كيف نغيّر مجرى التاريخ البشري؟

كيف نغيّر مجرى التاريخ البشري؟

(ما سبق أن جرى منه، على الأقل).

في هذا المقال المنشور في 2 آذار 2018 على موقع إيروزين، والذي ترجمته من الإنكليزية إلى العربية سارة حبيب، يقول ديفيد غرايبر وديفيد وينغرو إن الحكاية التي لطالما أخبرناها لأنفسنا عن أصولنا هي حكاية خاطئة، وتؤدي إلى استمرار فكرة التفاوت الاجتماعي المحتوم. ويتساءلان لماذا تبقى أسطورة «الثورة الزراعية» متماسكة لهذه الدرجة، ويحاولان أن يبرهنا أن هنالك مزيداً مما نستطيع تعلّمه من أجدادنا.

 

1- في البدء كانت الكلمة

لقد كنا لقرون كثيرة نروي لأنفسنا حكاية مبسّطة عن أصول التفاوت الاجتماعي. عاش البشر في الجزء الأكبر من تاريخهم، ضمن عُصَب صغيرة مساواتية من الصيادين-المُلتقطين. ثم أتت الزراعة، التي جلبت معها الملكية الخاصة، ومن ثم بناء المدن الذي عنى نشوء الحضارة بالمعنى الدقيق للكلمة. الحضارة جلبت كثيراً من الأشياء السيئة (الحروب، الضرائب، البيروقراطية، النظام الأبوي، العبودية...)، ولكنها أيضاً جعلت أشياء أخرى ممكنة كالأدب المكتوب، العلم، الفلسفة، ومعظم الإنجازات البشرية العظيمة الأخرى.

يعرف الجميع تقريباً هذه القصة بحدودها الأوسع. فهي شكّلت، على الأقل منذ أيام جان جاك روسو، ما نعتقد أنه الشكل الكليّ والاتجاه العام للتاريخ البشري. وهذا مهم لأن هذه الحكاية تحدد أيضاً إحساسنا بالإمكانية السياسية. العديد من الأشخاص يرون الحضارة، وبالتالي التفاوت، على أنها ضرورة تراجيدية. البعض يحلم بالعودة إلى يوتوبيا قديمة، وبإيجاد معادلٍ صناعي لـ «الشيوعية البدائية»، ويحلم آخرون، في حالات قصوى، بتدمير كل شيء، والعودة لكوننا جامعين مرة أخرى. ولكن لا أحد أبداً يعترض على البناء الأساسي للقصة.
ثمة مشكلة جوهرية بشأن هذه الحكاية. إنها ليست صحيحة.
إن أدلة دامغة من علم الآثار والأنثروبولوجيا واختصاصات مشابهة بدأت مؤخراً بإعطائنا فكرة شبه واضحة عمّا بدت عليه حقاً الأربعون ألف سنة الماضية من التاريخ البشري، وهي لا تشبه، ولا بأي شكل تقريباً، الحكاية التقليدية. في الحقيقة، لم يُمضِ جنسنا البشري معظم تاريخه ضمن عُصب صغيرة؛ الزراعة لم تشكّل حداً فاصلاً في التطور الاجتماعي؛ المدن الأولى كانت غالباً مساواتية بشكل كبير. لكن، وبالرغم من أن الباحثين وصلوا تدريجياً إلى إجماع فيما يخصّ مسائل كهذه، إلا أنهم ما يزالون يرفضون بشكل غريب أن يعلنوا اكتشافاتهم للملأ - أو حتى للدارسين في فروع أخرى - ناهيك عن التأثير الذي قد يتركه ذلك على المضامين السياسية الكبرى.

بالنتيجة، هؤلاء الكتاب الذين يبحثون في «الأسئلة الكبرى» للتاريخ البشري - جارد دايموند، فرانسيس فوكوياما، إيان موريس، وآخرون - ما يزالون يعتبرون سؤال روسو «ما هو أصل التفاوت الاجتماعي؟» نقطة بداية لهم، ويفترضون أن الحكاية الأوسع تبدأ بنوعٍ من السقوط من براءة بدائية.
إن صياغة المسألة بهذه الطريقة البسيطة يعني وضع مجموعة من الافتراضات، (1) أن هنالك شيئاً يدعى «تفاوت»، (2) أن هنالك مشكلة، (3) أنه كان هناك وقت لم تكن فيه هذه المشكلة موجودة. منذ الأزمة المالية عام 2008، والاضطرابات التي تلتها، كانت «مشكلة التفاوت الاجتماعي» مركز الجدال السياسي. ويبدو أنه هناك إجماعٌ بين الفئات السياسية والفكرية على أن مستويات التفاوت الاجتماعي قد خرجت عن السيطرة، وأن معظم مشاكل العالم تنتج عن هذا، بشكل أو بآخر.

