«كومبارس» للاحتفال في نادي الفروسية

 

يسرع العشرات من طلَّاب جامعة دمشق، في الصباح الباكر، للصعود إلى باصات النقل الداخليِّ التي تقف بانتظارهم عند بوابات المدينة الجامعية، حتى يُخيَّل للرائي من بعيد أنهم ذاهبون في رحلة ترفيهية أو لممارسة نشاطٍ فنيٍّ أو ثقافيٍّ جماعي في مكان ما، لكن ما أن نقترب قليلاً حتَّى نرى غالبيَّة الوجوه مكفهرةً وساخطة، ويمكن تمييز بعض المسؤولين عن الطلاب من خلال تصرفاتهم الفظة والطريقة التي يصرخون بها.

بعد منتصف الليل، سيعود الطلاب والطالبات في الباصات ذاتها، وسيكون بينهم عدد من الفتيات الباكيات، فيما يغلب التعب والغضب على ملامح البقيَّة. ولدى سؤالهم عن السبب، سنتبين أنَّ هؤلاء الطلبة كانوا مجبرين على الذهاب إلى نادي الفروسية، ليمثلوا دور جمهورٍ يقوم بتصفيقٍ حار في مسابقة أثارت السخط والسخرية على نطاق واسع بعد تداول صور الفائزين فيها.

ما حدث للطلاب كان إلزاماً بطريقة مهينة للغاية، ذلك أنه في مساء اليوم السابق، زار مدراء الوحدات السكنية غرف الطلاب في المدينة الجامعية غرفةً غرفة، وقاموا بسحب إيصالات السكن التي يحوزها الطلاب لإجبارهم على الذهاب إلى المسابقة، قائلين إنها ستُعاد لهم حين يرجعون. ومن دون هذه الإيصالات، لا يحقُّ للطلاب المقيمين في المدينة الجامعية الدخول إليها، أي أن من لا يذهب سينام في الشارع حرفياً.

قالت إحدى الطالبات للجمهورية إن مديرة الوحدة 14 في السكن الجامعي حذرتهم بالقول إن «من لا يذهب إلى فعالية نادي الفروسية سيُعاقب بسحب الوصل نهائياً، وأن الإيصالات ستُعاد لهم بعد الفعالية في طريق العودة». وقد كان الدور المفروض على الطلبة في نادي الفروسيَّة هو أن يصفقوا بحرارة، ويتفاعلوا ويمثِّلوا دور الجمهور المتحمس. وعندما تشجَّعَ أحدهم وقال لمدير الوحدة إنه ليس بمقدوره أن يشارك في الفعالية لأنَّ عليه الذهاب إلى الجامعة لحضور محاضرات مهمَّة، أجابه المدير ببساطة: «إي غيب عن المحاضرة، أو روح دوّر على سكن تاني».

يقع نادي الفروسية في دمشق بمنطقة الديماس، وتشرف عليه بشكل مباشر منال جدعان زوجة ماهر الأسد. ولأن تكاليف التدريب فيه عاليّةٌ جداً بحيث لا يستطيع السوريّ العادي أن يدفعها، دائماً ما يكون «الفرسان» من عائلة الأسد أو مخلوف أو حمشو، وكالعادة يكون المركز الأول من نصيب ابنة بشار أو ابنة ماهر الأسد.

وقد ذهب الطلاب المساكين إلى تلك المناسبة رغماً عنهم، قاطعين مسافة ساعتين ذهاباً ومثلها إيَّاباً، ومجبرين على التصفيق وإبداء الحماس الشديد، والتفاعل الزائف مع «أبطال» الفروسية، وقضاء يومٍ كاملٍ في مكان لا يستطيع فيه أغلبهم أن يأكل شيئاً، إذ أنَّ الأسعار في النادي تفوق القدرة الماديَّة لمعظم الطلاب؛ ليتر الماء ثمنه 700 ليرة سورية، وأسعار وجبات الطعام والسندويش تبدأ من 2000، وهو ما يعادل سبعة أضعاف سعر هذه المواد خارج النادي. كان على الطلبة أن يصفِّقوا ويصرخوا فرحاً بالنتيجة المتَّفق عليها، والتي تكون المراكز الأولى فيها كلَّ سنة من نصيب أحد أفراد عائلة الأسد.

