كورونا في سوريا

 

قال الدكتور ريك برينان، مدير الطوارئ لمنطقة الشرق الأوسط في منظمة الصحة العالمية، إن المواد الخاصة بالتحاليل لكشف فيروس كورونا المستجد ستتوفر في شمال غربي سوريا خلال الأسبوع المقبل. وجاء تصريح برينان هذا يوم أمس الاثنين، بعد انتظار دام لأسابيع طويلة في محافظة إدلب، التي لم تحصل أي مشافٍ فيها بعد على المواد اللازمة للكشف عن الفيروس. وكانت منظمة الصحة العالمية قد وفّرت هذه المواد في مناطق سيطرة النظام قبل نحو أسبوعين من الآن، فيما لم تُعلن حكومة النظام حتّى اللحظة عن أي حالة مؤكدة في مناطق عملها.

وقال مصدر طبي خاص للجمهورية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن «هناك عدة حالات إنتانات رئوية في محافظة إدلب، نجم عن بعضها وفيات كان آخرها وفاة طفل بعمر التاسعة الأسبوع الماضي، إلا أنّ غياب القدرة على إجراء التحاليل المطلوبة حال دون التأكد من كون تلك الحالات مصابة فعلاً بفيروس كورونا المستجد». وأضاف المصدر، الذي يعمل طبيباً في إحدى مناطق إدلب الخارجة عن سيطرة النظام، أنَّ الاستعدادات غير كافية حتى اللحظة، كما أنّ قدرة المنظومة الصحية في الشمال السوري تراجعت للغاية نتيجة تعرضها للاستهداف المباشرة خلال الحملة العسكرية الأخيرة، ونتيجة موجات النزوح الكيبرة جداً.

ويقول الدكتور بشير تاج الدين، مدير البرامج في مكتب الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) في تركيا، إن «المنظومة الطبية في شمال غربي سوريا تواجه تحدياً خطيراً في الوقت الذي تعاني فيه من نتائج بالغة السوء بسبب التصعيد العسكري، فمن أجل الاستعداد لمواجهة فيروس كورونا المستجد، ومرض COVID 19 الذي ينجم عن العدوى به، يجب زيادة قدرات الكوادر التي تعمل تحت ضغط كبير، ورفع قدرات أجنحة الاستشفاء لتستطيع استقبال مثل تلك الحالات». ويبدو أنّ هناك نقصاً في الإمدادات الطبية في محافظة إدلب وعموم شمال غربي البلاد، وذلك حتى بالنسبة للإمدادات الأساسية، إذ يقول الدكتور تاج الدين للجمهورية إن «هناك نقصاً في وسائل الحماية الخاصة بالعاملين الصحيين والكوادر التي تدير المستشفيات، ومن دون تلك المعدات والإمدادات فإننا قد نواجه خطراً كبيراً بالنسبة للأطباء والممرضين، كما أننا بحاجة لتوسعة في البنية التحتية من أجل مواجهة احتمالات وصول كورونا إلى الشمال السوري. ويضاف إلى ذلك أن غياب القدرة على التشخيص المخبري، في الوقت الحالي، قد يؤدي إلى تأخر التدخل في الوقت المناسب لمواجهة المرض، وتبقى الآليات المتاحة الآن هي رفع الوعي بوسائل الوقاية بين الناس، لتقليل فرص الإصابة».

وكانت مديرية صحة إدلب، العاملة في مناطق محافظة إدلب الخارجة عن سيطرة النظام،  قد أعلنت أول من أمس الأحد عن تجهيز مختبر خاص للكشف عن فيروس كورونا المستجد، وعن أن الكوادر أتمت التدريب على كيفية الكشف عن هذا الفيروس، وبأن المختبر سيوضع في حالة العمل فور وصول المواد اللازمة من منظمة الصحة العالمية. وبانتظار وصولها، فإنه ليس بالإمكان حتى اللحظة تأكيد وجود أية حالة في محافظة إدلب ومناطق ريف حلب الغربي.

أما بالنسبة لمناطق سيطرة النظام، تستمر الإجراءات التي اتخذتها حكومة النظام، والقاضية بتعطيل المدارس والجامعات وإغلاق المقاهي، والحد من التجمعات ومن بينها صلاة الجماعة في المساجد بعد فتوى وبيان من وزارة الأوقاف. وعلى الرغم من هذه الإجراءات، ومن الإعلان عن كشف ست حالات لمصابين بفيروس كورونا في باكستان، كانوا قادمين من سوريا عبر قَطَر، لم يعلن النظام السوري عن أي إصابات حتى اللحظة.

