كورونا ليس خبراً رئيسياً في درعا

 

تتباين مظاهر الحياة اليومية من منطقة إلى أخرى في محافظة درعا، وذلك نتيجة بقاء قرى وبلدات وأحياء سكنية عديدة فيها خارج سيطرة النظام المباشرة، بسبب بقاء مسلحين محليين معارضين وتشكيلات عسكرية متنوعة فيها بعد سيطرة النظام عليها صيف العام 2018. ولعلّ أبرز وجوه التباين الظاهرة اليوم، هو عدم التزام سكان مناطق عديدة فيها بحظر التجوال الجزئي الذي فرضه النظام في مناطق سيطرته المطلقة، التي تنتشر فيها قواته بعد الساعة السادسة مساءً لتطبيق الحظر في أيام العمل الأسبوعية، بينما لا يُسمح بالتحرك في يومي الجمعة والسبت إلا لمدة ست ساعات فقط، من السادسة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً.

غير أن ما يجمع سكّان درعا على تنوع مناطق السيطرة فيها هو ضعف الخدمات العامة، بما فيها الخدمات الطبية، وتردي الأوضاع الأمنية، بالإضافة إلى قلّة فرص العمل ومحدودية موارد الدخل. وتعيش المحافظة الجنوبية وضعاً خاصاً معقداً منذ سيطرة النظام وحلفائه عليها، بعد معارك عنيفة انتهت بإبرام اتفاق للتسوية مع فصائل المعارضة فيها، قضى بتهجير رافضي التسوية إلى الشمال السوري، وسحب السلاح الثقيل من الفصائل، مع بقاء السلاح الفردي الخفيف مع أعداد كبيرة من مقاتليها، الذين انضوى بعضهم في تشكيلات تابعة لروسيا أبرزها الفيلق الخامس في بصرى الشام ومحيطها، فيما بقي آخرون متواجدين في أحيائهم وقراهم دون الانضواء في أي تشكيلات مرتبطة بالنظام وحلفائه، وهو ما يعني أن ثمة مناطق واسعة من المحافظة ليست تحت سيطرة النظام المباشرة، مع تواجد النظام وحواجزه على الطرقات الواصلة بينها ما يجعلها أشبه بالجزر المعزولة، في حين أن هناك بلدات وأحياء وقرى عديدة تحت سيطرة النظام الأمنية والعسكرية والإدارية المباشرة.

وقد أدى هذا إلى تباين الاستعدادات والإجراءات الوقائية من الفيروس، دون أن يعني ذلك أن هناك فصلاً حقيقياً بين مناطق درعا عموماً، ذلك أن مناطق السيطرة فيها متداخلة، وتستمر حركة الأهالي بينها لأسباب عائلية وتجارية. وقد تحدثنا إلى عدد من سكّان محافظة درعا، رفضوا التصريح عن أسمائهم لضمان سلامتهم، وأكدوا جميعاً أنه ليس هناك تفشٍ للوباء في المنطقة، لأن التفشي واسعَ النطاق أمرٌ لا يمكن أخفاؤه، لكنهم في الوقت نفسه عبروا عن عدم ثقتهم بالأرقام الرسمية، التي لم تُشر حتى الآن إلى تسجيل أي إصابات في المحافظة.

يقول واحدٌ منهم إنه قضى ليلتين مؤخراً في المشفى الوطني في درعا، وذلك بسبب عارض صحي أصابه، ويشرح أنه أثناء وجوده تم الاشتباه بإصابة عدد من المرضى الذين راجعوا المشفى: «لقد تم وضعهم تحت حجر صحي، وتم إرسال العينات لفحصها في دمشق، وعَرفتُ أنهم سيبقون محتجزين حتى ظهور نتائج التحليل بعد ثلاثة أيام. لا يوجد سوى غرفة واحدة في المشفى للحجر الصحي، وكان عدد المحجور عليهم فيها حسب ما قيل لي وقتها خمسة عشر شخصاً».

