كل كلمة بكدمة

تم إنتاج هذا الملف ضمن برنامج مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات، جندر رادار؛ حُرر ونُشر بالتعاون بين الجمهورية وشبكة الصحفيات السوريات.

الصحفيات المساهمات في الملف:

رولا عثمان، فيان محمد، راما ديب وبإشراف رؤى الطويل، مديرة برنامج جندر رادار1.

  • 1. يهدف جندر رادار إلى توضيح طرق تمثيل ومشاركة الجنسين في المؤسسات الإعلامية السورية والكشف عن الأنماط الإعلامية التي ترسخ علاقات القوى وتعزز الأدوار النمطية بین الجنسین

«فشرت على رقبتك تعتبر أني أنا جيت عملت شي لا أخلاقي لأوصل [...] نحنا بعصر ما حدا بيهتّ المرأة بشرفها». هكذا ردّت بولا يعقوبيان، الإعلامية وعضوة مجلس النوّاب اللبناني، على وزير شؤون المهجرين اللبناني غسان عطالله في برنامج حلقات خاصة على قناة الجديد، بعدما لجأ الأخير إلى الإشارة لحياتها الخاصة في خضمّ حديث سياسيّ محاولاً التشكيك بأهليتها.

ليس التشكيك بمصداقية النساء وإقحام حياتهنّ الشخصية في المجالات العامة نهجاً جديداً، بل يُعتبر من التكتيكات الكلاسيكية التي يتبعها الرجال الذكوريون في لحظات افتقارهم إلى الأجوبة والمحاججة المنطقية. ففكرة وجود امرأة قادرة على اختراق المجال العام الذي يهيمن عليه الرجال وتفوقها فيه كانت وما زالت تشكل خطراً  وتهديداً للذكورة الهشّة لدى بعض الرجال. ما تعرّضت له بولا يعقوبيان هو واحد من الهجمات اللانهائية التي تتعرض لها النساء العاملات في المجال الصحفي والحقوقي حول العالم.

يتقاطع العمل الصحفي مع العمل الحقوقي في الدفاع عن الحريّات والحقوق الإنسانية، ويعتمد كلّ منهما على الآخر لخلق الضغط اللازم لتحقيق التغيير المطلوب. وحيث أنّ قنوات الإعلام، رسمية كانت أم اجتماعية، منصة لطرح القضايا الحقوقية وأداة لمساءلة السلطات وحشد الرأي العام حوله، فإنه من المشروع طرح التساؤلات حول ما نشهده اليوم من خطر وتهديد يواجه الأفراد الناشطين والناشطات في المجال الإعلامي والحقوقي نتيجة التضييق العام على المساحات العامّة والخاصّة. 

تُركّز هذه المادة على عرض أشكال التمييز الجنسي ضد الصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان عبر الفضاءات المختلفة، وضمن منظومة قانونية وسياسات مؤسساتية عاجزة عن الاعتراف بهذا التمييز وإدراكه، ناهيك عن تأمين الحماية الكافية أو الوصول لآليات وإجراءات عادلة للحدّ منه. نعرض هذه المخاطر لتبيان دورها في عرقلة وصول النساء ومشاركتهن في مجالات الفضاء العام، بالإضافة إلى تقاطعاتها مع أشكال التمييز والعنف المجتمعي ضد النساء والفتيات بشكل عام لترسيخ الفجوة بين الجنسين على المستوى الثقافي والاقتصادي والسياسي.

أنظمة سياسية لقمع الحريّات وسياسات تمييزية في بيئات عمل غير آمنة

تنتشر ممارسات الاضطهاد والتمييز ضد الصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان على مستوى النظام السياسي ومستوى المؤسسة الإعلامية. في سوريا مثلاً، ووفقاً للمركز السوري للحريات الصحفية في رابطة الصحفيين السوريين (2017)، فقد «تم توثيق وقوع 22 انتهاكاً بحق الإعلاميات في سوريا، منذ انطلاق الثورة السورية منتصف آذار عام 2011، من بينها مقتل 4 إعلاميات، و12 حالة اعتقال وخطف، و6 انتهاكات أخرى من جرح واعتداء بالضرب والتهديد والتعنيف وضغوطات للمنع من العمل في المجال الإعلامي».

