ليس بالضرورة كفعل مباشر أو واقعة، الكلام هنا ليس لصيقَ أو معادلَ «فعل» واقعي. من الممكن أن يكون أثراً عاطفياً، نفسانياً. هناك مسافة ما بين الكلمة و فعلها التأثيري. يشرط أوستن تحقق ونجاح الخطاب الأدائي بمجموعة شروط، أهمها احترام طقوس معينة وتحقق السياق المناسب. عدم اتساق الخطاب مع السياق هو سياق بحد ذاته، له مفاعيله. في كتابها، توظف بتلر هذا الفرق بين الفعلين الخطابين إلى مُنتهاهما، حتى يبدو أنها قد بالغت قليلاً في هذا التوظيف. النقطة الأهم التي تناقشها هنا: هل خطاب الكراهية هو فعل أدائي أم تأثيري؟ هل أن يُنعت المرء بنعت/شتيمة (being called a name) يجعل منه ما يحيل إليه النعت في اللحظة نفسها؟ الأمور معقدة بعض الشيء لأن المرء «يوجد» (بمعنى يصبح موجوداً) في اللحظة التي يُطلَق عليه اسم، يوجد من خلال الآخر الذي يراه فيطلق عليه الاسم وليس قبل ذلك.

هنا تأتي أهمية ألتوسير الذي تستعير منه بتلر مفهوم «الاستدعاء» (interpellation) الذي يخلق الهوية مسبقاً. يطرح ألتوسير مثالاً للتدليل على آليات السلطات والأيديولوجيات والمؤسسات المجتمعية في صنع الذات والهوية والفرد. المثال يحكي عن شرطي يتوجه إلى فرد يدير ظهره في الشارع، بالقول «هه! أنت!»، سيستدير الفرد حتى لو لم يذكر اسمه، وهذه اللحظة هي لحظة تأسيسية، تُخلق فيها الهوية بدئياً، فتوجّه الشرطي ليس إلى هوية موجودة قبلاً. لحظة التوجه او الاستدعاء قد تريح المستدعى لأنه سُميّ في علاقته مع الآخر، ومن هنا تناقش بتلر إشكالية «الأسماء المعطاة» التي قد تصنع ذاتاً مختلفة تماماً ومغتربة عن الذات الأصلية للفرد. تصور الآخر عن الفرد قد يكون تصوراً كاذباً ولكن تمثيل وتصور الآخر يؤسس.  

تتخيل بتلر في لحظة مشهداً، يُستدعى فيه المرء فيلتفت ليرفض الاستدعاء «لست أنا من تتوجه إليه، حصل خطأ»، وتتخيل أن الجهة التي تطلق على المرء «اسمه» أو صفته لا تتوقف عن فرض نفسها والإلحاح على تحديد المساحة التي يشغلها المرء، والإلحاح على موضعته اجتماعياً أو سياسياً بحسب ما يرغب «المستدعي». يخفق الاستدعاء هدفه في كثير من الأحيان، لهذا يعاود محاولاته المحمومة لفرض الاعتراف بسلطته والتمكن من إضفاء هوية ما على المُستدعَى. الهوية هوية افتتاحية وليست توصيفاً لهوية قائمة قبلاً كما ذكرنا سابقاً، هي فعل تعميد أولي، وهي تؤدي وظيفتها في دارة الاستدعاء ولكنها غير موجودة مسبقاً. هي تسعى لإدخال حقيقة ما بدل أن تدرك وتصف حقيقة موجودة مسبقاً. هذا الاستدعاء هو فعل خطابي مضمونه ليس «صادقاً» وليس «كاذباً»، فالهدف هو الإشارة لذاتٍ، استدعاؤها وخلقها، وإنتاج حدودها الاجتماعية زمانياً ومكانياً. والهدف من تكرارها هو تثبيت السلطة.

