كيفية عمل الواحد

 

«أنا فين؟ أنا مين؟ أنا كام؟»

لم أجد مصدراً لهذه الصيغة الهزلية - والتي يُفترض أن يقولها من أفاق من إغماء طويل - سوى في بيتنا وعلى لسان أمي، وعلى قدر ما أضحكني السؤالان الأولان فيها، فلم يتحمّل عقلي الصغير آنذاك، ولا حس الدعابة لديّ، الغرابة الكامنة في السؤال الثالث: هل يمكن للإنسان أن يسأل عن عدده؟

يحفظ الأطفال الأرقام من واحد إلى عشرة بترتيبها التصاعدي هذا، غير أن هذا ربما لم يكن الترتيب الذي اكتشف به الأقدمون فكرة العدّ، فلو وضعنا أنفسنا مكانهم، لاكتشفنا أنه ما من ضرورة عاجلة للتفكير في الرقم «واحد»، إذ لن يحتاج من يملك جاموسة لتعدادها بالقول إنها «واحدة». كلمة «جاموسة» وحدها تكفيه هنا. الواحد أكثر بديهية من أن يُلاحَظ. 

أفترض بالتالي أن رحلة البشر مع العدّ بدأت تصاعدياً من الثلاثة إلى العشرة، قبل اكتشافهم أن الزوج من الأشياء قد يحتاج رقماً، فيُعاودون النزول إلى الأسفل مقترحين كلمة «اثنين»، ثم يلتفتون للقيمة العددية الكامنة في المفرد، فيشتقون الرقم «أحد» أو «واحد».

في فترات لاحقة، سيمعن البشر في الغوص ليكتشفوا لنا الصفر ثم الترقيم بالسالب، ولكن هذا ليس موضوعنا الآن.

ربما لبداهته المطلقة هذه، يؤدي «الواحد» في اللغات الأوروبية دوراً أساسياً في التنكير، حتى تُشتق منه أدوات التنكير هناك بشكل مباشر. ومع خلوّ العربية من أدوات مقابلة، يتطوّع «الواحد» بتأدية هذه المهمة الإضافية بنفسه، إذ عندما يقال مثلاً «أحدهم» أو «أحد الناس» أو «واحد من الناس»، يُفهَم على الفور أنْ لا حاجة لتحديد الشخص، وعندما نقول في بعض اللهجات العربية «واحد» أو «واحدة»، دون الاعتناء بذكر المعدود، يكون قصدنا في الأغلب الأعم رجلاً أو امرأة قد يقوم مقامهما أي رجل أو امرأة آخرين.

يُستعمل الواحد أيضاً دون معدوده، في التركيب البذيء «نعمل واحد»، ويُجمَع على «وحايد»، كأنه اسم مرَّة محدّد بدقة لـ«نَيْكة واحدة»، ويلفت انتباهي كيف يُستعاض عن اللفظ القبيح فيه بكلمة «واحد» شديدة الشيوع والبراءة، والتي سرعان ما ستتحوّل بدورها، وفي هذا الاستخدام حصراً، إلى تعبير دال على عدم اللياقة، ويناسب الرعاع والمتشبّهين بهم، لا الطبقة الوسطى الأنيقة التي تقول «نعمل سكس». 

* * * * *

تُختصر كلمة «واحد» في لهجات الشام إلى «حدَا» أو «حدَن»، فيما تُختصر في مصر إلى «حَدّ»، وبمعنى آخر تماماً، وتعبيراً عن المبالغة، نقول في مصر «لحدّ»، أي «لغاية»، في تنويع على «الحدّ» بمعنى «الفاصل»، كما يرد في عبارة حب كْليشيهية من عينة «أحبك حدَّ الوجع»، والتي لفت انتباهي دائماً كيف يمكنها أن تقال «أحبك حتى الوجع».