إن الإشارة إلى هذا الأمر تؤخذ على أنها تحدٍ لبنى القوة العالمية، ولكن لنقارنها بالطريقة التي نوقشت بها مسائل مشابهة في جيل أسبق. على عكس تعابير مثل «رأس المال» أو «قوة الطبقة»، وُضعت كلمة «مساواة» عمليّاً لتؤدي إلى أنصاف تدابير وحلول وسطى. يمكن لنا أن نتخيل رأسمالية كاسحة أو تحطيماً لقوة الدولة، ولكن من الصعب جداً تخيُّلُ القضاء على «التفاوت». في الحقيقة، ليس حتى واضحاً ما قد يعنيه ذلك، بما أن الناس ليسوا أبداً متشابهين ولا أحد يريد لهم أن يكونوا كذلك.
إن «التفاوت» هو طريقة لصياغة المشاكل الاجتماعية بطريقة تجعلها ملائمة للإصلاحيين التكنوقراطيين، هؤلاء الذين يفترضون من البداية أن أية رؤية حقيقية لتحوّل اجتماعي قد أصبحت منذ زمن بعيد مُستبعدة سياسياً. قد يسمح هذا المفهوم بتصحيح الأرقام، بجدال حول معاملات جيني للتفاوت وحول عتبات العجز، وبتعديل الأنظمة الضريبية أو آليات الرفاهية الاجتماعية، وحتى بصدم الناس بأرقام تُظهِرُ مدى السوء الذي وصلت إليه الأمور (هل يمكن أن تتخيل أن 0.1 % من سكان العالم يتحكمون بأكثر من 50 % من ثرواته!)، لكن كل هذا بدون معالجة أيّ من العوامل التي يحتج الناس بشأنها فعلاً، مثل الترتيبات الاجتماعية «غير المساواتية»: على سبيل المثال، أن البعض ينجح في تحويل ثروته إلى سلطة على الآخرين؛ أو أن الأمر قد ينتهي إلى إخبار الناس الآخرين أن حاجاتهم ليست مهمة، وحياتهم ليس لها قيمة فعليّة. هذا الاحتمال الثاني، كما دُفعنا لأن نعتقد، هو مجرد أثر حتمي للتفاوت، والتفاوت هو النتيجة الحتمية للعيش في أيّ مجتمع كبير، معقد، حضاري، ومتطور تكنولوجياً. هذه هي الرسالة السياسية الفعليّة التي توصلها الاستجداءات الكثيرة للعودة لعصر براءة متخيَّل، قبل اختراع التفاوت: بمعنى أنه إذا أردنا التخلص من تلك المشاكل بشكل كليّ، فعلينا بشكل ما التخلص من 99.9 % من سكان الأرض، والعودة مرة أخرى إلى كوننا مجرد عُصَب صغيرة من الجامعين. وإلا فأفضلُ ما يمكن لنا تمنيه هو أن نعدّل حجم الحذاء الذي سوف يدوس فوق وجوهنا، للأبد، أو ربما أن نجادل لأجل الحصول على مساحة أكبر للمناورة بحيث يستطيع بعضنا، مؤقتاً على الأقل، أن يهرب من طريقه.
إن العلم الاجتماعي السائد يبدو الآن معبّأً باتجاه ترسيخ هذا الحسّ باليأس. وتقريباً نواجَه كل شهر بمنشورات تحاول طرح خطط للهوس الحالي بتوزيع الثروات والعودة بنا إلى العصر الحجري، بحيث تضعنا في بحث زائف عن «مجتمعات مساواتية» مُعرَّفة بحيث لا يمكن أن توجد إلا ضمن عُصبة صغيرة من الجامعين (وربما حتى قبل ذلك). ما سنقوم به في هذه المقالة، إذن، هو شيئان. أولاً، سنمضي بعض الوقت في الإضاءة على ما يُعتبر رأياً خبيراً في مثل هذه الأمور، لنكشف كيف تُلعَب هذه اللعبة، ونُظهر كيف ينتهي حتى الدارسون العصريون الأكثر تطوراً، ظاهرياً، إلى إعادة انتاج المعرفة التقليدية كما ظهرت في فرنسا أو اسكوتلندا، لنقل في عام 1760 مثلاً. وبعد ذلك سنحاول وضع الأسس الأولية لحكاية مختلفة تماماً. وهذا عمل في معظمه مُمهِّدٌ لطريق جديدة كلياً. إن الأسئلة التي نتعامل معها هي أسئلة كبيرة جداً، والمسائل هنا هامة جداً، لدرجة أنها قد تستغرق سنين من البحث والنقاش لمجرد البدء بفهم مدلولاتها. لكننا نصرُّ على شيء واحد. إن التخلي عن قصة السقوط من براءة بدائية لا يعني التخلي عن أحلامنا بتحرر بشري – بكلمات أخرى، أحلام بمجتمع لا يتمكن فيه أيّ يكن من تحويل حقه بالملكية إلى وسيلة لاستعباد الآخرين، ولا يُقال فيه لأي أحد أن حياته واحتياجاته ليست مهمة. بالعكس تماماً. لقد أصبح التاريخ البشري مكاناً أكثر إثارة للاهتمام، وهو يحتوي على لحظات واعدة أكثر بكثير مما دُفِعنا إلى الاعتقاد، وسنلمسها ما أن نتعلم كيف نرمي قيودنا الفكرية وندرك ما هو موجود، وما قد وُجِدَ، فعلاً.

2- كتّاب معاصرون حول أصول التفاوت الاجتماعي؛ أو، العودة الأبدية لجان جاك روسو

لنبدأ بوضع مخطط للمعرفة الواردة إلينا حول المجرى الكليّ للتاريخ البشري. إن المخطط يسير تقريباً هكذا: مع رفع الستار عن التاريخ البشري، لنقل تقريباً منذ مئتي ألف سنة مع ظهور الإنسان العاقل (الهوموسابيان) المصنف كإنسان «حديث» وفق علم التشريح، نجد نوعنا البشري يعيش ضمن عُصب صغيرة متحركة تتراوح بين عشرين إلى أربعين فرداً. يبحث هؤلاء عن الصيد الأمثل وعن أراضي التجميع الأفضل، يتبعون القطعان، يجمعون الجوز وثمار التوت. وإذا أصبحت الموارد قليلة، أو ظهرت توترات اجتماعية، يقومون بالانتقال والذهاب لمكان آخر. الحياة بالنسبة لهؤلاء البشر الأوائل – يمكن أن نفكر بهذه المرحلة على أنها طفولة البشرية – هي حياة مليئة بالمخاطر، ولكن أيضاً بالإمكانيات. الممتلكات المادية قليلة، ولكن العالم مكان غير مُفسَد بعد، ومضياف. يستغرق العمل فقط بضع ساعات في اليوم، ويسمح الحجم الصغير للمجموعات الاجتماعية بالمحافظة على نوع من الرفقة الطيبة فيما بينهم، بدون بنى التحكّم المتكلفة. روسو، كما كتب في القرن الثامن عشر، أشار إلى هذه المرحلة باسم «حالة الطبيعة»، ولكن يتم الافتراض اليوم أنها قد شملت معظم التاريخ الفعلي لجنسنا البشري. كما يُعتبر أيضاً أنها الفترة الوحيدة التي تمكّنَ فيها البشر من العيش في مجتمعات مساواتية، بدون طبقات، طوائف، قادة متوارَثين، أو حكومة مركزية.