من دمشق، يقول أحد الأطباء، وقد رفض الكشف عن اسمه، للجمهورية: «لم نلحظ كأطباء زيادة غير طبيعية في معدلات الالتهابات الرئوية في المستشفيات الكبيرة، وكما هو معروف فإن أحد أكثر أعراض COVID 19 انتشاراً هي الإصابة بالتهاب رئوي حاد. لكن بالمقابل، وفي ظل التراجع الكبير في عدد الأطباء وتراجع قدرات المنظومة الصحية، قد تكون تلك الفجوات سبباً في عدم الكشف عن الحالات المصابة حتى اللحظة». 

ويتخوّف الطبيب على سلامة الكوادر الطبية، نتيجة عدم وجود أي إجراءات حماية جديّة: «أول ما يخطر في بالنا هو ضعف الإمكانات الكبيرة في منشآتنا الحكومية، إذا لا توجد قدرة كبيرة على التعقيم أو القيام باجراءات عزل وفق المعايير الصحيحة، ما قد ينتج عنه تفشي للمرض في حال وصلت تلك الحالات إلى المستشفيات. وقد تمّ تخصيص كل من مستشفى دمشق (المجتهد) ومستشفى المواساة لاستقبال الحالات المشتبه بإصابتها، هذا نظرياً، لكن عملياً لا يوجد أي استعدادات حقيقية حتى اللحظة». عدا ذلك فإن الأوضاع شبه اعتيادية في العاصمة السورية كما أكد الطبيب، الذي أضاف أن الإجراءات التي تم الحديث عنها عبر وسائل الإعلام «هي مجرد محاولة للتصوير لا أكثر، إذ لا توجد أي إجراءات جدية ومعيارية لمواجهة احتمال تفشي الفيروس».

في مدينة حلب، أكّدَ مصدر طبي في مستشفى الجامعة، أكبر مستشفيات المدينة، للجمهورية أنَّ لا زيادة تُذكر في حالات الالتهابات الرئوية في المدينة، ما يعطي مؤشراً على عدم وجود جائحة حتى اللحظة. وعلى الرغم من الشك في عدة حالات، إلا أنه لا توجد إصابات مؤكدة حتى اللحظة. ولا يبدو أنّ أهالي المدينة قلقون من الإشاعات عن إصابات في صفوف الميليشيات الإيرانية والعراقية، إذ يغيب هؤلاء عن المشهد اليومي في المدينة، ويتركّز حضورهم في الأرياف المجاورة التي تمّ تفريغ معظمها من السكان أصلاً.

أما في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية شمال شرقي البلاد، فإنّ الإدارة الذاتية هناك قد اتخذت إجراءات عديدة، منها إغلاق المدارس والمعابر الحدودية والداخلية، التي باتت تستقبل اليوم أهالي المنطقة فقط، في محاولة للحد من الحركة مع الخارج بهدف تجنّب وصول الفيروس إلى مناطقها.

ليس مستبعداً أبداً أن يكون الفيروس قد وصل إلى البلاد بالفعل، وأن يكون التراجع الكبير في قدرة النظام الصحي سبباً في عدم الكشف عنه حتى اللحظة. يُضاف إلى ذلك الاستهتار الذي تظهره حكومة النظام حيال ضرورة اتخاذ تدابير جدية، وإجراء الكشوفات على نطاق واسع، إذا يبدو مستحيلاً أن تخلو سوريا لوحدها، من بين كل دول جوارها، من الإصابات تماماً، وإن كانت جميع المؤشرات المتوافرة تفيد بأن الأمر لم يتحول إلى حالة وبائية في سوريا حتى الآن.

ولعلّ الاستهتار الرهيب يظهر بوضوح في لقاء أجرته قناة إخبارية سورية مع وزير الصحة السوري نزار يازجي قبل أيام، إذ طلبت منه المراسلة توجيه رسالة تطمئن الشعب السوري، فأجاب بأنّ «الجيش السوري طهّر كثيراً من الجراثيم الموجودة على أرض سوريا»، مؤكداً أن القطاع الصحي في سوريا أشبه بالجيش أيضاً. يستغلّ الوزير إذن فرصة الحديث عن كورونا، لتكرار واحد من أكثر الخطابات فاشية ضد معارضي النظام السوري، الذين سبق أن وصفهم رأس النظام نفسه بأنهم جراثيم في أشهر الثورة الأولى.

ويبقى أن كارثة كبرى يمكن أن تحدث في حالة تفشي الوباء في سوريا، إلى مستويات تعجز عن التعامل معها سائر المنظومات الصحية في في مختلف مناطق السيطرة، إذ أدت الحرب التي شنّها النظام على عدد كبير من المناطق إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية الصحية، وإلى تهجير عدد كبير جداً من الكوادر الطبية، فيما يؤدي الإهمال ونقص التمويل الحاد إلى تراجع الخدمات الطبية بشكل مريع.