كيف نسمي هذا اللون؟

 

في فيلم هانگوڤر، ومع بعض التصرف، يقتحم لصَّان البيت، وخطتهما أن يقطعا سلك كهرباء واحد بالتزامن من علبتي كهرباء على مبعدة من بعض. يزعق الأول في الثاني طالباً منه قطع السلك الرمادي، فيما لا يرى الثاني سوى ثلاثة أسلاك، أحمر وأخضر وأصفر، بلا رمادي بينها.

«هذا غريب، أمامي رمادي فاتح ورمادي وسط ورمادي داكن»، يقول اللص الأول، قبل أن يتذكر، في قلب الحبكة وفي قلب عملية السطو، مرضه المفجع، فيصرخ مستدركاً: «اللعنة (مَذَرفَكَر)، أنا مصاب بعمى الألوان!».

يصف ساراماجو العمى بكونه «أبيض»، بينما ينقل الكاتب أحمد عبد اللطيف عن بورخس قوله في واحد من محاضراته: «على عكس ما يتصوّر المبصرون، فالعمى أصفر».

قد يكون العمى هو رؤية لون واحد بإضاءات مختلفة. يصف صلاح جاهين عمى الحب، على لسان سعاد حسني، قائلاً: «الهنا مزغلل عينيا، مش بشوف غير بمبي بمبي».

* * * * *

الـ«ياروق» في العبرية هو الأخضر، ومنه «اليرقة» في العربية، أي الدودة، وقد يكون منه «الورقة»، التي هي ورقة الشجر الخضراء، وقد عرفها الإنسان قطعاً قبل اختراع أوراق الكتابة.

وإذا ما تذكرنا أن التهاب الكبد، الذي تصفرّ فيه عين المريض، يُسمَّى بـ«الصفراء» أو «اليرقان» على حد سواء، يصبح بإمكاننا أن نتساءل: كيف رأى الأقدمون اصفرار عين المريض، ليصفوه بلون يشبه ورق الشجر؟

ولكن في كل الأحوال، فإن الخلط بين الأصفر والأخضر قد يبدو مفهوماً بعض الشيء، خاصة إذا ما قورن بالخلط بين الأصفر والأحمر.

يعني اللون الأحمر في العبرية «آدوم»، ويمكن ربطه بالـ«أداماه»، التي هي الأرض أو «الأديم»، ومنها في غالب الظن جاء اسم أبينا «آدم»، أو أن اسم آدم هو ما جاء من أديم الأرض، الله أعلم. ويصعب ألا نربط كل هذا بكلمة «دم» المشتركة بين الكثير من اللغات السامية.

ما يعنينا هنا هو القصة اليهودية بخصوص «البقرة الحمراء»، التي يتحتم حرقها واستخدام رمادها لتطهير من يلمس جثث الموتى، ومقابلها القرآني، وبمفاده يطلب الله من بني إسرائيل، لأسباب لها علاقة بإحياء الموتى، بأن يذبحوا {بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ}.

تتشابه البقرتان، الصفراء الإسلامية والحمراء اليهودية، في كثير من النواحي، وقد انتبه ابن كثير إلى التشابه فقال: «وفي التوراة أنها كانت حمراء فلعل هذا خطأ في التعريب أو... أنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد والله أعلم».

يصعب تخمين موطن «الخطأ في التعريب» بالضبط، ولكني أفكر في كلمة «أصفر» بالعبرية، والتي تعني «صاهُوڤ»، من نفس الجذر الذي أتت منه كلمة «أصهب» العربية.

هل تكون البقرة صهباء؛ شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد، بتعبير ابن كثير؟ وهل يكون الأصهب، مثل أخيه البرتقالي، مزيجاً من الأحمر والأصفر، مع إضافة شيء من الأسود المكتوم؟

على العموم، تقترح المعاجم أن يكون «الأصهب» مزيجاً من الأحمر والأصفر والأبيض، وفي هذا السياق سُميت الخمر بـ«الصهباء». وتارة يصفها أبو نواس بـ«الصفرة» في مثل «صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتها»، أو بـ«الصهبة»: «فإن تكن الصهباءُ أودَتْ بتالِدي / فلم توقني أكرومتي وحيائي».

* * * * *

عُرف البرتقال بشكل متأخر نسبياً في أنحاء واسعة من العالم، ويشهد على ذلك ارتباك الكثيرين في تسميته؛ سُمّي في الألمانية القديمة «تفاح الصين»، وفي العبرية «تپّوز» اختصاراً من «التفاح الذهبي»، ويبدو أن اسمه العربي «برتقال» يشير للتجار البرتغاليين الذين باعوا الثمرة، أما كلمة «أورَنْج» فقد مرت بمحطات لغوية عديدة من شرق العالم لغربه، وأحد هذه المحطات، فيما يبدو، هي محطة «نارنج» العربية. هكذا حازت الثمرة الجديدة إما أوصافاً مطولة أو أسماء أجنبية أو أسماء تشير لبلاد أجنبية، دلالة على عدم تجذُّر الاسم في اللغات الأصلية لمتحدثيها.