ولكن للأسف، كان لا بدَّ لهذه الحالة أن تنتهي في آخر الأمر. ويحدد تصورنا التقليدي عن تاريخ العالم حدوث هذه النهاية منذ حوالي عشرة آلاف سنة مضت، في نهاية العصر الجليدي الأخير.
عند هذه النقطة، نجد ممثلينا البشريين المفترضين وقد تبعثروا في قارات العالم، وبدأوا بزراعة محاصيلهم وتربية قطعانهم الخاصة. أيّاً تكن الأسباب المحلية لهذا (وهي موضع جدل) فإن النتائج خطيرة، وهي تقريباً متشابهة في كل مكان.

الاستيلاءات على الأراضي وتحديد الملكيات الخاصة أمورٌ أصبحت مهمة بطرق لم تكن معروفة سابقة، ومعها أتت النزاعات المتفرقة والحروب. تمنح الزراعة فائضاً من الطعام، وهذا يسمح للبعض بتكديس الثروة والنفوذ يما يتجاوز حدود مجموعة أقاربهم المباشرين. آخرون يستخدمون تحررهم من مهمة البحث عن الطعام ليطوروا مهارات جديدة، مثل اختراع أسلحة، أدوات، مركبات وتحصينات أكثر تطوراً، أو مثل السعي نحو السياسة والدين المنظّم. بالنتيجة، يصل «مزارعو العصر الحجري الحديث» هؤلاء بسرعة إلى فهم لطبيعة جيرانهم الصيادين-الملتقطين، ويباشرون بإلغائهم أو استيعابهم في شكل حياة جديد وأكثر تفوقاً، بالرغم من كونه أقل مساواة.
لتعقيد الأمور أكثر، أو هكذا تسير الحكاية، تضمن الزراعة ازدياداً عالمياً في مستويات السكان. وبينما ينتقل الناس إلى تجمعات سكانية أكبر من أي وقت مضى، يأخذ أسلافنا الغافلون خطوة أخرى لا رجعة فيها نحو التفاوت، ثم ومنذ حوالي ستة آلاف سنة، تظهر المدن – ويُحسَم مصيرنا للأبد. مع المدن تأتي الحاجة لحكومة مركزية. طبقات جديدة من البيروقراطيين، الكهنة، والسياسيين-المحاربين يثبّتون أنفسهم في مكاتب دائمة للحفاظ على النظام وضمان التدفق المنتظم للموارد والخدمات العامة. النساء، اللواتي كنَّ سابقاً يتمتعن بأدوار بارزة في الشؤون الإنسانية، يُنحيّنَ، أو يُحبسن في الحريم. وأسرى الحرب تخفّض قيمتهم إلى عبيد. ها قد وصل التفاوت التام إذن، وما من سبيل للخلاص منه. مع هذا، كما يؤكد لنا رواة القصة دوماً، ليس كلُّ شيء سيئاً بشأن نشوء الحضارة المدنية. إذ تُختَرَع الكتابة، بدايةً لحفظ حسابات الدولة، فيسمح هذا بحدوث تطورات عظيمة في العلم، التكنولوجيا، والفنون. وعلى حساب البراءة المفقودة، أصبحنا أنفُسَنا الحديثة، وكل ما نستطيع فعله الآن أن ننظر بعين الأسى والحسد لتلك المجتمعات القليلة «التقليدية» أو «البدائية» التي بطريقة ما فاتتها السفينة.
هذه هي القصة التي، كما نقول، تشكّلُ أساس كل الجدل المعاصر عن التفاوت. إذا أراد خبيرٌ في العلاقات الدولية، أو طبيبٌ نفسيٌ سريري مثلاً، أن يبحثوا في مثل هذه الأمور، فغالباً سيعتبرون من المسلّم به أننا، في معظم تاريخنا البشري، عشنا ضمن عصب مساواتية صغيرة، أو أن نشوء المدن عنى أيضاً نشوء الدولة. ينطبق هذا على معظم الكتب الحديثة التي تحاول أن تستند إلى عموم مرحلة ما قبل التاريخ، من أجل الوصول إلى استنتاجات سياسية متصلة بالحياة المعاصرة. لننظر إلى كتاب فرانسيس فوكوياما أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية:

في مراحلها الأولى، تبدو المنظومة السياسية البشرية شبيهة بمجتمع العصبة الذي لوحظ في الرئيسيات العليا مثل الشمبانزي. إنَّ هذا قد يُعتبَر شكلاً افتراضياً من المنظومات السياسية... أشار روسو إلى أن أصل التفاوت السياسي يكمن في تطور الزراعة، وفي هذا كان روسو محقّاً إلى حدّ كبير. بما إن مجتمعات العُصبة كانت سابقة للزراعة، فليس فيها ملكية خاصة بأي معنى معاصر للملكية. ومثل عُصب الشمبانزي، يسكن الصيادون-الملتقطون في نطاق أرض يحرسونها ويقاتلون لأجلها من حين لآخر. ولكن يكون لديهم حافز أقلّ من المزارعين بأن يحددوا قطعة أرض ويقولوا «هذه ملكي». إذا اجتاحت مجموعة أخرى أرضهم، أو إذا تسللت إليها حيوانات مفترسة، فهذه المجتمعات قد يكون لديها الخيار بأن تنتقل ببساطة إلى مكان آخر بسبب الكثافات السكانية المنخفضة. مجتمعات العصبة مساواتية بشكل كبير... القيادة فيها متاحة للأفراد بناء على صفات مثل القوة، الذكاء، الجدارة بالثقة، ولكن تنتقل من فرد إلى آخر.

