كورونا يدخل الرقة

 

في السابع عشر من نيسان (أبريل) الماضي، رصدت هيئة الصحة في شمال شرق سوريا أول حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا المستجد في مناطق سلطة الإدارة الذاتية، التي تشمل مساحات واسعة من محافظات الحسكة والرقة ودير الزور وحلب، لتبدأ بذلك حلقة جديدة من مسلسل معاناة الأهالي في هذه المناطق، أبطالها الرجال والنساء من ضحايا هذا الفيروس.

وفي صباح هذا اليوم، الثاني عشر من آب (أغسطس) 2020، أعلنت الهيئة عن تسجيل 6 إصابات جديدة بفيروس كورونا المستجد، ليصبح العدد الكلي للحالات المسجَّلة 144 حالة في عموم المناطق التابعة لسلطة الإدارة الذاتية، من بينها 7 وفيات (4 في الحسكة - 2 في حلب - 1 في الرقة). فيما كانت الهيئة قد سجلت في أوقات سابقة 10 حالات تعافٍ في عموم مناطق الإدارة، ليكون بذلك عدد الحالات النشطة (قيد العلاج) 127 حالة، ثلثاها في محافظة الحسكة، مع ملاحظة ارتفاع معدل الإصابات خلال الأسبوع الماضي لتصل 15 حالة يومياً بشكل وسطي.

بالنظر مبدئياً إلى عدد الحالات والخارطة الجغرافية لتوزعها، يُلاحظ انتشار الوباء في عموم مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، مّا ينذر بكارثة صحية في ظل ضعف الإمكانيات الطبية المتوفرة للتصدي لمثل هذه الجائحات، وعدم التزام الأهالي بقواعد التباعد والوقاية، وعدم اتخاذ إجراءات حازمة كافية من جانب الإدارة للحدّ من تفشي هذا الوباء.

ويوم أمس، أعلنت هيئة الصحة عن أول حالة وفاة بفيروس كورونا في الرقة، بعد أن كانت قد سجلت سبع إصابات فيها حتى الآن، فيما لا تزال البنية التحتية الصحيّة مهدمة في المحافظة بفعل الحرب ضد تنظيم داعش، وهو ما يجعل استحقاق مجابهة الوباء فيها أكثر صعوبة، إذ أن المنشآت الصحية الحاليّة بسيطة الإمكانات، كما أن قلة الكوادر الطبيّة، وعدم امتلاك العديد منها لخبرات طبية كافية في التعامل مع حالات مشابهة، يخلق تحدياً إضافيّاً لمواجهة هذا الوباء الذي عجزت عن مجابهته أنظمة صحية أكثر تماسكاً في البلد كما في دمشق.

للوقوف على واقع الحال في الرقة، تواصلت الجمهورية مع العديد من المصادر الطبية داخل المحافظة، بالإضافة إلى عاملين في منظمات إنسانية والعديد من السكّان، وأخذت شهاداتهم بهدف تقديم إحاطة كافية بالوضع الراهن هناك بخصوص المرض وظروف انتشاره ومجابهته.

في نيسان (أبريل) 2020 تلقت الإدارة الذاتية أربعة أجهزة PCR للكشف عن فيروس كورونا المستجد، كمساعدة من حكومة إقليم كردستان العراق، كما أرسلت حكومة الإقليم العديد من الكوادر الطبية لتدريب العاملين في القطاع الصحي على كيفية استخدام هذه الأجهزة. وقد جرى توزيع الأجهزة على مناطق الإدارة وفق التالي: مدينة الرقة – مدينة الحسكة – مدينة القامشلي – مدينة كوباني (عين العرب)، فيما بقيت مدينتا الطبقة ومنبج، وكذلك سائر مدن وبلدات ريف دير الزور الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بدون أجهزة للكشف عن فيروس كورونا المستجد.

«حتى الآن لم يتم تفعيل جهاز الكشف عن فيروس كورونا في الرقة، ويتم إرسال العينات المشتبه بها لمركز فحص في القامشلي»؛ هذا ما جاء على لسان أحد موظفي القطاع الصحي في الرقة، والذي رفض الكشف عن هويته لدواعِ أمنية، إذ أكدَّ هذا المصدر أن جهاز الكشف عن الكورونا لم يدخل الخدمة بعد مرور ما يزيد عن المئة يوم على وصوله، مّا يستدعي إرسال الحالات المشتبه بها إلى مخبر القامشلي المركزي، والانتظار لمدة يومين حتى ظهور النتائج. ويقول الموظف إن هناك مطالبات كثيرة من الأطباء لتفعيل الجهاز، إلا أنَّ رئاسة مجلس الرقة المدني رفضت ذلك، مقدمة مبررات تندرج تحت بنود عدم وجود مكان مناسب للجهاز وعدم جاهزية الكوادر الطبية للعمل على الجهاز.

