كومبيوتر أبي العباس

 

أكتشف هذه السنة، من خلال ذكرياتي على فيسبوك، أن نعمان عبدو و«أبو الصبر درويش» قد رحلا في اليوم نفسه. في الواقع ليس هذا فقط ما يجمعهما، وليس فقط المنبت السلموني. كان أبو الصبر آخر من تعرّفت إليه بين أفراد أسرته، وفي مرضه لم يكن صعباً اكتشاف ذلك الجَلَد العظيم في شخصيته، إلى درجة أن كل من يحيط به يأمل بنجاته من مرض السرطان كما فعل من قبل. صورة أبو الصبر وهو مريض تشبه صورته التي شاهدتها قبل المرض، بعض النحول لم يمحُ ملامح الجسد الرياضي العارم. على أية حال، لم تكن قد صارت بعيدة تجربة اعتقاله في إدلب، ومن ثم تحريره من قبل الثوار الذين سيطروا على المدينة وحرروا المعتقلين. سألوا أبو الصبر عما يريده عندما تم التحرير فطلب أن يأتوه بالعرَق، وأتوا له بنصيّة من العرق. لم تكن إدلب قد أصبحت بعد إمارة للجولاني.

تعرفت إلى نعمان أثناء الثورة أيضاً، وكنت أيام دراستي الجامعية أسمع به وقتَ كان معتقلاً. ربما فاجأني قليلاً بجديته وصرامته، كان مع الثورة بسلبياتها قبل إيجابياتها، ومع الخيار العسكري تحديداً، وكان قد تواصل مع أكثر من قائد عسكري للقتال، لكن كان يُطلب منه الانضمام مع سلاحه لعدم توفر أسلحة فائضة. في الجانب الشخصي كان كتوماً، وكان خجولاً وأنا أمازحه عن غرامه بفلسطينية كندية حين كنت أنشئ له حساباً على سكايب للتواصل معها. كان نعمان في صدد تثبيت عقد قرانه عليها في دمشق عندما اختفى، ترك وراءه الحبيبة وكندا ذاهباً إلى مخيم اليرموك ليقاتل ويستشهد هناك. آخر مرة سمعت فيها صوت نعمان لم أميزه حينها، كنت أتحدث إلى صديق في مخيم اليرموك فسمعت شخصاً إلى جواره ثم قال لي ذلك الصديق: لك تحيات من «أبو علي الحموي» وهو جالس معي. قلت له: تقصد أبو علي السلموني؟ قال لي: لا.. أبو علي الحموي. سيخرج ذلك الصديق ليخبرني بقطع رجل نعمان بعد تفاقم مرضه بها، لأنها في الأصل مصابة منذ قتاله القديم مع المقاومة الفلسطينية في لبنان.

سيذكّرني فايسبوك بعدها بالذكرى الرابعة لاختطاف سميرة ورزان ووائل وناظم، من قبل جيش الإسلام في الغوطة. أمرٌ ما يُبقي رزان في ذاكرتي كامرأة نحيلة، جادة، وربما منطوية على ذاتها قليلاً. هذه هي الصورة التي تشكلت لدي عنها في ربيع 2004، حينها كنا ضمن مجموعة في الجزيرة تضامناً مع الانتفاضة الكردية. رزان لم تهدر وقتها في النقاشات السياسية، كانت في العديد من الجولات ممسكة بأوراقها وقلمها لتوثق أسماء الضحايا، وأماكن إصابة المصابين أثناء التظاهرات. كانت حديثة الزواج آنذاك، ولم يكن هذا سبب الاهتمام والتقدير اللذين يبديهما زوجها وائل تجاهها، تعابير وجهه كانت تكشف عن تقدير صادق أصيل.

مناسبة ذلك اللقاء ستذكّرني بالصديق مشعل تمو الذي كان بمثابة دينامو له. لا أدري لماذا يبقى من الأصدقاء ذكريات غريبة بعض الشيء! فمثلاً مع مشعل أتذكر ملمس يده الدافئ في مصافحة الوداع الذي لم أره بعده، حدث ذلك في عام 2008 إذ صادفته بالقرب من فندق فورسيزن في الشام، مشينا معاً حتى شارع العابد حيث كنت ذاهباً إلى موعد في مقهى الروضة. حاولت انتزاع موعد لرؤيته لاحقاً، لكنه أصرّ على أننا لن نلتقي فيما بعد لأنه سيُعتقل، وقال أنه جاهز الآن فقط لنشرب القهوة معاً. لم آخذ كلامه بحذافيره على محمل الجد رغم معرفتي بأنه مهدد بالاعتقال في أي وقت، فاعتذرت بسبب موعدي وأصررت على أننا سنلتقي قريباً. سيُعتقل مشعل كما وعدني! وسأشعر بالذنب لأنني لم أضحِّ بموعدي لأشرب معه فنجان قهوة أخير. قبل أشهر دعيت لإلقاء كلمة في مناسبة استشهاده فوافقت، لكنني كنت أجبن من إلقائها ومن الاعتذار عنها أيضاً.