في كتابه العالم ما قبل البارحة: ما الذي نستطيع تعلّمه من المجتمعات التقليدية؟، يقترح جارد دايموند أن تلك العُصَب (التي يعتقد دايموند أن البشر كانوا ما يزالون يعيشون فيها «منذ إحدى عشرة ألف سنة») تشكّلت «فقط بضع عشرات من الأفراد»، هم غالباً أقارب بيولوجياً. لقد أدارت تلك المجموعات موارد حياة هزيلة إلى حد ما، وكان أفرادها «يصطادون ويلتقطون أية حيوانات برية وأنواع نباتات يصادف وجودها في مساحة فدّان من الغابة». (لم يشرح أبداً لماذا فقط فدان واحد). وحياتهم الاجتماعية، وفقاً لدايموند، كانت بسيطة إلى درجة يُحسَدون عليها. يتمّ الوصول إلى القرارات عندهم عبر «نقاش مباشر»؛ يوجد «ممتلكات شخصية قليلة»، و«لا يوجد قيادة سياسية رسمية أو تخصص اقتصادي قوي». يختم دايموند قائلاً إنه لمن المحزن أن البشر قد حققوا درجة هامة من المساواة الاجتماعية فقط ضمن تجمعات بدائية مثل هذه.
بالنسبة لدايموند وفوكوياما، وكذلك بالنسبة لروسو قبلهما بقرون، ما أدى إلى نهاية تلك المساواة – في كل مكان وللأبد – كان اختراع الزراعة ومستويات السكان المرتفعة التي أدت الزراعة إلى استمرارها. لقد سببت الزراعة انتقالاً من «العُصَب» إلى «القبائل». وغذّى تكدُّس فائض الطعام النموَ السكّاني، مما جعل بعض «القبائل» تتطور إلى مجتمعات تراتبية عُرفت باسم «زعامات». يرسم فوكوياما صورة شبيهة إلى حد ما بصورة الكتاب المقدس، وفكرة الخروج من جنة عدن: «بينما أخذت عُصَب البشر الصغيرة تهاجر وتتأقلم مع بيئات مختلفة، بدأ خروجها من حالة الطبيعة عبر تطوير مؤسسات اجتماعية جديدة». لقد خاض هؤلاء حروباً لأجل الموارد. وبمرور الوقت وتزايد النضج، انساقت هذه المجتمعات نحو الاضطراب.

حان الوقت إذن للنمو، لتعيين قيادة ملائمة. وقبل مضي وقت طويل، كان زعماء القبائل قد أعلنوا أنفسهم ملوكاً، وحتى أباطرة. لم يعد ثمة فائدة من المقاومة. لقد أصبح كل هذا محتوماً منذ أن اتخذ البشر أشكالاً كبيرة ومعقدة من المؤسسات. ولم يعد ممكناً العودة للوراء حتى عندما بدأ القادة يتصرفون بشكل سيء؛ سواء باستغلال الفائض الزراعي لإعلاء شأن أقربائهم والتابعين لهم، بجعل المنصب شيئاً دائماً وموروثاً، بتجميع الجماجم كتذكارات لانتصاراتهم واتخاذ حريم من الخادمات، أو بتمزيق قلوب منافسيهم بسكاكين حجرية. يعتقد دايموند أن «الأعداد الكبيرة من السكان لا تستطيع الاستمرار بدون قادة يقومون باتخاذ القرارات، ومدراء ينفذون تلك القرارات، وبيروقراطيين يديرون القرارات والقوانين. من سوء حظكم أيها القراء الثائرون على السلطة والحالمون بعيشٍ بدون أي حكومة، هذه هي الأسباب التي تجعل حلمكم غير واقعي: سيتوجب عليكم أن تجدوا عُصبة صغيرة أو قبيلة مستعدة لقبولكم، حيث لا يكون أحد فيها غريباً، وحيث الملوك، الرؤساء، والبيروقراطيون ليسوا شيئاً ضرورياً».