وتُبيّنُ النتائج الأولية لاستبيان الأمن والسلامة الذي أطلقته شبكة الصحفيات السوريات في تشرين الأول (أكتوبر) من هذا العام أنّ حوالي 70% بالمئة من الصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان المشاركات (39 مشاركة حتى هذه اللحظة) يرين حصول ارتفاع كبير بنسبة وتواتر الإساءات والتهديد بأشكاله الالكترونية والرقمية والجسدية خلال السنوات الخمس الماضية. يحتل الهجوم الالكتروني كالتنمر والأذى اللفظي المرتبة الأولى في قائمة أنواع الإساءة بنسبة 53.8%؛ يليه إنكار فرص العمل، أو ظروفه، بما في ذلك الأجور المتساوية والترقية والفوائد الوظيفية الأخرى، والتدخّل بالحريات الشخصية كحريّة اللباس (46.2%)؛ فيما تتقارب نسب التحرّش المباشر، واختراق الخصوصية بما في ذلك التشهير ونشر معلومات خاصة بغير موافقة صاحبتها، ومنع الوصول لأدوات التكنولوجيا والمنصات الرقمية عبر التهكير وإساءة استخدام خاصية التبليغ بهدف حظر المستهدفة من استخدام المنصة.

 

jdwl1-_shbk_lshfyt.png

جدول 1:  أشكال المخاطر والتهديد التي تتعرّض لها الصحفيات والمدافعات السوريات

خلال السنة الماضية وحدها، تم انتحال الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي لأكثر من 41% من  المشاركات، وتهكير الحسابات الالكترونية الشخصية لـ 33%، وتلّقت 28% منهنّ تهديدات بالقتل. وبالاستيضاح عن الجهة المسؤولة، تبيّنَ أن مصدر التهديد لا يقتصر على الشخصيات الموالية للنظام والجماعات المتطرفة كداعش وجبهة النصرة والفصائل العسكرية المختلفة، كما يحلو للبعض الاعتقاد، بل يتسع ليشمل زملاء لهنّ في العمل. من أشكال التمييز والتهديد الأخرى التي تتعرّض لها الصحفيات والمدافعات السوريات في مكان العمل، كما جاءت بالترتيب في الاستبيان: الحرمان من الترقية والإجازات؛ التعليق على المظهر أو فرض لباس معيّن؛ التهديد بالفصل لأسباب غير مهنية؛ والتحرّش الجنسي. 

في السعودية، تعتقل وتحاكم السلطات حالياً عدداً من الناشطات في حقوق الإنسان وحقوق المرأة، موجهة لهنّ تهماً مرتبطة بأنشطتهن الحقوقية، حسب منظمة هيومن رايتس ووتش. من بينهنّ الناشطة والمدافعة عن حقوق المرأة لجين الهذلول، التي طالبت بإنهاء العنف ضد النساء والسماح لهنّ بالقيادة في السعودية، والمعتقلة منذ أكثر من عام بتهمة «التآمر مع كيانات معادية»، وغيرها كإيمان النفجان وعزيزة اليوسف، اللتان أفرج عنها ولكنهما لا تزالان قيد المحاكمة.