ثمة موعد معلّق أيضاً بيني وبين سميرة الخليل؛ كان آخر تواصل بيننا يوم هنأتني بقدوم طفلتي وحمّلتني قبلات كثيرة لها؛ أجبتها بأنني لن أوصل قبلاتها لأنها ستحمل دفا بيديها وتقبّلها عندما نلتقي قريباً. عُمْر دفا أكبر من اختطاف سميرة بشهر وأسبوع، ليس هذا ما يجمعهما على بروفايلي كصورة وغلاف له. ستسألني دفا عمّن ستكون صاحبة الصورة على غلاف الكتاب الذي طُبعت فيه بعض منشورات سميرة على صفحتها، أجيبها بأن اسمها سميرة وأنها صديقتي، يخطر لي أن ألتقط لها صورة وهي ممسكة بالكتاب، لكنني أستبعد الفكرة، أقول لنفسي أنني أريد صورة حقيقية أكثر. لا أريد لسميرة أن تكون صورة، ومرة قلت لياسين: إنني أتوق إلى اللحظة التي سأنزع فيها صورتها عن غلاف صفحتي. أثناء فترة وجودها في الغوطة كانت صفحة سميرة من الصفحات المعدودة التي أحرص على متابعتها دائماً، بالأحرى هما صفحتان أكثر من غيرهما؛ صفحة سميرة وصفحة الـ «عميم» فائق المير، الذي اعتُقل في كمين للنظام قبل اختطاف سميرة بشهرين. العميم كان كثير التنقل ومصدراً لمعلومات ميدانية، أو لتصحيح معلومات متداولة، أما صفحة سميرة فكنت أرى فيها ذلك النبض الإنساني الهادئ والمنسي أثناء الحرب. صفحة سميرة تشبهها تماماً، فوسط صخبنا في المناسبات التي جمعتنا كانت ذات الحضور الهادئ الذي لا يحتاج إلى إعلان أو إثبات. ربما بسبب نوعية الحضور هذا نكاد لا نعثر على تعريف بها متداول يتجاوز كونها معتقلة سابقة، وكأنها استقالت من الهم العام فيما بعد تجربة الاعتقال، ولا يُذكر في سيرتها مثلاً أنها كانت ناشطة في لجان إحياء المجتمع المدني لما كانت الأخيرة النشاط المنظم الوحيد للمعارضة في سوريا.

سأسُرّ بأن صفحة العميم قد أُغلقت من قبل ناشطين بعد اعتقاله فوراً، كنت قد تحدثت إليه من خلالها قبل ساعات قليلة، وكان ذلك الحديث المكتوب يجب أن يبقى طي الكتمان من أجله، مثل محادثات أخرى ربما لم يتسنَّ له الوقت لمحوها. كعادته، كان العميم في تلك المحادثة عملياً، واضحاً، حازماً، بينما كنت عاطفياً وحزيناً، ولكسر تلك المفارقة اعتذر مني بين الجد والمزاح بأن هناك سيدة جميلة تنتظر محادثته، وأجبته بأنني أغبطه على تلك الحسناء التي ستحادثه بعد الثانية ليلاً.

بعد اعتقال العميم واختطاف سميرة اقتصرت صلتي بالغوطة على الرائد أبي العباس، أبو العباس كان لا يزال يشغل موقعاً مهماً في الميدان، قبل أن تكتسح إمارة زهران علوش الجميع. كنا نتواصل على السكايب، وكان يتصل بي أحياناً على الشبكة المحلية، لأنه ببساطة لا يملك خطاً فضائياً على غرار قادة جيش الإسلام. كان يُخجلني بمناداتي «سِيْدي عمر»، بينما أناديه بلا تكلف «أبو العباس». وكنت أحتار بين أن يكون لاستخدام كلمة «سيدي» سبب يرجع إلى خدمته العسكرية السابقة أو أن يكون لها سبب ديني يتعلق باسمي الأول، لكنه عندما جمعني على السكايب في محادثة ضمت قائدين آخرين في الغوطة لاحظت أنها يستخدمها تواضعاً مع الجميع. على أية حال، قطعاً لأي شك، كان أبو العباس قد طلب مني عدم تغيير صورتي على السكايب كي يسهل عليه العثور على اسمي، الصورة التي احتضن بها زوجتي، فبالنسبة له كنت الوحيد على قائمته الذي يحتضن امرأة. مرة تأخر أبو العباس عن موعدنا على السكايب، واعتذر بصوت أجش يكابر على الألم؛ كان مع مجموعته قد حاول اقتحام المطاحن في معركة المطاحن الشهيرة، والتي أوقعته مع مجموعته بين مصاب وشهيد. كنا ننسق كي أغادر إلى الغوطة فأوصاني بأن أجلب له جهاز كومبيوتر لأن جهازه قديم ولم يعد يصلح للبرامج المتطورة الجديدة. بقيت محتفظاً بالكومبيوتر بلا استخدام بوصفه كومبيوتر «أبو العباس»، حتى اصطحبته معي عندما غادرت إلى لبنان ويئست من إيصاله إلى الغوطة. سيتهكّر حساب أبو العباس على السكايب فيما بعد، إثر إرساله رابطاً يحتوي على أسماء متعاملين مع النظام في الغوطة، ولن أعرف شيئاً عن أخباره.

