كيف صارت الظلال وجوهاً

إلى مليحة في الخمار الأسود...

تروي أمّي قصصاً كثيرة عن أيام فطامي، قصصاً  لا نزال نضحك عليها حتى تدمع أعيننا. يقولون إنها وضعت عدّة مواد على صدرها كي تساعدني على الفطام، حتى أنها وضعت تراباً وفلفلاً، لكن هذا لم ينجح لأنني كنت استمرّ بإصرار وعناد. كان فطامي صعباً، وقد تطلّب تدخّل العائلة بأكملها.

على عكس فطامي الأول، الذي كنت فيه رضيعة تريد أن تبقى في حضن أمها، كان فطامي الثاني أكثر سهولة ومتعة. كنت سعيدة أثناء خوض تجاربي الأولى في مواجهة الحياة بمفردي، وكثيراً ما سعيتُ لدخول عوالم المجهول وحيدة، قاصدة الابتعاد عن دائرة الأمان الصغيرة، ومعتقدة أنني بهذا الابتعاد كنت أكتشف العالم.

أدركت متأخرةً أن ذلك لم يكن خروجاً إلى العالم، ولا ابتعاداً حقيقياً عن دوائر الأمان. كنت في نهاية المطاف أعيش ضمن فقاعة، لا تشبه غيرها من الفقاعات الكثيرة التي تشكّل البلد الذي نشأت فيه، لكنني لم أدرك أنني كنت ضمن فقاعة واحدة، حتى دفعتني الحياة حقاً إلى خارجها.

لون واحد

ليس التنوّع الديني والطائفيّ من سمات المنطقة التي نشأت فيها، فجميع قاطني قريتي والقرى المجاورة لها ينحدرون من الطائفة نفسها، رغم تنوع أفكارهم وعلاقتهم بالدين والسياسة.

في طفولتي، كنت أرى أحياناً بعض النساء الشابات يضعن غطاءً أبيض اللون على رؤوسهن. وكان السؤال الأول الذي يسيطر على تفكيري عند رؤيتهنّ يتمحور حول العمر، فغطاء الرأس للجدّات المسنّات ذوات الشعر الأبيض، يضعنه شتاءً على رؤوسهنّ ليقيهنّ من البردّ، فلماذا ترغب تلك النسوة الشابات بعيش مرحلة الشيخوخة مبكراً؟!

ذات زيارة لي إلى منزل خالتي في مدينة حمص، وأعتقد أنني كنت في الحادية عشر من عمري حينها، جاءت جاراتها وبناتهنّ. كانت أجواء من المرح تدور بين الجارات وأمي وخالاتي، كنّ يقمن بإعداد التبولة، عندما دخل زوج خالتي إلى المنزل محضراً قائمة الخضار ومتطلبات أخرى تلبيةً لرغبة «ست البيت». عندها فوجئت برؤية بعض النساء مرتبكات، يبحثن عن غطائهنّ ويسرعن في وضعه على الرأس، غير مهتمّات بتطاير البقدونس على شعرهنّ أو في أرجاء الغرفة! لم أفهم مالذي حدث، وما زاد استغرابي أن الارتباك بدا على زوج خالتي أيضاً، وما كان منه إلا أنه اعتذر وغادر المنزل مسرعاً.

كانت تلك الحادثة مصدراً لأولى الانطباعات التي علقت في ذاكرتي عن عالم المحجبات، وبعدها تراكمت الانطباعات والمعلومات بشكل عشوائي وعفوي مع مرور الأيام وتزايد العلاقات الاجتماعية. لكنها لم تكن مبنية على صلات مباشرة، سيما أنه ليس في منطقتنا ولا في مدارسها مسلمون ولا مسلمات، بل كان مصدرها أحاديث متفرقة كانت تدور حولي.

في مرحلة المراهقة، كنت أسمع من بعض أقاربي الذين يقيمون في حمص أو دمشق أو غيرها من المدن، والذين هم على تواصل مباشر مع مسلمين، قصصاً تقول إننا عالمان منفصلان، وإننا لا نتشابه، ومن المفضّل أن نبتعد عن إقامة علاقات معهم، لا سيما علاقات ارتباط أو زواج. ولكن، رغم هذا، لم يكن عالم المحجبات يتطابق في ذهني مع عالم المسلمين، فهناك صداقات جمعت أهلي مع عائلات مسلمة، أغلبها عائلات من خلفيات علمانية أو شيوعية، نساؤها غير محجبات، ولا يختلف أسلوب حياتهم اليومي، ولا صداقاتهم وعلاقاتهم فيما بينهم عما كنّا نعيشه في منطقتنا.