هذه بالطبع خلاصةٌ محزنة، ليس فقط لهؤلاء الفوضويين الثائرين، بل لكل من تساءل يوماً إذا كان ثمة بديل، قابل للتطبيق، عن الحالة الراهنة. لكن الشيء الجدير بالملاحظة أنه، وبالرغم من اللهجة المعتدّة، فإن تلك التصريحات ليست فعلياً مبنية على أي نوع من الأدلة العلمية. وليس هنالك سبب لنعتقد أن هذه المجموعات الصغيرة قابلة بشكل خاص لأن تكون مساواتية، أو أنّ المجموعات الكبيرة يجب أن تحتوي بالضرورة على ملوك، رؤساء، أو بيروقراطيات. هذه فقط أحكام مسبقة تم تبنيها كما لو أنها حقائق.
في حالة فوكوياما ودايموند يمكن، على الأقل، أن نلاحظ أنهما لم يتمرّنا أبداً في مجالات متصلة بهذا الموضوع (الأول عالمٌ سياسي، والثاني يحمل شهادة دكتوراه في فيزيولوجيا المرارة). مع هذا، وحتى عندما يُجرِّبُ علماء الأنثروبولوجيا والآثار مشاركة رأيهم في روايات «الصورة الكلية»، فإن لديهم ميلاً غريباً لأن ينتهوا إلى مجرد تغيير طفيف على رواية روسو. في كتابهما خلق التفاوت: كيف مهد أسلافنا ما قبل التاريخ السبيل لدخول الملكية، العبودية، والامبراطورية، يقدّم كينت فلانري وجويس ماركوس، وهما عالمان بارزان جداً، حوالي خمسمئة صفحة من دراسات الحالة من علم الأجناس البشرية (الإثنوغرافيا) وعلم الآثار ليحاولا حلّ اللغز. يقرّ هذان العالمان أن أسلافنا من العصر الجليدي لم يكونوا تماماً غريبين عن مؤسسات التدرج الهرمي والعبودية، لكنهما يصرّان أن أسلافنا اختبروا ذلك بشكل رئيسي في علاقاتهم مع قوى ما وراء الطبيعة (أرواح الأجداد وما يشابه ذلك). إن اختراع الزراعة، حسب افتراضهما، أدى إلى نشوء «قبائل» ممتدة ديموغرافياً أو «مجموعات ذات أنساب»، وبهذا أصبح التواصل مع الأرواح والموتى طريقاً للحصول على القوة الأرضية (لكن لم يتم توضيح كيف يحدث ذلك بالضبط). وفقاً لفلانري وماركوس، الخطوة الرئيسية التالية على طريق التفاوت حدثت عندما مُنِحَ رجال قبيلة ذوي موهبة غير عادية أو شهرة – معالجون خبراء، محاربون، وغيرهم من ذوي الإنجازات المتفوقة - الحقَّ في أن ينقلوا نفوذهم إلى سلالاتهم، بغض النظر عن مواهب ومقدرات أفراد هذه السلالات. لقد غرس هذا إلى حد كبير البذور، وعنى أنه منذ ذلك الوقت، ستكون مسألة وقت فقط قبل أن تظهر المدن، الملكية، العبودية والإمبراطورية.
الشيء الغريب بشأن كتاب فلانري وماركوس أنهما يبدآن بتقديم أدلة فعلية من علم الآثار فقط مع مرحلة ولادة الدول والإمبراطوريات، بينما تعتمد كل اللحظات الهامة في رؤيتهما «لخلق التفاوت» على مجرد وصف حديث نسبياً لمجموعات صغيرة من الجامعين، الرعاة، والمزارعين مثل الهادزا في صدع شرق إفريقيا والنامبيكوارا في الغابات المطرية الأمازونية. إن توصيفات «مجتمعات تقليدية» مثل تلك تُعدُّ كما لو أنها نوافذ على العصر الحجري القديم أو العصر الحجري الحديث. لكن المشكلة أنها ليست كذلك أبداً. إن الهادزا والنامبيكوارا ليست أحفوريات حيّة. لقد كانت على اتصال مع دول وإمبراطوريات زراعية، مع غزاة وتجار، لآلاف السنين، ومؤسساتها الاجتماعية كانت قد شُكّلت عبر محاولات للتواصل مع هؤلاء أو تجنبهم. فقط علم الآثار يمكنه أن يخبرنا إذا كان لديهما شيء مشترك، أو لا شيء أبداً، مع مجتمعات ما قبل التاريخ. بالنتيجة، بينما يقدم فلانري وماركوس كثيراً من الأفكار المثيرة للاهتمام حول كيفية نشوء التفاوتات في المجتمعات البشرية، إلا إنهما قلّما يعطياننا تبريراً يجعلنا نصدّق أن هذا ما حدث فعلاً.
أخيراً، لننظر إلى كتاب إيان موريس جامعون، مزارعون، ووقود أحفوري: كيف تتطور القيم البشرية؟. يسعى موريس إلى تطبيق مشروع فكري مختلف قليلاً: أن يخلق نوعاً من الحوار بين اكتشافات علم الآثار والتاريخ القديم والأنثروبولوجيا من جهة، وأبحاث الأخصائيين الاقتصاديين من جهة أخرى، مثل بحث توماس بيكيتي عن أسباب التفاوت في العالم المعاصر، أو بحث توني أتكينسون المتجه أكثر نحو السياسة بعنوان التفاوت: ما الذي يمكن فعله؟

يخبرنا موريس أن «الوقت العميق» من التاريخ البشري فيه شيءٌ مهمٌّ يقوله لنا حول أسئلة مثل هذه – لكن فقط إذا حددنا أولاً مقياساً موحداً للتفاوت يكون قابلاً للتطبيق عبر امتداده الكلي. يتوصل موريس إلى إنجاز هذا بترجمة «قيم» الصيادين-الملتقطين في العصر الجليدي وفلاحي العصر الحجري الحديث إلى مصطلحات مألوفة للاقتصاديين المعاصرين، ومن ثم باستخدام هذه المصطلحات لتأسيس معاملات جيني، أو معدلات تفاوت رسمية. بدلاً من التفاوتات الروحية التي يركز عليها فلانري وماركوس، يقدم لنا موريس وجهة نظر مادية غير تبريرية، مُقسِّمَاً التاريخ البشري إلى ثلاث مراحل كبرى كما في عنوان كتابه (التجميع، الزراعة، الوقود الأحفوري)، وفقاً لكيف يتم توزيع الطاقة الحرارية. كل المجتمعات، حسب اقتراحه، لديها مستوى «أمثل» من التفاوت الاجتماعي – «مستوى روحي» خاص بها حسب مصطلح بيكيت وويلكينسون – يكون ملائماً لطريقتها السائدة في استخراج الطاقة.

في دراسة أجراها لصالح جريدة نيويورك تايمز عام 2015 يقدّمُ موريس أرقاماً، معدلات دخل للمرحلة البدائية محددة وفق الدولار الأمريكي وثابتة بالنسبة لقيم العملات في عام 1990. يفترض موريس أيضاً أن الصيادين-الملتقطين في العصر الجليدي الأخير عاشوا غالباً في عُصَب صغيرة متحركة. وبالنتيجة، أنفقوا قليلاً جداً؛ ما يعادل تقريباً 1.10 ولار لليوم الواحد حسب اقتراح موريس. أي أنهم حققوا معامل جيني بقيمة 0.25 تقريباً – أي بمقدار ما يمكن أن تنخفض إليه تلك القيم – بما أنه كان يوجد القليل من الفائض أو رأس المال لتستولي عليه أي نخب محتملة. المجتمعات الزراعية – وبالنسبة لموريس هذا يشمل كل شيء من قرية العصر الحجري الحديث «تشاتال هويوك» قبل تسعة آلاف سنة إلى الصين في عهد قوبلاي خان أو فرنسا لويس الرابع عشر – كانت كلها مجتمعات أفضل حالاً وأكثر سكاناً، مع معدل استهلاك 1.50 إلى 2.20 دولار في اليوم للشخص الواحد، وميل لتكديس فائض الثروة. ولكن معظم الناس أيضاً عملوا بجهد أكبر، وضمن شروط أدنى بشكل ملحوظ، وبهذا تكون المجتمعات الزراعية قد اتجهت نحو مستويات تفاوت أعلى بكثير.
إن المجتمعات التي تعتمد على الوقود الأحفوري كان يجب عليها أن تغيّر كل ذلك بتحريرنا من تعب العمل اليدوي، وإرجاعنا إلى معاملات جيني أكثر معقولية، أقرب لمعاملات أسلافنا الصيادين-الملتقطين. ولفترة من الزمن بدا أن ذلك كان قد بدأ يحدث فعلاً، ولكن لسبب ما، لم يستطع موريس فهمه تماماً، انقلبت الأمور من جديد وسُحِبَت الثروة مرة أخرى إلى أيدي نخبة عالمية صغيرة. يقول موريس:

إذا كانت انعطافات وتحولات التاريخ الاقتصادي عبر الخمسة عشر ألف سنة الماضية والإرادة الشعبية تشكلان أي دليل، فالمستوى «الصحيح» لتفاوت الدخل بعد مرحلة الضرائب يقع بين حوالي 0.25 و0.35، ومستوى تفاوت الثروة بين حوالي 0.70 إلى 0.80. إن العديد من البلدان هي الآن في الحدود العليا لهذه الأرقام أو أعلى منها، مما يعني أن السيد بيكيتي محقّ فعلاً في أن يتوقع الاضطراب.