طالبةٌ في كلية الاقتصاد، جاءت إلى دمشق من مدينة بعيدة، واضطرت للذهاب إلى الفعالية، لأنها لا تملك مكاناً في دمشق تعيش فيه خارج السكن الجامعي، قالت لي وهي تبكي إنّ «أسوأ ما في الأمر هو معاملة المسؤولين في اتحاد الطلاب، لقد عاملونا كأننا أغنام يرعونها، إضافةً إلى أعضاء كتائب البعث، الذين رافقونا بأسلحتهم وكانوا يتفقَّدوننا في المدرجات ليتأكدوا من أننا نشجِّع بشكلٍ جيد، كما أنَّهم طلبوا منا أن نرقص ونغني تعبيراً عن فرحنا بفوز شام الأسد. لقد عاملونا بوقاحة منقطعة النظير».

أُعيد الطلاب ليلاً ودخلوا غرفهم في الساعة الثانية صباحاً، بعد يومٍ شاقٍّ وبارد قضوه على المدرجات دون طعام أو ماء. لكنها لم تكن النهاية للممارسات التسلطية والمهينة بحق الطلاب، فبعد أسبوع من هذه الفعالية سيعاود مدراء الوحدات الكرّة ويسحبوا إيصالات السكن، لإجبار الطلاب على الذهاب إلى مدينة القنيطرة للقيام بـ«وقفة تضامنية مع الجولان»، ردَّاً على اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيادة الإسرائيلية عليه، حيث وزعوا لافتات وأقلاماً على الطلبة، الذين كتبوا عليها كما أملى عليهم مدراء الوحدات والعناصر، مستخدمين جملاً مثل: «الجولان عربي سوري وإعلان ترامب باطل»، أو «سورية الأسد لن تركع والجولان لنا»، و«لا تنازل عن المبادئ ولا تفريط بالحقوق في سوريا الأسد». وبعدها بعدِّة أيام تكرَّر الموقف ذاته، إذ تم إجبار الطلبة الجامعيين على القيام بوقفة تضامنية للغرض ذاته أمام مركز الأمم المتَّحدة بدمشق.

هذه التصرفات ليست جديدة على كل حال، فجميع المسيرات المؤيدة للنظام كانت تخرج بطريقة مشابهة، حيث كان طلاب المدارس والجامعات من جميع أنحاء العاصمة يساقون إلى الساحات العامة لترديد شعارات لا تعني لهم شيئاً، ولكن الذي تغير هو ازدياد العنف المصاحب لعمليات السوق تلك، من خلال تهديد الطلاب وإخافتهم، والمهانة الكبيرة التي تعرضوا لها، والمدة الطويلة التي قضوها في «مسابقة» كرتونية سخيفة، ستفوز فيها ابنة ماهر الأسد بالمركزين الأول والثاني في الوقت ذاته، وستُنشر صورها على نطاق واسع مرفقة بجمل الإدانة والاستهزاء.

هذه هي سوريا اليوم من الداخل. «الاستقرار» هو قدرة البشر على تحمل على المذلة والفاقة. «السيادة» هي لافتات كرتونية يرفعها المقهورون الذين لا يستطيعون فتح أفواههم بأي اعتراض. «الانتصار» هو الرقص والتطبيل بعد الخسارة، هذه الخسارة التي تلحق بالجميع، وتترسخ أكثر من خلال حذائيّ فتاة مدللة في القصر، يدوسان على المركز الأول والثاني في منافسة يغيب عنها الخصوم، رافعة اسم الأسد فوق حطام الجميع.