تتلخص الانطباعات التي كانت وقتها في ذهني عن عالم المحجبات في أنه عالم مغلق، يسوده فصل حاد بين الذكور والإناث، تعيش النساء فيه ضمن عوالم خاصة لا تظهر إلى العلن، ويُعتبر الاختلاط فيه أمراً مُعيباً، ومن غير المرغوب ولا المسموح أن تقول المرأة في ما تشاء، أو أن تعبّر عن رأيها. كانت تلك تصوراتي حول وجوه اختلافه الرئيسي عن عالمي الذي نشأتُ فيه.

في أيام الجامعة، كانت تجربتي مع محجبات كثيرات تدعو للارتباك، وحتى الإزعاج أحياناً. بعض المحجبات كُنّ ينظرن إليّ نظرة استنكارية عندما يعلمنَ أنني من عائلة مسيحية، ويسألنني بطريقة غريبة عن معتقداتي الدينية والطقوس التي يمارسها المسيحيون في أعيادهم. ومن بين ما أذكره جيداً، وأضحك كلما مرّ في ذاكرتي، سؤال إحداهنّ: «إنتو برمضان ما بتصومو!! كيف بتقولوا إنو عندكن صيام وإنتو ما بتصومو رمضان؟».

لا يعني هذا أنه لم يكن لدي زميلات محجبات أتبادل معهن الودّ، ونتشارك معاً ساعات الدراسة، لكن جداراً سميكاً كان يرتفع بيني وبينهنّ. لم أكن قد خرجت من فقاعتي بعد، ومعظم المحجبات اللواتي التقيتهنّ في الجامعة كُنَّ قادمات حديثاً من فقاعاتهن أيضاً.

لونان  

أعود مجدداً إلى طفولتي، وبالتحديد إلى زيارة صيفية كنت أقضيها في منزل أقاربي في أحد أحياء حمص. من الطابق الثالث نظرت إلى الشارع، ورأيت كتلة سوداء تمشي، خفت وسألت أمي عن هذا الكائن الغريب الأسود الكبير. حينها سمعت كلمة «نقاب»  للمرة الأولى، وبتّ أعرف أن هناك امرأة تحت هذا النقاب، ترتدي السواد لأسباب دينية.

ماذا يوجد تحت هذا النقاب؟ هل هي صبية جميلة، امرأة مسنّة، أمٌّ حنونة يضيء وجهها، سيدة قبيحة!!  كنت أرى كتلاً سوداء مجهولة ومقفلة، أخاف منها وأتجنبّ الاقتراب من سوادها. كان خوفاً من عالم مجهول، وقد ساهمت في رسم معالمه مسلسلات تلفزيونية عرضت أنماط حياة المنقبات التي تختلف عن حياتي اليومية، حيث لا يُسمح  للأخت أن تجلس في وجود زوج أختها دون غطاء على الرأس، ومن غير اللائق، لا بل من المحرّمات أن يزور ولدٌ صديقته في منزل أهلها زيارة عادية ليس من ورائها أيّ غايات سوى الصداقة.

في حرّ الصيف الدمشقيّ، عندما كنت ألمح إحدى المنقبات مصادفةً وهي غارقة في سوادها، كنت أسأل نفسي: هل تتنفّس؟ كيف تتنفّس؟ وسوى ذلك، لم تُثر المنقبات لديّ أي رغبة أو فضول للدخول بعمق إلى عالمهنّ. لقد كان عالمَ الآخرين، ولا رغبة عندي أن أعرف عنه الكثير.

كانت النساء المنقبات بالنسبة لي ظلالاً لا أكثر.

إلى أن جاء خريف عام 2017، وكان عمري قد تجاوز الثلاثين. في مدينة إزمير التركيّة، التقيت عُلا، وهي أول امرأة منقبة أتحدّث معها ويجمعنا عمل مشترك. بدأ الحديث متوتراً بيننا، فأنا لا أرى عيونها ولا أعرف إن كانت تنظر إليّ أو إلى أيّ مكان آخر، كنت  أتحدث مع شيء محجوب وكأنني لا أراها أمامي، بل يأتيني صوتها عبر آلة سوداء تجلس بقربيّ.