كما يعرف الجميع، يقال إن سيبويه مات وفي نفسه «شيءٌ من حتى»، التي تُعرض بوصفها أداة الربط الأكثر التباساً بين كل أدوات الربط الأخرى، ويُختصر تعقيدها في مثال نحوي شهير ومحيّر: «أكلت السمكة حتى ذيلها»، ويمكن فيه نصب «ذيلِها» أو رفعه أو جره، تبعاً لاختلاف معاني «حتى».

لندع جانباً قدرة «حتى» على الرفع والنصب، ولنتأمل معنيَيها الأساسيين: معنى «إلى» ومعنى «بل أيضاً». الأول يعني أنني أكلت السمكة إلى أن وصلت لحدود الذيل فلم آكله، والذيل هنا مجرور طبعاً، والثاني يعني أني أكلتها، بل - وتأكيداً على هذا - وصلت لحد أكل الذيل أيضاً. في كل من هذين المعنيين المتناقضين نجد أثراً من فكرة الحدود: واحد يشير للتوقف قبل الوصول إليها، والثاني يشير لانتهاكها والإيغال فيها. 

أما بخصوص قدرة «حتى» على نصب «الذيل» ورفعه، فتخميني ببساطة أن ثمة فهمَين مختلفين هنا لما هو غير منطوق في الجملة، إن كان الذيل مفعولاً به كما في «أكلت السمكة بل وأكلت ذيلَها أيضاً»، أم أنه مبتدأ كما في «أكلت السمكة، وذيلُها أيضاً أكلته». 

* * * * *

لو وقع بصرنا على كلمة «حديد» اليوم فلن نفكر إلا في المعادن والفلزات، وصحيح أن الكلمة وردت في القرآن بهذا المعنى فعلاً، ولكن أيضاً مع معنى آخر أبسط بكثير: {فَكَشَفنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَدِيدٌ} أي حاد. 

ومن المنطقي أن تكون «الحدّة»، أي القدرة على القطع، مشتقة من «الحدّ»، سواء كان حد السكين أو حدود البلد أو حتى حدود الله، وقد تحوّلت في العقود السابقة، ولأسباب سياسية معروفة، تصورات الكثيرين عن «حدود الله» من كونها مجرد خطوط فاصلة، مثل «حد الله ما بيني وبينك» أو «بيني وبين الحرام»، إلى تصورات تتعلّق بقطع الأيدي والرقاب، أي عودة لحدّ السكين مرة أخرى، حتى أن صوتاً كصوت المقصلة هو ما يرنّ الآن عندما نسمع عن «إقامة الحد على فلان»، كأن المعنيين انطبقا على بعض في أدمغتنا من جديد.

يتمتّع جذر «حد» بوفرة من الجيران الذين يشابهونه، سواء في مبناه أو معناه، فمن ناحية هناك «الحتّ»، وهو القَطع، وتُشتق منه «الحتة» المصرية أي القطعة؛ وهناك «الخط» والذي تنتج عنه الخُطة وربما الخطوة - بافتراض سيرنا كبشر في خطوط مستقيمة - ومن ناحية ثالثة فهناك «الخد»، وهو الحَفر، ومنه الأخدود، وكان أستاذ للجغرافيا، و ليس للغة العربية، هو من ربط لنا كلمة «الأخدود» بـ«خدِّ الوجه»، الذي يفصل بينه وبين الرقبة شق غائر.

من هنا، وسيراً على الفرضية المعروضة في الأول، أبدأ في فهم كيف أن العرب، بعد أن فرغوا من تعيين الأرقام الأساسية، وبعد أن عيّنوا للزوج من الأشياء رقم «اثنين»، نظروا إلى الشيء الواحد، القطعة المحاطة بـ«قَطْعين»، «الحتة» المحاطة بـ«حدَّين»، ليفكروا أخيراً في الرقم «أحد» للدلالة عليها: واحد حاد ومحدّد أخيراً، متجانس كل التجانس في داخله، متمايز كل التمايز عما بخارجه.