كورونا في الملاعب السورية

 

تمتلئ الملاعب السوريّة منذ بداية الدوري السوري لكرة القدم لموسم 2020-2021 بآلاف المشجعين في كل مباراة، وسط استقطاب جماهيري كبير وغير مسبوق منذ 2011. هذا ما يلاحظه كل متابع من الصور والفيديوهات التي ينشرها محبو اللعبة والفرق الرياضية في سوريا، الأمر الذي يطرح تساؤلات كثيرة حول هذه العودة الكبيرة إلى ملاعب كرة القدم، مع انعدام أي أساليب وقائية وإهمال حكومي وكأن شيئاً لا يحدث، على عكس بقية دول العالم التي تتخذ تدابير وقائية إلى جانب دعوتها لاستخدام أساليب الحماية الشخصية من الفيروس القاتل.

 

وبلغ عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد في سوريا، حسب أرقام وزارة الصحة، ما يقارب عشرة آلاف حالة، كما زادت حالات الوفاة عن 600 شخص خلال عشرة أشهر من انتشار الوباء. هو رقم قليل مقارنة ببقية دول العالم، إلا أن التايم لاين السوري على كل وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً في الشهر الأخير، كان مليئاً بصور أوراق النعوة، إلى درجة أن معظم السوريين في الخارج أصبحوا يتحدثون عن الموضوع وسط الأخبار المتتالية عن انتشار الفيروس بين عائلاتهم وأقربائهم في سوريا، بأرقام قد تكون مضاعفة عمّا هو معلن عنه من قبل وزارة الصحة، بينما تعطي صفحات وسائل التواصل انطباعاً يقول إن المقيمين داخل البلد أقل اكتراثاً بالفيروس أمام تحديات الحياة المرهقة التي قد تكون الأصعب في تاريخ سوريا الحديث.

ينقل لنا هذا التايم لاين الافتراضي صورة عن انتشار الوباء الفيروسي في كل المدن والقرى، وتفشيه بشكل مرعب بين السوريين، في ظلّ عدم قدرة كثير من الناس على تحصيل وسيلة الحماية الشخصية الأساسية، الكمّامة، التي يصل متوسط سعرها إلى 200 ليرة سورية حالياً، وهو ربما يكون منخفضاً، لكن الوضع المعيشي والفقر الذي باتت تعيشه العائلات السوريّة يستنزف قدرة أغلبها على شراء كمامات بعدد أفرادها بشكل يومي. مع ذلك، ورغم العبء الاقتصادي والوضع الوبائي، تشهد الملاعب السوريّة حضوراً كبيراً جداً لمشاهدة مباريات كرة القدم.

*****

اتخذت معظم دول العالم مع بداية انتشار الوباء تدابيرها الوقائية، بما في ذلك الإجراءات المتعلقة بالرياضة، من إيقاف النشاطات الرياضية بشكل كامل، إلى معاودتها لاحقاً بلا حضور جماهيري. ولم تعد الجماهير إلى مدرجات كرة القدم، خصوصاً في الدوريات الكبرى، إلا مؤخراً، كما حدث في إنكلترا عندما أعلن بداية الشهر الجاري عن السماح للجماهير بحضور المباريات نتيجة تضرر الأندية من جراء عدم الحضور، إلا أنه تم تحديد عدد الجماهير في الملاعب بين ألفين وأربعة آلاف فقط وفقاً لقواعد التباعد الاجتماعي، ذلك حسب المدينة التي ستجرى فيها المباراة ومسار المنحنى الوبائي فيها، مع ترجيح أن يتم إغلاق الملاعب من جديد في وجه الجمهور في حال ازدياد أعداد الحالات. على هذا النحو يجري الأمر حالياً في معظم هذه الدوريات الكبرى.

أما الاستثناء دولياً من حصر عدد الحضور في الملاعب بأعداد قليلة، فهو ما شهدناه في روسيا خلال الدور الأول من دوري أبطال أوروبا، إذ سمحت السلطات الروسية لخمسين بالمائة من الجماهير بحضور المباريات، فكان أكبر عدد للحضور الجماهيري في 2020 منذ ظهور الوباء في المباريات التي تجري في روسيا. ربما لم تكن الملاعب ممتلئة عن آخرها، وكان هناك التزام عام بالتعليمات الحكومية بهذا الشأن في روسيا، لكن تعاطي السلطات الروسية مع الموضوع يُذكّر بما تفعله حليفتها السلطات السورية.