بعض الإصلاحات التكنوقراطية الرئيسية مطلوبة حقاً!

لنترك جانباً توصيفات موريس ونركّز فقط على رقم واحد: معدل دخل العصر الحجري القديم باعتباره 1.10 دولار في اليوم. من أين يأتي هذا الرقم بالضبط؟ افتراضياً، تتعلق هذه الحسابات بالقيمة السعرية لاستهلاك الغذاء اليومي. لكن إذا كنا نقارن هذا بالدخل اليومي في أيامنا هذه، ألا يجب علينا أيضاً أن نأخذ بعين الحسبان كل الأشياء الأخرى التي كان الجامعون في العصر الحجري القديم يحصلون عليها مجاناً، بينما يُفترض بنا أن ندفع للحصول عليها: أمنٌ مجاني، تسويةٌ مجانية للنزاعات، تعليمٌ ابتدائي مجاني، عنايةٌ مجانية بالعجائز، دواءٌ مجاني، ناهيك عن نفقات الترفيه، الموسيقى، سرد الحكايات، والخدمات الدينية؟ وحتى فيما يتعلق بالطعام، يجب أن نأخذ النوعية بعين الاعتبار: في آخر الأمر، نحن نتحدث هنا عن محصول مراعٍ مفتوحة، عضوي 100 %، ومغسول بمياه الينابيع الطبيعية الأكثر نقاءً. معظم الدخل الحالي يذهب إلى الرهن العقاري والإيجارات. ولكن لنفكر بأجور التخييم في أراضي العصر الحجري القديم على طول نهر دوردون أو فيزير، بالإضافة إلى دروس المساء الراقية في الرسم الحجري الطبيعي ونحت العاج – وكل معاطف الفرو في ذلك الوقت. بالتأكيد سيكلف كل هذا ما يتجاوز 1.10 دولار في اليوم، حتى بمقياس دولارات عام 1990. ليس من دون سبب إذن أن أشار مارشال سالينز إلى الجامِعِين على أنهم «المجتمعات الرغيدة الأصلية». فذلك النوع من الحياة سيكلّف اليوم كثيراً.

إن هذا بدون شكّ سخيفٌ قليلاً، ولكن هذه هي وجهة نظرنا: إذا اختصرنا تاريخ العالم إلى معاملات جيني، فلا بدّ أن أشياء سخيفة أخرى ستلي ذلك، بالضرورة. وأشياء محبطة كذلك. على الأقل، يشعر موريس أن هنالك شيئاً خاطئاً في الزيادات السريعة مؤخراً في التفاوت العالمي. بالمقابل، كان المؤرخ والتر شايدل قد أخذ قراءات بيكيتي للتاريخ البشري إلى خواتيمها البائسة القصوى في كتابه الصادر عام 2017، المُساوي الكبير: العنف وتاريخ التفاوت من العصر الحجري إلى القرن الواحد والعشرين، مستنتجاً في النهاية أن لا شيء يمكن فعله حقاً بشأن التفاوت. الحضارة تضع دوماً في موقع المسؤولية نخبة صغيرة ما تنفك تلتهم أكثر وأكثر من الفطيرة. والشيء الوحيد الذي كان ناجحاً في إزاحة تلك النخبة هو الكوارث: الحرب، الوباء، التجنيد الشامل، المعاناة الكثيرة والموت. أنصاف الإجراءات لم تنفع أبداً. بالتالي، إذا لم تُرِد العودة للعيش في كهف، أو الموت في محرقة نووية (والتي غالباً ستنتهي بأن يعيش الناجون في كهوف)، فعليك أن تقبل بوجود وارن بافيت وبيل غيتس.

ما هو البديل التحرري؟ فلانري وماركوس، المعروفان بتأييدهما العلني لتراث جان جاك روسو، ينهيان بحثهما بالاقتراح المفيد التالي:

لقد عالجنا هذا الموضوع مرة مع سكوتي ماكنيش، عالم آثار أمضى أربعين عاماً في دراسة التطور الاجتماعي. وسألناه كيف يمكننا أن نجعل المجتمع أكثر مساواتية؟ بعد مشاورة قصيرة مع صديقه القديم جاك دانييلز، أجاب ماكنيش: «ضعوا الصيادين والمُلتقطين في موقع المسؤولية».

3- ولكن هل ركضنا فعلاً بكل تهور نحو أغلالنا؟
الشيء الغريب فعلاً في هذه التداعيات اللانهائية لفكرة روسو عن «حالة الطبيعة» البريئة، والسقوط من النعمة، هو أن روسو نفسه لم يدّعِ أبداً أن «حالة الطبيعة» حدثت فعلاً. لقد كانت برُمّتها مجرد تجربة فكرية. في كتابه مقال في أصل وأُسس التفاوت بين البشر (1754)، الذي جاءت منه معظم القصة التي نرويها (ونعيد روايتها)، يكتب روسو:

...إن الأبحاث، التي قد نقوم بها في مثل هذه الحالة، يجب ألا تؤخذ على أنها حقائق تاريخية، بل كمجرد تأملات افتراضية وشرطية، ملائمة لتوضيح طبيعة الأشياء أكثر مما هي لإظهار أصل تلك الأشياء الفعلي.