وفي مصر تمنع الحكومة المصرية مزن حسن؛ الناشطة النسوية والمديرة التنفيذية لمؤسسة نظرة للدراسات النسوية، من السفر منذ أكثر من ثلاث سنوات، ومنعتها هي والمؤسسة من التصرف في أموالها السائلة والمنقولة والعقارية، مع غيرها من الناشطين والناشطات في القضية 173 لسنة 2011 والمعروفة إعلامياً بقضية التمويل الأجنبي، مثل إسراء عبد الفتاح، إحدى أهم الداعيات لإضراب 6 نيسان 2008 والتي عاودت السلطات المصرية اختطافها يوم 12 تشرين الأول 2019 حيث تحتجزها تعسفياً بسبب عملها في مجال حقوق الإنسان، حسب منظمة العفو الدولية

وبالعودة إلى سوريا، لا يسعنا إلّا أن نذكر حادثة اختطاف رزان زيتونة، وسميرة الخليل، وناظم حمادي و وائل حمادة في دوما من قبل جيش الإسلام على إثر عملهم في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان. ويبقى مصير رزان  وسميرة خليل ووائل وناظم مجهولاً حتى هذه اللحظة.    

يساعدنا الجدول (2) في فهم حجم الظاهرة على المستوى الدولي، وتبيّن نتائج دراسة استقصائية أجراها الاتحاد الدولي للصحفيين عام 2017، وشاركت بها ما يقارب 400 صحفية من أكثر من خمسين بلداً:

 

jdwl2_shbk.png

جدول 2:  أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي التي تعرّضت لها الصحفيات

وبحسب الدراسة، مارس هذه الأشكال من العنف كلٌّ من الأشخاص خارج مكان العمل كالمصادر والسياسيين والقرّاء أو غيرهم من المتابعين، بالإضافة للمدراء والمشرفين. وتُظهر إحصائية لمنظمة اليونسكو بحسب ما ذكرت منظمة أوبن كندا زيادة في نسبة الجرائم ضد الصحفيات بحوالي الضعف (38:21 حالة) بين عامي 2008 و 2016. كما وثّقت المنظمة مقتل 11 صحفية عام 2017، وهو أعلى رقم منذ بدئها في تسجيل جرائم القتل ضد الصحفيات والصحفيين عام 2006. 

تتداخل الانتهاكات على مستوى الدولة والمنظومة السياسية القانونية مع تلك المرتكبة على مستوى المؤسسات الإعلامية. في السياق السوري، أدى ظهور وسائل الإعلام البديلة بعد ثورة 2011 إلى خلق مساحة أوسع لحريّة الرأي وتعدديّة وجهات النظر، غير أن الظروف التي وُجدت فيها خلقت تحديات كثيرة أمام الصحفيات للعمل في سوريا والبلدان المجاورة، أهمها التعقيدات القانونية للترخيص، ووجود أشخاص غير أكفاء في أماكن صناعة القرار والإدارة، والافتقار لسياسات داخلية مناسبة وشاملة أو، إن وُجدت، عدم الالتزام بها.

من ناحية أخرى، تم استغلال غياب المساءلة القانونية من قبل بعض المؤسسات  للتلاعب في طبيعة العقود أو استغلال عمل الصحفيين والصحفيات بدون عقود أو تصاريح عمل. وكثيراً ما يتم التأخير بتسديد المستحقات أو التهرّب من الدفع تماماً، وفي حالات أخرى تم إلغاء العقد بصورة مفاجئة لأي سبب كان. عدا عن طبيعة العقود التي تخلي مسؤولية المؤسسة من التأمين الاجتماعي والصحي والالتزامات الأخرى في حالات الولادة والوفاة. 

كما يتعرض الصحفيون والصحفيات للتهديدات الأدبية من حيث سرقة الحقوق عبر نسب الإنتاج للمؤسسة، فيصعب إثبات الملكية ما لم يكن للصحف أو للصحفية /ـة ظهور مرئي أو مسموع موثّق. في بعض الحالات أيضاً، يتم نسب عمل الصحفيات إلى شخص آخر، كزميل أو مدير، أو تقليص دور الصحفية من الناحية الأدبية، كأن يُشار لها بمنصب أقل من منصبها الحقيقي أو أصغر من حجم عملها الفعلي داخل وخارج نطاق المؤسسة، لطمس جميع الأدلة لتفوقها على نظرائها الذكور، وضمان حفاظهم على مواقع الإدارة. بالتالي، تُجبر الصحفيات اليوم على الوجود في بيئة عمل تجرّدهن من حقوقهن المهنية والأدبية وتضعهن تحت التهديد الدائم بتغيير في المنصب أو تخفيض في الأجر أو حتى الفصل من العمل؛ والخوف، في حالات تقديم الاستقالة، من الحرمان من التعويضات إن شمّلت الأخيرة في بنود العقد. 