يقول مصدرنا إنه خرج من المشفى دون أن يعرف ما إذا كان أحد الأشخاص المشتبه بإصابتهم مصاباً فعلاً، وعند سؤاله عن الإجراءات الأخرى المتبعة لمواجهة الفيروس، قال إن «إجراءات الوقاية في مناطق سيطرة النظام تشمل، بالإضافة إلى حظر التجول الجزئي، رشّ الشوارع بالماء المخلوط باللودالين والكلور، فيما كانت هناك مبادرات مشابهة هادفة للتعقيم في مناطق سيطرة المقاتلين المعارضين، يقوم بها أفراد ليس لديهم أي صفة رسمية».

وقد تم إغلاق معبر نصيب على الحدود الأردنية جنوبي درعا ضمن إجراءات الوقاية من انتشار الفيروس، ويقول أحد الأشخاص الذين تحدثنا إليهم إن هذا «أثَّرَ بشكل عام على المحافظة، حيث أدى إلى ارتفاع الأسعار، عدا عن تأثيره المباشر على مئات الأشخاص الذين يعتمدون على عمل المعبر في تأمين رزقهم. المحافظة تعاني حتى قبل الفيروس من وضع اقتصادي متردٍ بسبب غلاء الأسعار وقلّة مصادر الدخل، وقد جاءت هذه الظروف لتزيد الطين بلة. من يستطيع الحصول على خبزه هذه الأيام يُعتبر محظوظاً».

ونوّه المصدر إلى أن حظر التجوال «لم يصبح صارماً إلا في الأيام الأخيرة، لكنه أصبح أيضاً، كالعادة، بوابة رزق جديدة لعناصر النظام، الذين يحاولون ابتزاز الناس المخالفين للحصول منهم على الأموال». مضيفاً أن «الحركة غير مقيدة في مناطق سيطرة المقاتلين المعارضين والتشكيلات غير التابعة للنظام بشكل مباشر، إذ يستطيع الأهالي الخروج والعمل والتنقل في كل الأوقات، خلافاً لمناطق سيطرة النظام المباشرة. الناس قلقون على أرزاقهم أكثر مما هم قلقون من الفيروس».

ومن بين الأشخاص الذين تحدثنا إليهم بهذا الخصوص، شخصٌ يقيم في منطقة يسيطر عليها الفيلق لخامس المدعوم روسياً قرب بصرى الشام، والذي يتشكل قوامه الرئيسي من مقاتلين معارضين أجروا تسويات مع النظام برعاية روسية؛ يقول إنه «تم الإعلان قبل نحو أسبوعين عن فرض حظر للتجوال في مناطقنا كما هو الحال في مناطق سيطرة النظام المباشرة، لكن الالتزام به لم يستمر أكثر من ثلاثة أيام، وعاد الناس إلى أعمالهم وحركتهم نظراً لعدم حصولهم على أي دعم يُعنيهم على التزام بيوتهم وعدم الخروج للعمل. لكن التغير الرئيسي الذي فرضه كورونا على حياتنا هو الارتفاع الهائل في الأسعار، في ظل أوضاع اقتصادية بالغة السوء».

يشير في هذا السياق إلى مشكلة كبيرة تعترض سكان منطقته، وهي أن كثيرين منهم لا يستطيعون الانخراط في أي عمل أو نشاط اقتصادي يتطلب منهم الذهاب إلى مناطق سيطرة النظام أو المرور عبرها، خشية التعرض للاعتقال على الحواجز ونقاط التفتيش: «لا يجرؤ هؤلاء على الذهاب للبحث عن عمل خارج مناطق سيطرة الفيلق الخامس، وهي مناطق محدودة الإمكانات الاقتصادية، وتكاد تنعدم فيها فرص العمل. وقد باتت أوضاعهم شديدة السوء بعد انتشار فيروس كورونا في العالم، لأنهم كانوا يعتمدون على حوالات مالية تأتيهم من أقربائهم أو أصدقائهم في الخارج، لكن أغلب هذه الحوالات لم تعد تأتي بسبب إغلاق كثير من مكاتب التحويل، وبسبب خسارة أقاربهم وأصدقائهم لفرص عملهم في البلدان التي يعيشون فيها».

يختم حديثه بالقول: «خبر كورونا ليس خبراً رئيسياً بالنسبة لسكان المنطقة التي أعيش فيها، بل هو خبر عابر لا يشغل حيزاً مهماً من تفكيرهم، ولا يأخذونه على محمل الجد، بما في ذلك أنا نفسي، لأننا بالكاد نتدبر ما يبقينا على قيد الحياة أصلاً».