إن «حالة الطبيعة» عند روسو لم توضع أبداً لتكون مرحلة من مراحل التطور. ولم يكن من المفروض أن تكون معادلاً لمرحلة من «الهمجية»؛ الفكرة التي تفتتح المخططات التطورية للفلاسفة الاسكتلنديين أمثال آدم سميث، فيرغسون، ميلر، أوفي مرحلة لاحقة، لويس هنري مورغان. لقد كان هؤلاء مهتمين بتحديد مستويات التطور الاجتماعي والأخلاقي، المقابلة للتغيرات التاريخية في وسائل الإنتاج: التجميع، الرعي، الزراعة، الصناعة. بينما ما قدّمه روسو، على العكس من ذلك، كان أقرب لحكاية رمزية. وكما أكدت جوديث شكلار، العالمة النظرية السياسية الشهيرة من جامعة هارفرد، لقد كان روسو يحاول استكشاف ما اعتبره المفارقة الرئيسية لسياسة البشر: أن دافعنا الفطري للحرية يقودنا بشكل ما، مرة بعد أخرى، في «مسير عفوي نحو التفاوت». أو بكلمات روسو: «يركض الجميع بتهور نحو أغلالهم معتقدين أنهم يحمون حريتهم؛ لأنه وبالرغم من أنهم امتلكوا ما يكفي من المنطق ليروا فوائد المؤسسات السياسية، إلا أنهم كانوا يفتقرون الخبرة الكافية التي تمكّنهم من التنبؤ بالمخاطر». إن «حالة الطبيعة» المتخيلة كانت مجرد طريقة لتوضيح هذه النقطة.

لم يكن روسو قدرياً قط. ما يستطيع البشر فعله برأيه، يستطيعون التوقف عن فعله. يمكن أن نحرّر أنفسنا من الأغلال؛ لكن لن يكون ذلك سهلاً. تقترح شكلار أن التوتر بين «الإمكانية والاحتمالية» (إمكانية تحرير البشر، الاحتمال القوي أننا سنضع أنفسنا من جديد في شكل آخر من أشكال العبودية الطوعية) كان القوة المحركة لكتابات روسو حول التفاوت. قد يبدو كل هذا مثيراً للسخرية قليلاً بما أنه، بعد الثورة الفرنسية، اعتبر كثيرٌ من النقاد المحافظين روسو مسؤولاً شخصياً عن المقصلة. والذي سبّب الإرهاب، أصرّ هؤلاء، كان تماماً إيمان روسو الساذج بالطيبة الفطرية للبشرية، واعتقاده أن نظاماً اجتماعياً أكثر مساواة يمكن تخيّله ببساطة من قبل المفكرين ومن ثم فرضه بواسطة «الإرادة العامة». لكن القليل جداً من هؤلاء الأشخاص، الذين يُسخَر منهم الآن على أنهم رومانسيون وطوباويون، كانوا ساذجين فعلاً. كارل ماركس مثلاً اعتقد أن ما يجعلنا بشراً هو قدرتنا على الانعكاس الخيالي – نحن، عكس النحل، نتخيل البيوت التي نريد السكن فيها، وعندها فقط نبدأ ببنائها – لكنه اعتقد أيضاً أن الفرد لا يمكنه أن يتصرف بالطريقة نفسها عندما يتعلق الأمر بالمجتمع، أو يحاول فرض نموذج المعماري هذا. أن يفعل الفرد ذلك يعني أن يرتكب خطيئة «الاشتراكية الطوباوية»، التي يحمل لها ماركس كل الازدراء. بدلاً من ذلك، يجب على الثوريين أن يأخذوا بعين الاعتبار القوى الهيكلية الكبرى التي شكّلت مسيرة تاريخ العالم، ويستفيدوا من التناقضات الضمنية: على سبيل المثال، حقيقة أن مالكي المصانع الفرديين يحتاجون أن يقسوا على عمالهم ليتنافسوا، ولكن إذا كان الجميع ناجحين جداً في فعل ذلك، فلن يستطيع أحد شراء ما تنتجه مصانعهم. لكن، تلك هي قوة ألفي عام من كلام الكتاب المقدس، أنه حتى عندما يبدأ الواقعيون العنيدون بالكلام عن المدى الواسع للتاريخ البشري، فإنهم يرتدون إلى نوع من النسخة المعدلة عن قصة جنة عدن – السقوط من النعمة (عادة، كما في سِفر التكوين، بسبب سعي غير حكيم للحصول على المعرفة)؛ وإمكانية خلاص مستقبلية.

لقد قامت الأحزاب السياسية الماركسية سريعاً بتطوير نسختها من القصة، بأن دمجت حالة الطبيعة عند روسو مع فكرة التنوير الاسكتلندي عن المراحل التطورية. وكانت النتيجة صيغة لتاريخ العالم تبدأ «بالشيوعية البدائية» الأصلية، التي قُضي عليها مع بدء الملكية الخاصة، لكن من المُقدَّر لها أن تعود يوماً ما.

يجب أن نستنتج أن الثوريين، بالرغم من كل مثالياتهم الحالمة، لم ينووا أن يكونوا خياليين بشكل خاص، لا سيما عندما يتعلق الأمر بربط الماضي، الحاضر، والمستقبل. يستمر الجميع بإخبار القصة ذاتها. وليست ربما مصادفة أن الحركات الثورية الأكثر حيوية وابتكاراً اليوم في فجر الألفية الجديدة – الزاباتستيون في تشياباس والكرد في كوردستان الغربية (روج آفا)، كونهما فقط المثالين الأكثر وضوحاً – هي تلك التي في الوقت ذاته تصنع لها جذوراً في ماضٍ تقليدي بعيد. وبدلاً من تخيل نوع من اليوتوبيا البدائية، يمكن لهم أن يستندوا إلى حكاية أكثر اختلاطاً وتعقيداً. في الحقيقة، يبدو أن هنالك وعياً متنامياً في الأوساط الثورية أن الحرية والتراث والخيال لطالما كانت، وستكون دائماً متشابكة، بطرق لا نفهمها تماماً. لقد حان الوقت تقريباً ليستطيع بقيتنا المواكبة، والبدء بالتفكير بما قد تكون عليه نسخة غير إنجيلية من التاريخ البشري.