البطاقات الصحفية والوصول إلى المعلومات

تهدف البطاقات الصحفية إلى تيسير العمل الصحفي وتسهيل تنقلات الكادر المهني للوصول والتواجد في قلب الحدث المبتغى تغطيته. للأسف، لا تملك الكثير من الصحفيات اليوم بطاقات صحفية. بالإضافة للأسباب التي تم ذكرها أعلاه، فإنّ البطاقة الصحفية اليوم غير قادرة على ضمان الحماية القانونية للصحفيات في حال المساءلة القانونية التعسفية أو الاعتقال، مثلاً، حيث تعتبر البطاقة تشريفية من الجهة الإعلامية غير مقيّدة أو ملزمة قانونياً في سوريا والبلدان المجاورة. وبالرغم من أن ذلك يشمل الجنسين، فإنّ آثارها مختلفة على الصحفيات، اللواتي قد يتعرّضن للتحرش أو الاغتصاب، أو لانتهاكات أخرى مبنية على النظرة الدونية للمرأة وعدم اعتراف بإمكانياتها أو دورها في تحدّي السلطات القمعية، اجتماعية كانت أو سياسية. ويعرّض غياب الرقابة التشريعية وآليات الردع والحماية الصحفيات أيضاً لضغوطات أمنية من النظام والفصائل المسلّحة الأخرى، التي تمنع العمل الإعلامي أو الحقوقي المستقل. 

كما شهدنا هاشتاغ دعها تعمل (بالبرتغالية DeixaElaTrabalhar#) الذي انطلق بعد التحرش بالصحفية الرياضية البرازيلية جوليا غيمارايز خلال تغطيتها لمونديال روسيا 2018 حيث قام أحد المشجعين بمحاولة تقبيلها  خلال البث المباشر، لكن ردة فعلها بمنعه وتوبيخه على الهواء دفعت كثيرات من الصحفيات لإطلاق الهاشتاغ والتحدث عما يلاقينه من التحرش المباشر واللفظي إضافة للإهانة، مع التشكيك بعملهن الميداني وكفاءتهن في نقل الخبر من قبل زملائهنّ في العمل. ولربما يجدر بنا ذكر حادثة مماثلة وقعت مؤخراً مع مراسلة قناة الجديد اللبنانية  حليمة طبيعة، عندما حاول أحد الفنانين تقبيل جبهتها دون استئذان مسبق منها على الهواء بذريعة الاعتذار. الطامة الأكبر كانت بإبداء الفنان امتعاضه عند رفضها لسلوكه، وكأنّها أخطأت بحقه أو سببت له الإهانة. ولا يقتصر الأمر على الصحفيات الرياضيات، بل يشمل أي عمل ميداني؛ فالمراسلات يواجهن الأخطار والتحديات نفسها التي يلاقيها زملاؤهنّ الذكور، إضافة إلى التعامل معهنّ كنساء في المجال العام. امتعاض الفنان زين العمر يحمل في طياته استنكاراً (وهو بدوره نتيجة إنكار ممنهج) للسلطة الذاتية لحليمة على جسدها، وهشاشة مفاهيم الذكورة والرجولة التي تُخدَش بمجرد وضع الحدود أمام صلاحيات غير مستحقة متعديّة، ساهمت منظومة اجتماعية وقانونية وسياسية واقتصادية غير عادلة في ترسيخها. 