فليكن، سأتخيّل  أنني أجري معها مكالمة صوتية، هكذا حدثتُ نفسي لأهدأ وأبدأ عملي الذي لا بدّ من إنجازه في وقتٍ محدد، بدأتُ أوجه لها الأسئلة دون النظر إلى هذا الشيء الأسود الموجود بقربي، فهي ليست هنا بالنسبة لي أصلاً.

نواصل حديثنا، يتشعب ويصبح أكثر عمقاً وحساسيةً، تدهشني قوتها وشجاعتها. عُلا أنثى ثائرة بحقّ، قوية ومدهشة، أم لطفلين ولم تتجاوز الخامسة والعشرين بعد، مطلّقة، ولا معيل لها سوى الله كما قالت، اشتغلت بسبب حاجتها المادية بالـ «عتالة» وكانت تحمل أكياساً ثقيلة على ظهرها مدة 6 أشهر متواصلة، فهي لم تكمل تعليمها الدراسيّ ولا بدّ لها من قبول أي فرصة عمل متاحة لتعيل أسرتها الصغيرة، هكذا قالت لتجيبني على سؤالي الساذج: لماذا العتالة؟

زوبعة بدأت تدور في داخلي، هذا الشيء الأسود الذي خفت منه في صغري، هو كائن حيّ يشعر ويفكر ويتحدى ويحبّ!

يَرى، لكن لا يُرى.

في المكان الذي جمعني بـ علا جمع وفير من الناس، ومنقبات كثيرات. أريد أن أرحل من هنا وأقول وداعاً لتلك المرأة القوية التي لامست داخلي بشجاعتها وقصتها، ولكن أين هي وكيف لي أن أعرفها؟ لا بدّ أن الحيرة كانت واضحة على وجهي عندما سمعتُ نسوةً يضحكن، وأتى صوتٌ من إحداهنّ تضحك وتقول: هذه لعبتنا الدائمة فلا أحد يميزنا، «نحنا مندوّخ العالم إذا بدنا».

بعد أيام من العمل مع مجموعة من النساء المنقبات، بدأت أسمع أصواتاً أعرفها تلقي التحية عليَّ وتناديني باسمي، نساء يرتدين السواد يعرفن صوتي وشكلي وعيوني وما أرتديه وكيف أبدو، أما أنا فأحتفظ فقط بأصواتهن.

شعور بالمودّة جمعني بـ علا، كنت أؤجل كلّ أشغالي عندما أسمع صوتها ملقية التحيّة أو راغبةً في الكلام، وأعتقد أنه كان لديها فضول مشابه نحوي، فأنا بالنسبة لها جريئة، قوية، ولا أخاف الغرباء، أسافر بمفردي و«متعلّمة» كما قالت. طلبتُ منها أن تريني وجهها، فرفضت! ألححتُ، فاعتذرت بسبب تواجد مجموعة من الرجال في المكان نفسه، وأردفتْ: «وجهي مو حلو، بالغطا مرتاحة أكتر» ، أصررتُ عليها بحكم المودة التي جمعتنا، فوافقت، ورفعت عن وجهها القماش الأسود.

في تلك اللحظة تحول السواد صاحب الصوت الحيّ، إلى شخص يمكنني أن أعرفه وأصادقه. تحول السواد إلى وجه مضيء. كانت لحظة مؤثرة قطعت أنفاسي.

الأسود قد يعكس الألوان كلّها

اتفقنا عبر الموبايل على موعد، وفي المكان المحدد انتظرتها، جاءت امرأة منقبة ترتدي السواد، وسألتني اسمي، إنها عائشة التي انتظرها.

ذهبنا سوياً إلى بيتها، بسيط جداً، فقير جداً، لا يوجد فيه إلا أقلّ الأساسيات المتوفرة في كل منزل. قصة حياتها مليئة بالمآسي، ابتداءً من نزوحها المتكرر بسبب الحرب الدائرة في البلاد، مقتل أخيها ذبحاً على يد داعش، مرض زوجها المزمن، بُعدها عن أقاربها وأهلها، وفقر الحال، بالاضافة إلى كثير من التفاصيل والأحداث الموجعة في قصة حياة عائشة.