يُرجع العديد ممن تحدثنا إليهم هذا الرفض إلى رغبة الإدارة الذاتية بالتعامل بسريّة تامّة مع عدد الحالات المصابة، وخوفها من تسريب أي أرقام حقيقة عن هذا الوباء. كما أن لجنة الصحة في مجلس الرقة المدني نفت وجود إصابات في الرقة بعد تداول أخبار عن ذلك في شبكات إخبارية محليّة، لنشهد بعد ذلك بقليل تصريحاً من قبل لجنة الصحة في شمال شرق سوريا، يؤكد تسجيل 3 حالات إصابة في الرقة للمرة الأولى في الثلاثين من تموز (يوليو) الماضي، مّا يدل على التخبُط الواضح في التصريحات، ومحاولة مجلس الرقة المدني كتم الحقائق.  

وفق إفادات العديد من عاملي القطاع الصحي، يوجد في مناطق سيطرة قسد في محافظة الرقة ثلاثة مشافٍ حكومية تتبع للإدارة الذاتية، في مدن الرقة والطبقة وعين عيسى. ويحوي مشفى الرقة الوطني أربع منافس، بينما يضم مشفى الطبقة الوطني سبع منافس، أما مشفى عين عيسى فلا يحوي أي منفسة. وتحوي المشافي الخاصة في الرقة تسع منافس موزعة كالتالي: (الطب الحديث 2 - دار الشفاء 2 - السلام 2 - الفرات 3). كما يحوي مشفى البكور الخاص في الطبقة منفسة واحدة، مع العلم أن معظم هذه المنافس تعمل ضمن أقسام العناية في المشافي المذكورة أعلاه، ما يعني أنها غير خاصة بمرضى الكورونا فقط. كما يوجد منافس إضافيّة عمّا ذُكِر، لكنها مخصصة للأطفال، مّا يعني عدم جواز استخدامها لمرضى الكورونا بحكم أن مرضى الكورونا المحتاجين للمنافس هم من البالغين. وتتراوح كلفة مبيت ليلة واحدة على المنفسة في المشافي الخاصة بين 50 و70 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 32 دولاراً أميركياً، وهو رقم لا يشمل كلفة الأدوية اللازمة.

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان مناطق محافظة الرقة الخاضعة لسلطة قسد يبلغ نحو خمسمائة وثمانين ألفاً، بما يشمل النازحين من مناطق أخرى، وعليه فإن وجود 21 منفسة يعتبر قليلاً جداً، مّا يُنذر بحدوث كارثة صحية في حال وصول عدد الحالات التي تتطلب منافس أكبر من عدد المنافس ذاته.

تم افتتاح أول مركز حجر صحي في مدينة الرقة يوم السادس من آب الحالي، وهو يقع في حي النهضة، مقابل الحديقة المرورية، بطاقة استيعابية تصل 37 سريراً. أما مدينة الطبقة فتحوي أيضاً مركزاً واحداً للحجر الصحي ضمن مشفى الطبقة الوطني، بطاقة استيعابية تصل إلى 24 شخصاً، فيما تضم مشفى عين عيسى في ريف الرقة الشمالي مركزاً للحجر الصحي بطاقة استيعابية تصل 15 سريراً.

لا تحوي مراكز الحجر الصحي الثلاثة أي منافس، وتفتقر أيضاً إلى اللباس الواقي للكادر الطبي بما فيه كمامات (N95)، الذي يعد أساسياً لمنع انتقال العدوى من المصابين للأطباء، مّا يعني زيادة في احتمالية انتشار الوباء. كما لم تشهد هذه المراكز تسجيل أي حالة حجر ضمنها، وقد تم تطبيق الحجر المنزلي على الحالات المصابة بالفيروس في الرقة وفق ما صرَّحَ مسؤول مركز الحجر الصحي في الرقة، الذي وقع أيضاً ضحية للفيروس في الرابع من آب الحالي وفق ما نشر على صفحته الشخصية على فيسبوك.

كذلك أعلن صندوق الائتمان لإعادة إعمار سوريا (SRTF) عن تمويل مركزين للحجر الصحي في مدينة الرقة، أحدهما في الملعب البلدي والآخر في مشفى الرقة الوطني، وبطاقة استيعابية قدرها 50 سريراً لكل منهما، إلا أنهما قيد التجهيز، ذلك على الأقل حتى يوم العاشر من آب الحالي.