كذلك ستنقطع صلتي بناشط إعلامي كنت قد تعرّفت عليه افتراضياً عبر شبكة من العلاقات، كان يُفترض بي أن أكون وسيطاً بينه وبين شخص آخر في بيروت. موجز القصة أن ذلك الناشط كان سيوصل لي قرصين DVD من اشتغاله، ربما على معارك الغوطة، وربما على ما يتعلق بحصارها، الشخص الذي عرّفني به أوصاني باستلام القرصين ودفع مبلغ خمسة آلف ليرة للشاب الناشط، وهو كما سأعلم لاحقاً طالب جامعي منعته ظروف الحصار من إتمام دراسته. خلال تواصلنا اكتشفت أن الشاب مستعجل لإيصال القرصين وقبض مبلغ عشرة آلاف ليرة كان قد وُعِد بها، ولما ذكرت له للتدقيق أن صاحبه أوصاني بدفع مبلغ خمسة آلاف فقط أحسست بخيبته، فسارعت إلى التصحيح بأنني ربما فهمت الأمر خطأ وكانت الخمسة آلاف مقابل كل قرص. طبعاً كان في وسعي بعد المحادثة تقدير قيمة محتويات قرصين، ومعرفة حجم هذه التجارة مع وكالات الأنباء في مركزها في بيروت، فقررت دفع المبلغ كاملاً للشاب مع التنصل من إيصال القرصين بذريعة خطورة استلامها وأنا مقيم في مناطق النظام، لكن لم تكن تنقصه النباهة والكبرياء فأفسد محاولتي، وفي المقابل دعاني بكرم واضح لا يتناسب مع حصار التجويع إلى عشاء في الغوطة حالما تمكنت من العبور إلى هناك.

وسط هذه التداعيات أتذكّر، قبل أن يذكّرني فايسبوك، أن أربعة أيام تفصلنا عن الذكرى الخامسة لاعتقال علي الشهابي. آخر مرة قابلت علي فيها كانت في صيف 2010. كنت برفقة بعض الأصدقاء في أحد مطاعم باب شرقي، وكان برفقة اثنين من أصدقائه في القاعة نفسها من المطعم الذي لم أعد أتذكر اسمه. مع نهاية سهرتهم توقف عندنا لتحيتي، ومن يعرف علي يعرف أن هذه التحية قد تطول، وقد تعني سهرة أخرى إضافية، وفي مثل هذه الحالات لن تنقضي السهرة قبل وقوف العاملين في المطعم وهم ينظرون إلينا بتململ لأنهم يريدون إغلاق المطعم والانصراف. بالطبع كانت هذه الاستطالة تعني الخوض في حديث علي المفضّل، أي السياسة، وفي توقيت لا يبشّر بأي تغيير سياسي على الإطلاق، ففي صيف عام 2010 كان المناخ العام يوحي بأن البلد عادت مرغمة إلى سبات قسري قد يطول. ربما قلت شيئاً من هذا القبيل لعلي حينذاك، وتفهَّم يأسي من دون أن يوافقني الرأي تماماً. على أية حال، كنت أحب المطعم الذي تصادفنا فيه، أحاول تذكّر اسمه وأفشل.

لم يكن هناك من سبب مباشر -باستثناء إشعار على فايسبوك- كي تتشابك هذه التداعيات وأولئك الأصدقاء في رأسي، ومن دون سبب وجيه أقرر كتابتها بلا توقف عند الاعتبارات الفنية، بلا تزويق من أي نوع، وبتقشّف عاطفي. ربما أردت كتابة ملاحظات سريعة، أستطيع الرجوع إليها لتذكّرني بتفاصيل أخرى. أشعر أحياناً وكأن ذاكرتي تُقصف بالصواريخ أو البراميل، ليتبقى فيها حطام بشر وأماكن، وكأن عليّ حينها أن ألملم الأشلاء، أن أعيدها إلى أصلها، إلى كائنات من لحم ودم. مع ذلك توقفت وتلكأت أثناء الكتابة؛ أحس أن في الكتابة قيدٌ ما، قيد سيمنعني من تخيّل النهاية التي أحبها، النهاية التي أذهب فيها إلى الشام وأرى سميرة و«العميم» وعلي، وأتناول العشاء في «بيت سوى»، وأقابل «أبو العباس» لأعيد له كمبيوتره، الكومبيوتر الذي أستخدمه الآن في كتابة هذه السطور.