إلا أن هذا الاسم «المُستدعَى»، ودائماً بحسب بتلر، يمكنه أن يصبح دون فاعل مُخاطِب، تحت أشكال بيروقراطية إدارية، من الذي يطلق الاسم «للاستدعاء»؟ إن البيئة التي تنتجها السلطة، صاحبة السيادة، تخلق الأرضية المناسبة حيث السلطة الخطابية تعمل دون فاعل وراءها ولكنها تستمر بذلك في خلق «المُستدعى». هذا لا يعني أن لا أفراد يقومون بإطلاق الاسم، بل أن هؤلاء ليسوا أول المبادرين أو أصحاب النيّة في «إطلاق الاسم»، وأنهم على الأقل لا يدركون كنه السلطة ذات السيادة التي أطلقت أول مرة «الاسم» أو قامت بـ «استدعاء» الآخرين. بالنتيجة ما أن تصبح السلطة صاحبة السيادة منتشرة وحلولة في كل شيء، يصبح مصدر «الاستدعاء» كما نهايته غير واضح. وقدرة الكلمة على التجريح والإيذاء منفصلة عن فعالية السلطة. من الصعب تحديد موقع السلطة والفاعل اللغوي، وصاحب لغة الكراهية مسؤول عن كلامه دون شك ولكنه ليس البادئ والمبادر. الخطاب العنصري يعمل وفق اصطلاحات جمعية، ويتنقل في حركة مستمرة، على الرغم من أنه يحتاج إلى ذات ناطقة، فاعل لغوي كي ينطقه، إلا أنه لا ينتهي ولا يبدأ مع هذا الفاعل اللغوي المتكلم، أو مع الاسم الذي تم استخدامه في الخطاب الكاره. تستمد بتلر فكرتها هذه من فوكو، وفق هذا الأخير فإن السلطة تعمل بمبدأ التخفيّ، تظهر كشيء آخر، تظهر كاسم. 

تقول بتلر: عندما نحيل الأذى الكلامي إلى فعل فاعل بعينه ونجعل من المجال القضائي الموقع ذي الامتياز لتصريف ومعالجة الأذى الاجتماعي الواقع، ألا نعيق بذلك وبدون وعي التحليل الدقيق لكيف أن الخطاب ينتج أذىً ؟ حين نعتبر أنه من المناسب الانطلاق من الذات الفاعلة الخطابية ومن فعلها الكلامي، فكيف يمكننا بذلك أن نفهم العلاقة التي تربط الكلمة بالجرح؟ فهي ليست علاقة سببية وليست تجسيداً لنيّة ما، ولكنها شكل من التنقل الخطابي ينبغي فهم تاريخانيته وعنفه بدقة. ما هي العلاقة بين التنقل والقدرة على التجريح؟ بمعنى آخر، ما الذي يجعل القوة الإنجازية للشتيمة أو خطاب الكراهية متحققة؟ تراجع بتلر هنا محاججات أوستن ودريدا، وخاصة بورديو، حول الشروط التي يفترضها كل منهم لجعل الخطاب الأدائي متحققاً. فبالنسبة لأوستن ومن بعده بورديو، هناك «السياق» و«الطقس» و«الاصطلاح» الاجتماعي المشترك بين الناس حول شرعية حامل الخطاب، والتي تضفي الشرعية كشرط لازم لجعل الخطاب فعلاً ووقائع. تطور بتلر هذا المفهوم مستعيدة أوستن نفسه ودريدا بشكل خاص، بقولها إن القوة الأدائية الإنجازية لخطاب قد تُستمد من القطع مع سياق اجتماعي موجود، والتشكيك بشرعية وسلطة هذا السياق وإنشاء سياق جديد وشرعية جديدة للفاعل الخطابي. ودائماً، بحسب بتلر، فإن محاججة بورديو لا تساعد على فهم دور الجسد في الخطاب، رغم أهمية فكرة «الهابتوس» كاستبدان للقوى والشروط الاجتماعية. تقول بتلر، وهنا إحدى أهم خلاصات كتابها، أنه إن كانت الاصطلاحات الاجتماعية تحرك الأجساد، فإن الأجساد بدورها تعيد إنتاج الاصطلاحات والقوى الاجتماعية بممارساتها، بهذا المعنى فالهابتوس يُشَكَّل ولكنه كذلك مُشكِّل، الجسد هو حلقة في دارة «الاقتباس» والتكرار لخطاب ما. 