سألتها إن كانت تتعرض لمواقف مزعجة بسبب ارتداءها نقاباً، وهي تسكن في مدينة تركية ساحلية قلما تتواجد فيها نساء منقبات، أجابت ودمعة لمعت في عينها: يقولون عني وأنا أمشي في الطريق «داعش»، ويقصدون أنني أنتمي لداعش. هم لا يعلمون أن داعش ذبحت أعزّ إنسان على قلبي وأنا لست بداعشية ولا أمثل أي فكر يتبنّونه.

في كل مرة يقال لي إنني من داعش، أرى في مخيلتي مشهد ذبح أخي، أدمع وأتألم بصمت.

سألتُها إن كانت تفكر بتبديل النقاب بحجاب عاديّ دون تغطية الوجه، فأجابت أن عائلة زوجها ملتزمة دينياً، وكل النساء في العائلة منقبات. هي لم تكن منقبة قبل زواجها، بل كانت ترتدي حجاباً ملوناً كما أغلب نساء منطقتها في الحسكة، وبشيء من الغنج أضافت: «طالما حبيبي بيريدني إلبس نقاب رح ألبسه، وأتحمّل».

أمّا مروى، فهي طبيبة أطفال، تخرّجت مؤخراً من جامعة حلب وانضمت لزوجها المقيم في تركيا، دخلت الحدود التركية بطريقة غير شرعية بعد دفع مبلغ مالي كبير. وجهها أصفر شاحب وتحيط بعينيها هالات سوداء داكنة، قالت: «أنا لا أريد أن أنجب أطفالاَ يكبرون في بلاد لا دين لسكانها، لا أرغب مطلقاً بالذهاب إلى أوروبا، ولكنني أختار تركيا للعيش المؤقت، فهي بلد قريبة من سوريا وفيها أسمع الآذان يومياً، بلد مسلمة وناسها 'عندن دين'. سأبقى هنا حتى موعد الرجوع إلى حلب». وعندما سألتها إن كانت تتعرّض لمضايقات بسبب ارتدائها النقاب، أجابت بالنفيّ، أضافت: «أثناء وجودي في حلب كنت أتعرّض لمضايقات أكثر».

بدا واضحاً بالنسبة لي أن مروى لم تكن مرتاحة، كونها تجلس في مكان عام مع امرأة غير محجبة. لم تسألني عن سبب عدم ارتدائي للحجاب، لكنها كانت تنظر إليّ بطريقة غير مريحة. كان جدار سميك يفصل بيني وبين مروى، أفكارها وسلوكها وكلماتها، كلها كانت ترفع هذا الجدار عالياً، وكان واضحاً حينها أنني آتية من خارج مساحات الأمان التي اعتادت عليها.

سابقاً، كنتُ سأغضب لو أنني التقيت بسيدة مثل مروى، لكن شعوري وقتذاك كان شيئاً آخر غير الغضب. كان الشعور مزيجاً من الحذر والحيرة، لم أرغب في اقتحام عوالم مروى، وكان يبدو أنها لن تسمح لي حتى لو أردتُ أنا ذلك، لكنني في الوقت ذاته أردت أن أعرف هذه العوالم وأفهمها. دارت أفكار كثيرة في رأسي: الأديان ، الاختلاف، الحجاب والنقاب، الجدران والظلال. أين أنا من كلّ هذا؟ هل يجوز أن نقتحم الأسوار التي يرفعها الآخرون حول مساحات أمانهم؟ أم أن علينا تركهم وشأنهم؟ من يعطيني الحقّ في اقتحام فقاعة شخص ما؟ وهل يجب الاستئذان قبل فعل ذلك؟

*****

لا زالت أسئلة الاختلاف كلها بلا أجوبة واضحة ونهائية في رأسي، لكن هنالك شيئاً ما قد تغيّر دون أن أقتحم عالم أحد، ودون أن يقتحم أحد عالمي، بل كل ما في الأمر أنني اقتربتُ أكثر فعرفتُ أكثر، ثم تغيرت. أريد اليوم أن أعرف المزيد، كي تتحول الظلال كلها إلى وجوه تحمل معالم واضحة، ويصبح العالم أكثر اتساعاً، وأقل وحشة.