لا تختلف معاملة المجتمع ومعظم مؤسساته في سوريا كثيراً مع النساء اللواتي يتحدّين الأدوار الجندرية النمطية ويمتهنَّ الصحافة أو الدفاع عن حقوق الإنسان، فهناك من يعتبر الاختلاط مع الرجال انحلالاً أخلاقياً، والمطالبة بالحقوق تمرّداً، فيستبيح أجسادهن وأمنهن، وهناك من يستغل مواطن استضعافهن كمعيلات لعوائلهن للصعود على أكتافهنّ، وفرض ظروف عمل مجحفة وغير آمنة تتعرّض فيها النساء للتحرّش والابتزاز بشكل مستمر

لا تقتصر أشكال الإساءة والأذية في أماكن العمل على التحرّش والاستغلال، بل تشمل أيضاً الملامة عند الشكوى، والتنمّر والاستقواء والسيطرة والتحكم بأجساد الصحفيات ومظهرهن، وهي قضية باتت المؤسسات تجاهر بها دون خجل أو حياء. فتلك المؤسسة لا تقبل المحجبات، وأخرى لا تقبل إلّا المحجبات، حتى تكاد المؤسسة تتدخل في مقاييس جسد النساء وطول تنانيرهن. فتغيب الموضوعية ومعايير الكفاءة والخبرة في تقييم النساء من صحفيات ومدافعات عن حقوق الإنسان. وكأن المخاطر الأمنية والصدمات النفسية التي تواجهنها بسبب وخلال عملهن غير كافية. 

التهديد المباشر بالقتل وخطر الاعتقال والتحرّش والاغتصاب وتمركز مواقع اتخاذ القرار بأيدي رجال ذوي فكر ذكوري، في الغالب، ليس فقط إنكاراً لإمكانيات وجهود النساء، بل هو أيضاً استغلال لهنّ ومساهمة في إضافة العقبات والتحديات أمامهنّ. وقد دفع ذلك العديد من الصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان في سوريا إلى مغادرة البلد، بحسب المركز السوري للحريات الصحفية ورابطة الصحفيين السوريين. قد يُفهم من تسليط الضوء على الانتهاكات التي تتعرّض لها الصحفيات انتقاصاً من الدور المهم والحيوي الذي يقمن به أو فرض هوية الضحية والمبالغة فيها، لكن كل تلك المحاولات لإخماد أصواتهن والتضييق عليهن لم تمنعهن من الاستمرار والتأثير بشكل إيجابي في القضايا التي يعملن من أجلها، وما زلن مصرّات على عملهنّ رغم محاولات طردهنّ من المجال الإعلامي بشكل مباشر أو غير مباشر. وهنا يأتي التركيز على الانتهاكات من منطلق المسؤولية الاجتماعية والمهنية، الواقعة على الجميع في هذا القطاع، لفهم الأسباب الجذرية والبدء بنقاش جديّ وحقيقي حول كيفية الاستجابة الفعّالة والمناسبة التي تحمي سلامتهن وتضمن حرّية واستقلال الإعلام والتمتّع بحقوق الإنسان.

التنمر، الاستقواء، والتهديد الإلكتروني 

إن كانت التكنولوجيا، لا سيما بعد ظهور الانترنت، قد ساعدت الصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان كثيراً في سرعة الحصول على المعلومات وإنجاز عملهن، فقد ضاعفت في الوقت نفسه من المخاطر، فغدت بياناتهن وأنشطتهن عرضة للانتهاك والتهكير. 