في نظرية بورديو قدرية ما، مفادها أن القوى المنعكسة والمتجذرة في الأجساد هي المصدر الوحيد لشرعية الخطاب وكأن لا إمكانية لفاعلية الفرد في قلب السياقات ووضع قواعد جديدة للشرعية. المقاومة لخطاب الكراهية أو أي خطاب سلطوي آخر بالقطع مع السياق (ومفهوم القطع مع السياق مستوحى من دريدا كما أسلفنا)، هي إعادة امتلاك الشتيمة لولوج منظومة الشرعية وتجديد القواعد من ضمنها، مثلما يسمي «الكوير» أنفسهم بـ «الكوير»2. ولعل أجمل مثال تطرحه بتلر في كتابها هي أمثولة  توني موريسون التي ألقتها ضمن كلمتها أثناء تسلّم جائزة نوبل للآداب عام 1993، حين قالت إن لغة القمع والاضطهاد لا تمثل العنف فحسب، بل هي العنف بذاته. تحكي أمثولة موريسون عن امرأة عمياء وثلة من الصبية يحاولون تدبير مقلب لها، أحدهم في يده طير ميت، يسأل المرأة ، هل تعرفين إن كان الطير في يدي ميتاً أم حياً؟ تجيبه المرأة «أعرف فقط أنه في يدك». المرأة في الأمثولة هي الكاتبة المتمكنة والطير هو اللغة، وقد حاولت المرأة قلب السياق في علاقة القوة التي ارتسمت بين الصبية وبينها وفق ملاحظة جديدة منفصلة عن السؤال الأول، والتي قد تخلق سياقات أخرى تقطع مع «التكرار» و«الاقتباسية» للسلطة صاحبة «الشرعية». 

بالعودة للحالة السورية، هل يمكن لإعادة تملّك النعوت من نمط «جراثيم» (والتي قام بها معارضون شباب كما أسلفت في البداية) أن يكسر «تكرار» و«اقتباسية» منظومة النظام المتمثلة في الشتّامين فيها؟ هل يمكن أن نعيد استملاك نعت «خائن»، مثلاً، لـ«كركبة» السلطة الموغلة وجعاً في اجسادنا؟ في الواقع، لا أعتقد أن هذا ممكن بسهولة كما توصي أو تعتقد بتلر، أولاً لأن التاريخ المتراكم لهذه النعوت لا يعود إلى هذه الحقبة القريبة فقط، ولكن فوق ذلك لأن هذه النعوت لا تهدف فقط لنزع الإنسانية عن معارضي النظام وشرعنة قتلهم جسدياً أو معنوياً، بل لأن هذا الإقصاء اللغوي يرتكز بشكل أساسي على بنية عميقة مشتركة بين الجميع تحاول تحديد المفهوم الغائم للوطنية. الوطنية ببعدها النفساني العاطفي والذي قد يُعبر عنه بـ «ابن البلد»، «ابن البلد الآدمي» كنقيض لـ«عميل»، أو «خائن»، أو «متمول»، أو الكثير مما يسيل في معجم التخوين. يبدو واضحاً أن مفهوم الوطنية الذي يتشاجر عليه الجميع لا علاقة له بمفهوم المواطنة، ولكنه قوي في غموضه ويمس مساحات نفسانية عاطفية أقرب للعلاقات العائلية مع الأم والأب، وألّا يكون المرء «ابن بلد» هو الطعن الجسدي الأكبر في الكينونة الأولى، الوطنية هي المحرّك الذي دفع آلاف الشباب السوريين للانتفاض على نظام الأسد، وهذه الوطنية هي الحجة العليا التي يتذرع بها النظام في قتله السياسي للجميع ومع وجود كل اشكال الاحتلال في البلد. 

