كيف سينتهي خلاف «تحرير الشام» و«حراس الدين»؟

 

أدى الاتفاق الذي تم توقيعه يوم الجمعة الماضي، الثامن من شباط 2019، بين تنظيم هيئة تحرير الشام وتنظيم حراس الدين، إلى تراجع التوتر بين الطرفين، وذلك بعد الاشتباكات التي دارت بينهما في تل حدية بريف حلب الجنوبي يوم الخميس الماضي. وقد اتفق الطرفان على وقف التصعيد المتبادل وعلى تنسيق العمل بينهما في المنطقة، وهو ما أفضى إلى إيقاف الاشتباكات، قبل أن تتوسع إلى مناطق انتشار تنظيم حراس الدين الأخرى في ريفي إدلب الجنوبي والغربي وجبال الساحل.

وكان الخلاف بين الحراس والهيئة قد صعد خلال الأسابيع الماضية إلى السطح، بعد بيان أصدره أواخر الشهر الماضي كل من أبو همام الشامي القائد العام لحراس الدين وسامي العريدي شرعي التنظيم، ينتقدان فيه موقف الهيئة من العلاقة مع تركيا، ورغبتها في إقامة غرفة عمليات موحدة تضم شخصيات من الجيش الحر، حسب ما ذكر البيان، الذي طالب الهيئة أيضاً بإعادة أسلحة تنظيم حراس الدين، التي اعتبر البيان أنها من حق التنظيم، وأنه كان على هيئة تحرير الشام تسليمها لمجموعاته بعد «انشقاق الجولاني»، حسب تعبير البيان.

أما الانشقاق الذي يتحدث عنه البيان، فهو انفصال هيئة تحرير الشام بزعامة أبي محمد الجولاني عن تنظيم القاعدة، الذي رفضته شخصيات جهادية عديدة، من بينها العريدي وأبو همام الشامي، اللذين قادا مع عدد من الشخصيات الجهادية تأسيس تنظيم حراس الدين أواخر العام 2017 رداً على خطوة الجولاني تلك، ليتم الإعلان رسمياً عن قيام تنظيم حراس الدين المبايع للقاعدة في ربيع عام 2018.

ويرى منظرو تنظيم حراس الدين وجوب البقاء على «البيعة» لتنظيم القاعدة، فيما يرى منظرو الهيئة الداعمون للجولاني، مثل الزبير الغزي وعبد الرحمن عطون، أن قرار الانفصال عن القاعدة مبنيٌ على أسس «شرعية» سليمة. لكن هذه الخلافات ليست هي العامل الرئيسي في تصاعد الصدام اليوم، لأنها لم تمنع الطرفين من العمل معاً خلال العام الماضي، بالإضافة إلى أن تنظيم «حراس الدين» فضّل منذ لحظة تأسيسه التركيز على العمل العسكري، وعدم مجابهة الهيئة ومنافستها على ما تملكه من سلطة على المجتمعات المحلية والمؤسسات والهيئات التابعة لها، أو المرتبطة بها مثل حكومة الإنقاذ. وقد شكّل تنظيم الحراس تحالفات عسكرية مع مجموعات جهادية موجودة في جبال الساحل، وقام بإنشاء غرف عمليات مشتركة معها على خطوط التماس مع قوات النظام السوري، لتبقى الهيمنة للهيئة رغم الخلافات الصغيرة أو الاشتباكات المتفرقة بين الحين والآخر.

جاء التصاعد الكبير للخلاف بين الطرفين مؤخراً، بعد رفض تنظيم حراس الدين اتفاق سوتشي في بيان نشره على وسائل التواصل ومعرفات تلغرام تتبع له، ما جعل التنظيمين على طرفي نقيض بخصوص التطورات الدولية المحيطة بإدلب. إذ على الرغم من أن الهيئة لم تصدر بياناً تعلن فيه موافقتها على مخرجات سوتشي صراحةً، إلا أنها تحاول تحاول التماشي مع هذا الاتفاق على الأرض، وتعمل على الهيمنة العسكرية على محافظة إدلب والأرياف المحيطة بها لتكون هي الطرف المنفّذ له، ليظهر حراس الدين بوصفه التنظيم الجهادي المارق الأكبر في هذه المنطقة، وهو ما جعله واجهة جديدة للتنظيمات الجهادية الأخرى الأصغر فيها.

وربما يشجع هذا الوضع الهيئة على القيام بعملية عسكرية للقضاء على تنظيم حراس الدين، الذي تعمّد في أكثر من مناسبة إعلان رفضه لكل الاتفاقات الدولية، بل إنه عمل على خرقها عدة مرات من خلال تشكيل غرفة عمليات «وحرض المؤمنين» لضرب قوات النظام، الأمر الذي حاولت الهيئة منعه في عدة مناسبات.

تسير هذه التطورات والأحداث كما هو ظاهر باتجاه صدام شبه حتمي بين الطرفين، ومع أن الغلبة العسكرية في صدام كهذا ستكون لصالحة «هيئة تحرير الشام»، نتيجة تفوقها في أعداد المقاتلين والقدرات العسكرية، إلا أن تنظيم الحراس يضمّ قوات عسكرية كانت تعتبر من قوات النخبة في الهيئة قبل انشقاقها، من بينها «جيش البادية» و«جيش الملاحم»، ما يعني أن أي صدام عسكري واسع بينهما لن ينتهي قبل إلحاق ضرر كبير بالهيئة.

لكن بالمقابل، فإن النظر في محدودية الاشتباكات بين الطرفين على الأرض، التي لم يحصل أن توسعت إلى حد كبير كما هي العادة في الصدامات بين الفصائل المختلفة، يدفع إلى القول إن هذه الاشتباكات لا تعدو كونها مناورات من الطرفين، تستفيد الهيئة منها في إبعاد صفة الإرهاب عن نفسها، عبر الظهور بمظهر التنظيم المناوئ للجماعات الجهادية، بينما يظهر تنظيم الحراس فيها بوصفه الحارس الحقيقي لمدرسة تنظيم القاعدة التقليدية، الأمر الذي سيجلب مزيداً من المهاجرين إلى صفوفه، سواء من مقاتلي الهيئة أو من المقاتلين الأجانب الذين تركوا القتال إلى جانب التنظيمات الجهادية في إدلب، نتيجة الخلافات والتصدعات التي لحقت بها خلال السنوات الماضية.

ستعطي تطورات الأيام المقبلة مؤشراً على المدى الذي سيذهب إليه الطرفان في صدامهما، وإذا كان واضحاً أن الطرفان يسعيان إلى تجنب الصدام الشامل، إلا أن تصاعد الضغوط الروسية، عبر الإعلان المتكرر عن أن اتفاق سوتشي ليس إلا اتفاقاً مؤقتاً، والاتهام المتكرر لتركيا بأنها لم تنجح في تنفيذ تعهداتها التي ينص عليها الاتفاق فيما يخص تفكيك الجماعة الجهادية، قد يدفع الهيئة إلى خيار المواجهة الشاملة مع الحراس تنفيذاً للاتفاق، وهو الأمر الذي سيكون السبيل الأخير أمامها للحفاظ على وجودها ومكتسباتها.