كورونا يدخل اليمن

 

تسود مخاوف عالمية جدية هذه الأيام من تفشي فيروس كورونا في البلدان النامية والفقيرة، وخاصة تلك التي تشهد نزاعات مستمرة وتعاني من ضعف القطاع الصحي، ما يُنذر بأرقام مرتفعة من الضحايا قياساً إلى عدد الوفيات الكبير الواقع في بلدان متقدمة كالولايات المتحدة وإسبانيا وإيطاليا. واليمن واحدٌ من تلك البلدان التي تتشاءم التنبؤات حيالها في حال تفشي الفيروس فيها، فهو يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم منذ أعوام، وتستمرّ فيه المواجهات العسكرية، ويعاني قطاعه الصحي بشدة.

أكثر من نصف المستشفيات في اليمن خارج الخدمة، علاوة على تفشي العديد من الأمراض الخطيرة الأخرى، كالكوليرا والسل والملاريا، وافتقار 18 مليون شخص للرعاية الصحية الكافية والمياه. ويعيش الملايين في اليمن على حافة المجاعة، حيث ينتشر سوء التغذية الحاد، ولا يتناول سوى 15 في المئة فقط من الأطفال الحد الأدنى المقبول من الغذاء الضروري للبقاء على قيد الحياة والنمو، وفق منظمة اليونيسيف، وهذه الأمور كلها تؤثر على المناعة الصحية الضرورية لمواجهة فيروس كهذا.

وسجَّلَ اليمن يوم الجمعة الماضي أول حالة إصابة بالكورونا في محافظة حضرموت، ليتصاعد القلق على حساب الشعور بالراحة الذي كان سائداً حتى وقت قريب بخصوص انتشار الوباء في البلد. ويأتي تسجيل هذه الحالة بعد يوم واحد فقط من إعلان التحالف العربي بقيادة السعودية وقف العمليات العسكرية في اليمن بسبب كورونا، بعد دعوة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية إلى وقف الأعمال العسكرية في هذه الظروف، فيما لم يصدر إعلان مقابل من جماعة الحوثي، التي اتهمها الجيش اليمني، التابع لحكومة عبد ربه منصور هادي المدعومة من التحالف العربي بقيادة السعودية، بالاستمرار في شنّ هجمات عسكرية رغم وقف إطلاق النار.

وأعلنت الحكومة اليمنية، المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية، إغلاق ميناء الشحر، الذي كان الرجل المصاب يعمل فيه، فيما أمر محافظا شبوة والمهرة المجاورتين بإغلاق الحدود مع حضرموت. كما أُعلن عن حظر تجول ليلي لمدة 12 ساعة في حضرموت، وسط دعوات للأهالي بالبقاء في منازلهم، في حين قالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، ليزا غراندي، إن اليمن قد يواجه «الخطر الأكبر منذ 100 عام» بحسب وصفها، منوهة إلى أن مستويات المناعة في حدودها الأدنى لدى شريحة واسعة من السكان.

وتأتي كل هذه التطورات بعد أن قرر برنامج الغذاء العالمي إيقاف نصف المساعدات الإنسانية المقدمة إلى مناطق سيطرة الحوثيين، بسبب وجود أزمة في التمويل ومخاوف من عرقلة الحوثيين لعبور هذه المساعدات إلى المحتاجين، وهي مساعدات يحتاجها أكثر من 12 مليون شخصاً.

وقد تحدّثت الجمهورية إلى الناشط اليمني فارع المسلمي، أحد مؤسسي مركز صنعاء للدراسات، الذي علَّقَ على تراجع المساعدات بالقول إن «هناك توجهاً واضحاً لقطع جزء كبير من المساعدات عن اليمن، بعد قرار ترمب قطع المساعدات عن الوكالة الأمريكية للتنمية USAID ومنظمة الصحة العالمية. ولكن أعتقد أن الضرر الأكبر على اليمن سيقع بسبب فيروس كورونا، إضافة إلى الحرب النفطية السعودية الروسية حالياً، فأكبر المانحين في اليمن اليوم هما السعودية والإمارات، وهاتان الدولتان سيتأثر إنتاجهما النفطي بكورونا وأسعار النفط، وستكون قدرتهما الريعية، بالتأكيد، أقل من المعتاد».

وأوضح المسلّمي أن السعودية «أعلنت عن مبادرة لوقف إطلاق النار في اليمن وهذا أمر هام للغاية، وقد يكون أكثر ما تستطيع تقديمه، ويوفّر لها شيئاً لطالما كانت بحاجة له، وهو حفظ ماء الوجه. الكرة الآن حرفياً في ملعب الحوثيين، وأمر تفشي الفيروس من عدمه يقع على عاتقهم، فالسعودية والحكومة المتحالفة معها تسيطر على ما يقارب 70 في المئة من جغرافيا اليمن، إلا أن الحوثيين يسيطرون على 70 في المئة من ديموغرافيا اليمن، إذ يسيطرون على المدن الكبرى والأكثف سكّانياً». منوهاً إلى أن «على الحوثيين أن يقرروا اليوم ما إذا كانوا في هذه الظروف الحرجة أقرب إلى صعدة أم إلى طهران».

وتابع المسلّمي أن «اليمن، بسبب إمكانياته المتواضعة، على أعتاب الجحيم. ذلك أن تفشي الفيروس في الظروف اليمنية الحالية يضعنا في مواجهة وضع لا نريد أن نتخيله على الإطلاق» وفق تعبيره.  

الباحث اليمني علي الديلمي قال للجمهورية إن «هناك إجراءات للحجر الصحي يتم تنفيذها في المعابر البرية للمحافظات على الوافدين من خارج هذه المحافظات أو من خارج اليمن. وتم تجهيز أسرّة للرقود والعناية المركزة بمساعدة منظمة الصحة العالمية». لافتاً إلى أن «الأمراض الخطيرة المنتشرة أصلاً في اليمن أثقلت كاهل القطاع الصحي، وهناك تخوف شديد من تفشي كورونا. وقد أعلنت منظمة الصحة نيتها تجهيز 37 مشفى عبر ممثلها في اليمن بالتعاون مع السلطات المحلية اليمنية».

وأضاف المصدر أن «المنظمة تحاول رفع الوعي بالمرض، وتدريب الكوادر الطبية، وتوفير مخزون احتياطي من أجهزة الفحص. عندنا الآن في عموم اليمن مختبران لإجراء الفحوصات في صنعاء وفي عدن، لكن المنظمة تعمل على فتح مخبر ثالث، وضمان وجود مستشفى للعزل في كل المحافظات». مشيراً إلى أنه «لا يوجد تباين في تعامل منظمة الصحة العالمية مع الحوثيين أو حكومة هادي. فيما يوجد نوع من التنسيق في توزيع المساعدات الطبية في جميع أنحاء الجمهورية بغض النظر عن القوى المسيطرة». مشيراً إلى أن مراكز الحجر الصحي «لا يوجد فيها أي تجهيزات، ونحاول الحصول على الدعم من التجار والمنظمات لتجهيز هذه المراكز بالأسرة والأدوات اللازمة». لافتاً إلى أن «وزير الصحة التابع للحوثيين، طه المتوكل، أعلن أنه لا يوجد سوى ألف سرير، رغم الحاجة إلى مليون على الأقل، وأنه لا يوجد غير 400 جهاز تنفس صناعي، و3400 جهاز فحص في صنعاء، و3200 جهاز فحص في عدن». توضح هذه الأرقام حجم الهوة بين الحاجة وبين ما هو متوافر اليوم في اليمن.

«الله يستر»، كانت هذه جملة الطبيب الأخيرة.