«الاقتباسية» و«التكرارية» التي يقوم بها الجلادون بأشكالهم المختلفة، إمّعات أو مثقفون، لمضامين الكراهية السلطوية، والتي يكمن محمولها التجريحي بشكل أساسي في إزالة الشرعية عن المعارض كـ«ابن بلد»، تلك الاقتباسية والتكرارية تجعل منهم بيادق بسيطة في سلسلة الحركة والتكرار لخطاب التخوين والذي يحطّ رحاله في أجسادنا، هم أيضاً «مستدعَون»، استدعاؤهم قد يأخذ أشكالاً ثقافية نخبوية أحياناً، ولكنهم بيادق تأخذ مواقع مؤقتة في السلسلة حتى لو ظنوا أنفسهم «فاعلين». هم اشتقاقات وليسوا الأصل في إرث «الاستدعاءات». قد يسهل فهم ذلك، ولكن يبقى من غير السهل فهم كيف أن أجسادنا لا تتمكن من قطع السلسلة في هذا التجريح.       

والحال أن إصرار من يتكلمون باسم النظام، حتى لو ظنوا أنفسهم معارضيه، على إضفاء هويات مختلفة على من تجرأ على معارضة هذا الأخير، مفهوم من جهة ومحيّر في بعض أوجهه، وبعد عشر سنوات. المفهوم هو استبطان لغة السلطة في البيئة الخطابية السورية العامة، مفهوم أن مصدرها لم يعد يهمّ، فهي هنا لها حياتها المستقلة عن مصدرها، ولكنها محيّرة لأنها، كسلطة، «منتصرة»، فما الذي تبتغيه بعدُ بما يخص الاعتراف بسلطتها؟ لماذا يخفق كظم الغيظ تجاه من ابتعدوا آلاف الأميال؟ وتجاه القبعات البيضاء؟ واتجاه الناشطين؟ إلخ... لماذا تتصرف سلطة الرعب وكأن البعيدين يرفعون في وجهها الإصبع الوسطى، وتغلي حقداً لتحرق الجغرافيا وتستتبع الخارجين عن سلطتها مرة أخرى، تريد أن تضمهم لها وتريد إبعادهم في الوقت عينه. يبدو أنها الجغرافية التي تهدد بقص سلسلة التكرار والاقتباس في الأجساد، تكرار واقتباس الشتيمة حتى يصبح المحكومون كارهين لأنفسهم نافرين منها. 

والمفارقة العجيبة هي أن الجغرافية هي العنصر الوحيد الذي قد يضفي على النظام الشتّام شيئاً من المصداقية، الجغرافية بالحدود الوطنية والتي تريد حرقها بعينها، لتضم الخارجين عنها مرة أخرى تحت جناحيها كي يسهل سحقهم. يريد بشار الأسد، حسبما ذكرت بعض الأنباء، أن يعطي أسماء السوريين اللاجئين في أوروبا والذين يدخلون إلى سوريا للاتحاد الأوروبي. قد لا يكون الخبر صحيحاً ولكنه يعطي فكرة عن هذا الغيظ من خروج محكومين من تحت بسطار السحق. المبعد لا يعامل كمبعد مجذوم يمكن أن ننساه ونرتاح، بل هو مبعد مشتهى في كل وقت، دونه لا تعريف لذات السلطة، هذا ما تقوله لغة النظام ولغة الجلادين الرمزيين، المختنقين في «زبل» غضبهم الذي ينهشهم، نستعير من الأخوة الجزائرين تعبيرهم الدقيق عن الغضب: طلعلي الزبل للراس. 

لا أصدق أن سورياً لا يُجرَح حين يُنعت بخائن أو عميل، ولكني أعتقد أن التفكير بطريقة نظرية في هذا العنف، واستذكار وتفكيك كل طبقات الشتائم والنعوت التي وُصِف بها السوريون هي المقاومة المتاحة في مواجهة هزّ البدن. وهنا سأختتم باقتباس لبتلر: «التحفظ على مساءلة مواضعنا السياسية انطلاقاً من الأسئلة التي تطرحها علينا الحياة هي اختيار الموضع الدوغمائي على حساب الفكر وعلى حساب الحياة».  

  • 1. Judith Butler, Excitable speech, A politics of the performative. Routledge 1997.
  • 2. «الكوير» هم مجموعات جنوسة غير معيارية. وإذ يعني التعبير في الأصل «الغريب»، واستُخدم بشكل تحقيري، إلا أن جهداً ثقافياً كبيراً حصل اعتباراً من الثمانينات لامتلاك المصطلح وإعادة نحته وتعريفه.