فمن جهة، لا تسلم النساء الناشطات السوريات من الحملات المضادة المسيئة عند التعبير عن أفكار ومعتقدات لا تتماشى مع العرف العام لما هو مقبول أو ممكن للنساء التفكير به أو الحديث عنه. ولربما من أشرس الحملات تلك التي استهدفت الناشطتين النسويتين دارين حسن وجود عقّاد، اللواتي عادة ما تحدّيتا السلطة الاجتماعية الذكورية على أجساد وحياة النساء. كما يتم فرض الرقابة على حسابات الصحفيات والمدافعات على مواقع التواصل الاجتماعي وإنزال العقوبات بهنّ أحياناً، كما حدث مع الإعلامية  وناشطة حقوق الإنسان ميسا صالح، حيث تمّ فصلها من عملها بشكل تعسفي بسبب وضعها «لايك» على منشورات فيسبوكية تنتقد صاحب القناة التي كانت تعمل معها. ولا تنكر إدارة مكتب أورينت نيوز في تركيا، في بيان توضيحي لأسباب قرار الفصل، سياسات المؤسسة الداخلية التي تحدّ من حريّة التعبير وتضع له أطراً فتقول: «عدم التزام الزميلة ميساء صالح بتعميم صادر عن إدارة التحرير بتاريخ 8/7/2014 تحت رقم M-118 ويقضي بالتزام موظفي مجموعة الأورينت بعدم التشهير بأي منظمة سياسية أو فصيل عسكري أو شخصية عامة من داخل أو خارج المؤسسة على صفحاتهم الخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي لضمان الحيادية واتخاذ مسافة واحدة من جميع الأطراف». 

ومن جهة أخرى، لا تزال آليات الأمان الرقمي ووسائل التعريف عنها غير متوفرة في العديد من المؤسسات، ما يجعل كادرها المهني عرضة لعمليات التصيد والتحرش الالكتروني الذي يستهدف الصحفيات والناشطات الحقوقيات تحديداً أكثر من زملائهن الذكور. يظهر تحليل لـ 70 مليون تعليق على الموقع الالكتروني لصحيفة الغارديان، بين عامي 2006 و 2016، أنه من بين كل عشرة كتّاب أو كاتبات تعرضوا/نّ لسوء المعاملة الرقمية هنالك ثمان نساء

يُعرَّف الأمن الرقمي بأنه مزيج من الأدوات والعادات التي يمكن للمستخدمين والمستخدمات الاستعانة بها لمنع جهات أخرى من رصد التحرك على الإنترنت سراً، والوصول إلى المعلومات المخزنة إلكترونياً أو لاتصالاتهم ومحادثاتهم، والعبث بها. من الجدير بالذكر أن وعي الصحفيات والمدافعات بالأمن الرقمي مهم جداً، لكنه وحده غير كاف، فأمنهن، وأمن زملائهن بالعمل وعوائلهن، يعتمد أيضاً على الإدارة الجيدة للحسابات الالكترونية من الجهة التي تتعامل معها، كوجود سياسات سلامة رقمية ضمن تلك الجهة أيضاّ. وعادة ما يضع اختراق المعلومات الشخصية أو المهنية الصحفيات والمدافعات تحت التهديد الالكتروني، وربما الابتزاز- كالابتزاز بالصور والمحادثات الشخصية لأجل المال أو لأجل معلومات معينة - وإمكانية تهديد الحياة بشكل مباشر (مصدر ثانٍ).

الإفلات من العقاب

في ظل غياب المنظومة القانونية الفاعلة القادرة على الاستجابة للانتهاكات ضد النساء في سوريا ومعظم دول الجوار، إضافة لغياب سياسات داخلية حسّاسة للنوع الاجتماعي في المؤسسات تضمن المساواة وعدم التمييز بين العاملين والعاملات لديها؛ تزداد احتمالية مواجهة الصحفيات والمدافعات للعنف، كونهن صحفيات ونساء، وكذلك استهدافهن الكترونياً بالاستقواء عليهنّ أو بحملات تشويه سمعة.

تهدد هذه الممارسات حيوات الصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان وصحتهنّ النفسية والجسدية. كما تؤثر على عملهنّ ونشاطهنّ. ففي دراسة استقصائية أعدتها المؤسسة الدولية للإعلام النسائي 'وترولبسترز' شملت 597 صحفية وعاملة في المجال الإعلامي، قالت إنّ ما يقارب الثلثين تعرّضنَ للمضايقة والتهديد الإلكتروني مرة واحدة على الأقل، و 58% قُلنَ إنهن تعرضن لها شخصياً، وأكثر من ربعهن تعرضن لهجمات جسدية. وقالت أكثر من ثلث اللواتي واجهن العنف القائم على النوع الاجتماعي إنهن تجنبنّ تغطية بعض القصص، و29% قُلنَ إنهن يفكرن في التخلي عن مهنتهن كلياً، الأمر الذي يقود إلى غياب الأصوات النسائية والنسوية في القضايا المختلفة. 