بالنظر إلى تاريخ تفعيل أول مركز حجر صحي ضمن الرقة، ومقارنته مع تاريخ ظهور أول إصابة في مناطق الإدارة الذاتية، نجد أن الفارق الزمني يقارب الأربعة أشهر، ما يشير إلى تقاعس الإدارة في أخذ خطوات فعليّة للحدّ من هذا الوباء، إذ أن هذه المدة الزمنية كانت كافية لتجهيز العديد من مراكز الحجر الصحي، وأخذ تدابير الوقاية والسلامة الصحية بشكل يجعل المنظومات الطبية جاهزة لاستقبال الحالات ورعايتها صحياً.

وفي مجال التدابير الوقائية للحد من انتشار الوباء، أصدرت المجالس المدنية في الرقة والطبقة حزمة من القرارات التي تدعو فيها المواطنين لأخذ الحيطة والحذر، مثل ارتداء الكمامات والقفازات، وتطبيق معايير التباعد الاجتماعي مثل منع الصلوات في المساجد وإلغاء مجالس العزاء. كما نصت القرارات على منع تجمع المواطنين أمام الأفران، وتكليف مندوبين بإيصال الخبز للأهالي، وإغلاق تام لمداخل ومخارج مدينتي الرقة والطبقة لمدة 14 يوماً، اعتباراً من تاريخ صدور هذه القرارات في التاسع والعشرين من تموز (يوليو) الماضي.

«لم تدم فرحة الأهالي كثيراً، إذ ما يزال مشهد المعاناة اليومي للحصول على الخبز مستمراً رغم كل القرارات التي صدرت. ما زلنا نقف ساعات على طابور الفرن كي نحصل على ما يسد رمقنا»؛ هذا ما أبلغنا إياه أحد سكّان شارع 23 شباط شرقي مدينة الرقة، نافياً صحة ما نُشِرَ على صفحة مجلس الرقة المدني عن تطبيق نظام المندوبين في توزيع الخبز بعد مرور عشرة أيام على إصداره، إذ شُوهدت جموع المدنيين أمام فرن 23 شباط للحصول على الخبز. كما تواصلت الجمهورية مع العديد من المصادر في مناطق مختلفة من الرقة، وأكدوا عدم تطبيق هذا القرار في مناطق متفرقة من المدينة. ويعدّ وقوف الأهالي وتزاحمهم أمام الأفران للحصول على الخبز، واحداً من أهم العوامل التي تساعد على انتشار الوباء.

وعن توفر الكمامات ومواد التعقيم، ومدى تناسب أسعارها مع أصحاب الدخل المحدود الذين يشكلون النسبة العظمى في المجتمع، يحدثنا أحد العاملين في منظمة إنسانية تُعنى بمسح الاحتياجات الأساسية وقياس مدى توفرها فيقول: «يقدر الأجر اليومي للعامل وسطياً بخمسة آلاف ليرة سورية، فيما يبلغ سعر لتر المعقم ستة آلاف ليرة سورية، وثمن الكمّامة الواحدة 500 ليرة، وثمن القفازات 500 ليرة سورية أيضاً. تحتاج الأسرة المؤلفة من خمسة أفراد ما يقارب ثمانية آلاف ليرة سورية يومياً لتوفير أساسيات المعيشة بالحدود الدنيا، وبالتالي فإنًّ شراء الكمامات والمعقمات أمر مكلف مادياً لأصحاب الدخل المحدود».

يعني كلّ ما تقدَّم من ظروف أن فئة كبيرة من السكّان غير قادرة على الالتزام بمتطلبات الوقاية، وهو ما يمكن أن يترتب عليه انتشار أكبر للوباء، فيما حذَّرَ العديد من صيادلة الرقة من فقدان الكمامات ومواد التعقيم في حال زيادة الطلب عليها مستقبلاً.

يبدو واضحاً من جميع الشهادات والمعلومات التي حصلنا عليها أن الرقة تفتقد إلى منظومة طبية وخدمية قادرة على التعامل مع انتشار واسع للوباء، وأن الإدارة الذاتية ليس لديها خطط مدروسة لمواجهة هذا الأمر، كما أن ثمة مؤشرات عن فقدان الشفافية في بياناتها ومعلوماتها، ما يترك الباب مفتوحاً على انتشار الشائعات. وليس أمام الأهالي في حالة كهذه سوى محاولة الالتزام قدر الإمكان بمعايير الوقاية والسلامة والتباعد، علّ هذه المحنة تمرّ بأقلّ قدر ممكن من الخسائر.