*****

في سوريا ومع بداية انتشار الوباء، اضطر اتحاد كرة القدم إلى الإعلان عن إيقاف نشاط الدوري السوري  بتاريخ 8 آذار (مارس) 2020 بضغط من الاتحاد الآسيوي، وذلك «لاعتبارات الصحة والسلامة» كما جاء في بيانه، دون ذكر سبب هذه الاعتبارات بشكل صريح، ليصرّح بعدها بيومين وزير الصحة السابق نزار اليازجي أنه لا وجود لكورونا في سوريا، في رسالته للمواطنين المتخوفين من الفيروس: «أنا بقول الحمدلله الجيش العربي السوري طهر كتير من الجراثيم الموجودة على أرض سوريا».

بعد مرور الموجة الأولى من جائحة كورونا، عادت الحياة إلى معظم ملاعب كرة القدم في العالم لإكمال دورياتها المتوقفة، ومن بينها الدوري السوري الذي أعلن اتحاده عودة النشاط في 28 أيار (مايو) «وفق تدابير خاصة تماشياً مع الظروف الصحية المتعلّقة بتداعيات تفشّي فيروس كورونا»، منها إقامة المباريات بلا جماهير، أسوة ببقية الدوريات. ومع الانفراج العالمي بعد الموجة من الأولى من الفيروس، أعلن اتحاد كرة القدم في 19 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي عودة الجماهير من جديد إلى الملاعب استناداً إلى التوجيهات الصادرة عن الفريق الحكومي المعني بالتصدي لوباء كورونا، على أن تكون نسبة الجماهير 40 %. وطبعاً، من غير المعروف كيف يمكن تحديد هذه النسبة، خصوصاً أن سعة الملاعب في سوريا غير معروفة بدقة، بسبب عدم وجود مقاعد مخصصة للجمهور على المدرجات التي هي عبارة عن مصاطب من الإسمنت.

سرعان ما تم كسر قرار 40 بالمائة من سعة الملاعب في جميع مباريات كرة القدم الجارية حالياً في سوريا ضمن الدوري الممتاز، وسط صمت اتحاد كرة القدم ورئيسه اللاعب السابق والعميد في الشرطة حاتم الغايب والفريق الحكومي المعني بالتصدي للوباء، حيث تشهد الملاعب السوريّة حضوراً جماهيرياً كبيراً مقابل تذكرة يصل  سعرها إلى 1000 ليرة سوريّة (أقل من نصف دولار بحسب سعر الصرف الفعلي في السوق). تمتلئ الملاعب عن آخرها في المباريات المعروفة بجماهيريتها كما السابق، في دمشق وحلب حمص وحماة واللاذقية، وسط مشاهد باعثة على الفرح لرؤية الناس يتابعون ما يحبون ويعشقون، ومثيرة للقلق والخوف وسط انتشار كورونا وعدم اكتراث حكومة النظام به وبسلامة الناس.

*****

لا أحد يعلم بدقة أعداد المصابين بفيروس كورونا في البلاد التي تتهاوى بأكملها تحت ضائقة اقتصادية خانقة، وسط معلومات شحيحة عن الجائحة كما هو الحال بالنسبة لأي شأن عام آخر في مناطق حكم الأسد. وليس أمامنا إلا المنظمات الدولية للحصول على مقاربة حول الوضع الصحي والطبي في سوريا حالياً، وهذا ما أشار إليه تقرير لمنظمة العفو الدولية قال إن الوضع أسوأ مما كان عليه منذ ثمانية أشهر في ظلّ عدم وجود سياسة حكومية متماسكة للتصدي للوباء، في حين أن فحوصات PCR تُجرى في الغالب فقط لمن يريد السفر إلى الخارج ولقاء مبلغ 100 دولار.

في النهاية، قد يبدو أنه من الترف الكلام حول الحضور الكبير لمباريات كرة القدم أمام كل ما حصل ويحصل حالياً للشعب السوري، إذ ربما يكون حضورهم إلى الملاعب متنفسهم الوحيد أمام مصائب الحياة التي لا تتوقف، بحيث يمكن اعتبار مدرجات الإسمنت أداة تنفيس حقيقة وهامة حالياً في ظلّ واقعهم الذي بلغ من السوء ما لا يمكن وصفه. قد يكون هذا مبرر جمهور كرة القدم للحضور الكثيف في الملاعب رغم الوباء والضائقة الاقتصادية، لكن بالتأكيد فإنه لا شيء يمكن أن يبرر للنظام طريقة تعاطيه مع الملف الصحي، ومع الرياضة التي هي منظومة من منظوماته وأداة إعلامية قوية بيده لتصدير مشاهد من الحياة الطبيعية التي يدعيها إلى العالم.