بالنسبة للصحفيات والمدافعات السوريات فإنّ آثار التهديد الجسدية تبدو جليّة عبر اختبار صعوبة في الاستغراق أو الاستمرار بالنوم، وأحاسيس سلبية قوية كالخوف والغضب والإحساس بالذنب، وتجنّب الأمور الحسيّة التي من شأنها إثارة ذكريات متعلقة بالحادثة. أمّا من الناحية النفسية العاطفية، فقد أشارت المُشارِكات في استبيان الأمن والسلامة إلى فقدان المتعة أو الاهتمام بنشاطات كانت سابقاً ممتعة، والتشتت وعدم التركيز، والإحساس بالبعد أو الانعزال عن الناس، والمعتقدات السلبية حول النفس والآخرين، عدا عن الأحلام المزعجة وصعوبة التذكر. للأسف، حوالي 80% من المُشارِكات أكدّنَ عدم معرفتهن بوجود أي قنوات مناسبة لمشاركة تجاربهن وتلقي الدعم المناسب، و84% من العارفات بمثل هذه القنوات لم تستخدمنها لعدم شعورهن بجدوى المشاركة أو جودة الاستجابة، وعدم ثقتهن بسريّة وخصوصيّة الخدمة، وبالتالي الخوف من تعريض حياتهن وحياة المقربين لهن للخطر.  

تأخذ شبكة الصحفيات السوريات على عاتقها الإضاءة على الانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان في سوريا والمنطقة، والمطالبة بمحاسبة الجهات المسؤولة عن تلك الانتهاكات، مدنية كانت أم سياسية وعسكرية. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 2 تشرين الثاني/نوفمبر كيوم دولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في قرارها  A/RES/68/163، وحَثَّ القرار الدول الأعضاء على تنفيذ تدابير محددة لمواجهة ثقافة الإفلات من العقاب، المهيمنة حالياً.

تزداد المشكلة في سوريا سوءاً بسبب الوضع الأمني والقانوني المتردي، بالإضافة إلى رد الفعل العام الممنهج القائم على لوم الضحيّة والشتائم والوصمة والتمييز، الذي تتعرّض له من تتجرأ على كشف أساليب سوء المعاملة والاستغلال التي تواجهها والتي من شأنها أن تثني كثيرات عن مشاركة تجاربهنّ والمطالبة بحقوقهن، فلا بد أن يُدرج أمن و سلامة الصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان في تشريعات الدولة وأيضاً في القوانين الناظمة للعمل ضمن المؤسسات الإعلامية، وهو ما يخفف من المعاناة التي قد تتعرض لها الصحفيات والمدافعات خلال عملهن في العمل الصحفي والحقوقي. غير أنه من المهم التأكيد على أنّ أمن وسلامة الصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان هي قضية حقوقية ومهنية، يجب أن تصبح أولوية لدى جميع المعنيين والمعنيات بدولة حرّة ديمقراطية تسود فيها العدالة الاجتماعية، فمن غير هاتين الجبهتين، تضيع أهم أدواتنا في العمل على القضايا الأخرى. وعليه، فإن دعم الصحفيات والمدافعات ومساندتهن أثناء رحلة العمل، وتوفير بيئة عمل آمنة وظروف عمل عادلة في مؤسسة تتبنى سياسات ردع وحماية مناسبة، هو أدنى ما يمكننا توقعه من جهات العمل وزملائهن والمنظومة السياسية والقانونية في السياق الجغرافي المعني.