من ثمرة البرتقال بالطبع أُخذ اللون البرتقالي، ولكن كيف سُمِّي هذا اللون قبل اكتشاف الثمرة؟ كيف وُصف لون الجزر، أحمر مثلاً؟ أصفر ربما؟ أصهب مرة أخرى؟

غالباً ما يستعمل المصريون الأسماء العربية للألوان الصريحة، ولكنهم، عند الفروق الطفيفة بين درجات الألوان، يلجأون للإنكليزية. هكذا يُسمَّى البرتقالي في مصر «أورَنْج»، بأريحية أكبر من تسمية الأحمر «رِد»، أو الأسود «بْلاك».

ولهذا السبب أيضاً، وخاصة بين الطبقات الأعلى تعليماً، تشيع تسمية الرمادي بالـ«جراي» والبنفسجي بالـ«پرپل» الوردي بالـ«پينك». ولكن مع الوضع في الاعتبار أسباب جندرية أخرى في الحالة الأخيرة؛ ما نتصوره من الأناقة التي يجب أن نخاطب بها الفتيات في مقابل الغلظة التي نخاطب بها الصبيان، وتشير كل من الغلظة والأناقة هنا إلى شيء ما يتعلق بالعربية مقابل الإنكليزية.

التوتر الجندري ليس غريباً بالكامل عن هذا الموضوع، إذ كثيراً ما يحب الرجال ادعاء العمى أمام الفروق الطفيفة بين درجات الألوان، فيما تتباهى النساء برؤيتها أولاً، وبمعرفتها لأسمائها الدقيقة ثانياً، وكلها بالطبع بالإنكليزية.

* * * * *

يُنسب إلى اللبن (الحليب) اللون الأبيض في العبرية: لاڤان، ولكن المصريين، باستخدامهم اللون «اللبني»، قرروا أن ينسبوا له الأزرق السماوي. أي صلة رآها المصريون بين الأزرق والحليب؟ 

يشير كثير من الباحثين لعدم وجود أية إشارة للون الأزرق في التوراة، وهو فيما يبدو ليس مشكلة التوراة وحدها، إذ ينبهنا الباحث والسياسي وليم جولدستون لغياب اللون الأزرق عن الإلياذة والأوديسة نفسيهما. أما في العربية، فأحد معاني «زَرَقَت العين»، أنها «انقلبت وظهر بياضها»، ومن هنا تُفسَّر آية «ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً»، بمعنى «ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً».

نعرف أن البحر أزرق لأنه يعكس لون السماء، ولكن لماذا لون السماء أزرق؟

في حياة أخرى، في زمن آخر، بتوزيع مختلف لجهازنا البصري ولأطوال الموجات الضوئية، هل يكون بإمكاننا أن نرى السماء بيضاء، «فضاء» يقبع فيه الله والخير والملائكة والقديسون والأولياء الصالحون؟

هذا لأنه من ناحية مقابلة، فـ«الأسود» في العربية قد يشير للامتلاء، ما يسُود في الأرض فيملأها ويُسَوّدها بالتالي.

ولأنه لا وسيلة لوصف اللون سوى بالنظر إليه، لا جسم له ولا رائحة وقد لا يكون سوى مجرد ظاهرة بصرية، فكثيراً ما نختار نسبته إلى عنصر مادي ملموس. هناك في العربية مثلاً «البنفسجي» و«البني» و«البرتقالي»، وحتى «الأبيض» الذي يمكن عزوه إلى البَيض، وتوفر المحكية ألواناً أخرى مثل «النبيتي» و«المشمشي» و«الزيتي» و«السكري» وغيرها.

عندما يصف أحدنا شيئاً بأنه «نبيتي» مثلاً، فإنه بهذا يقر بعجزه، وبعجز اللغة، عن وصف اللون، ولمداراة هذا العجز، يقترح على محدّثه استحضار لون النبيذ، ثم تطبيقه، في مخيلته، على الشيء المراد وصفه.

هذا لأن اللون أحد أكبر إخفاقات اللغة، أحد أكبر مظاهر عجزها عن الاعتماد على نفسها وعلى شبكاتها المهولة من المعاني، وهذا لأن اللون هو بالأساس أحد أكثر المرئيات هشاشة، وأقدرها بالتالي على التشكيك في حقيقية العالم الذي نعيش فيه.