4- كيف يمكن أن يتغيّر الآن مجرى التاريخ (الماضي)؟

إذن، ما الذي علّمته لنا البحوث الأثرية والأنثروبولوجيّة، منذ وقت روسو؟

الشيء الأول الذي علّمته لنا هو أن التساؤل عن «أصول التفاوت الاجتماعي» ربما يكون نقطة بداية خاطئة. هذا صحيح، فقبل بداية ما يسمى العصر الحجري القديم الأعلى، ليس لدينا أي فكرة عمّا كانت عليه معظم الحياة الاجتماعية للبشر. معظم أدلتنا هي شظايا مبعثرة من حجر مشغول، عظم، أو بعض المواد الصلبة الأخرى. أنواع مختلفة من أشباه البشر وُجدت في الوقت نفسه؛ لكن ليس واضحاً إذا كان من الممكن أن ينطبق هنا أي تشبيه إثنوغرافي. بدأت الأشياء بالظهور لنا بشكل مركّز فقط في العصر الحجري القديم الأعلى، الذي يبدأ منذ حوالي 45 ألف سنة، ويشمل ذروة العصر الجليدي والتبريد العالمي (منذ 20 ألف سنة) وتعرف باسم الذروة الجليدية الأخيرة. أعقب هذا العصر الجليدي الأخير بدايةُ ظروف أكثر دفئاً وانحسارٌ تدريجيٌ للصفائح الجليدية، مما أفضى إلى الحقبة الجيولوجية الحالية، حقبة الهولوسين. مزيدٌ من الظروف المعتدلة جاءت بعد ذلك، مُشكِّلَةً المرحلة التي كان فيها الإنسان العاقل – بعد أن احتلّ معظم العالم القديم – قد أتمّ تقدّمه إلى العالم الجديد، واصلاً حتى الشواطئ الجنوبية للأمريكيتين منذ حوالي 15 ألف سنة.
إذن، ما الذي نعرفه حقاً عن هذه الفترة من التاريخ البشري؟ إن معظم الأدلة الهامة القديمة عن المؤسسات الاجتماعية البشرية في العصر الحجري القديم تأتي من أوروبا، حيث استقرّ جنسنا جنباً إلى جنب مع إنسان نياندرتال، قبل انقراض هذا الأخير حوالي 40000 قبل الميلاد. (إن تركز البيانات في هذا الجزء من العالم يعكس غالباً تحيزاً تاريخياً للتنقيبات الأثرية، أكثر مما يدل على أي شيء غير عادي بشأن أوروبا نفسها). في ذلك الوقت، وعبر الذروة الجليدية الأخيرة، بدت الأجزاء الصالحة للسكن من أوروبا العصر الجليدي أكثر شبهاً بحديقة سيرينغيتي في تنزانيا من شبهها ببيئة أوروبا في الوقت الحاضر. وقد قُسمَّت القارة جنوب الصفائح الجليدية، في المنطقة الممتدة بين التندرا والشواطئ الحراجية للمتوسط، إلى وديان وسهول غنية بالطرائد، تقطعها كل موسم قطعان مهاجرة من الغزلان، الثيران، والماموث الصوفي. العلماء المختصون بمرحلة ما قبل التاريخ أشاروا أنه لعقود – لكن دون أثر ذو أهمية – لم يكن ثمة شيء مشترك بين المجموعات الإنسانية التي عاشت في تلك البيئات والعصب المساواتية البسيطة الهانئة من الصيادين-المُلتقطين، الذين ما يزالون يُتَخيَّلون بصورة روتينية على أنهم أجدادُنا البعيدون.

بدايةً، هنالك الوجود غير المشكوك به لمدافن غنية، تمتد في الزمن إلى أعماق العصر الجليدي. بعض هذه المدافن، مثل قبور سانغر شرق موسكو والتي تعود لحوالي 25 ألف سنة، قد عُرفت لعقود عديدة وتستحق نيل الشهرة. فيليب فيرنانديز آرميستو، الذي قام بمراجعة كتاب خلق التفاوت لمجلة وول ستريت، يشرح ذهوله المبرَّر بشأن إغفال تلك المدافن: «بالرغم من معرفتهما أن مبدأ الوراثة قد سبق الزراعة، إلا أن السيد فلانري والآنسة ماركوس لا يستطيعان أن يُسقطا تماماً الوهم الذي وضعه روسو بأن هذا المبدأ قد نشأ مع حياة الاستقرار. لذلك، يصوران عالماً بدون سلطة متوارثة استمر حتى 15000 قبل الميلاد، متجاهلَين واحداً من أهم المواقع الأثرية لغرضهما هذا». بحفر الطبقة المتجلدة تحت مستوطنة سانغر من العصر الحجري القديم، ظهر قبر رجل متوسط العمر مدفوناً، كما يلاحظ فيرنانديز آرميستو، «مع علامات مذهلة عن التعظيم: أساور من عاج الماموث المصقول، إكليل أو غطاء رأس من أسنان ثعلب، وحوالي ثلاثة آلاف خرزة عاجية مصقولة ومنحوتة بمشقّة». وعلى مسافة بضعة أقدام منه، في قبر مماثل، «يوجد طفلان، عمرهما حوالي 10 و13 سنة، مزيّنان بهدايا قبر مشابهة – تشمل، عند الأكبر سناً، حوالي 5000 خرزة متقنة الصنع بقدر خرزات الرجل في القبر الآخر (لكن بحجم أصغر قليلاً) ورمح كبير منحوت من العاج».

kyf_ngyr_mjr_ltrykh_2.jpg

موقع دفن من العصر الحجري القديم الأعلى في سانغر، روسيا. المصدر: Wiki Commons
موقع دفن من العصر الحجري القديم الأعلى في سانغر، روسيا. المصدر: Wiki Commons

إن تلك الاكتشافات تبدو كما لو أنها غير ذات أهمية في أيّ من الكتب التي نظرنا فيها حتى الآن. إن هذا التقليل من شأنها، أو اختصارها إلى مجرد حواشٍ، يمكن أن يكون قابلاً أكثر للتغاضي عنه لو كانت سانغر مجرد اكتشاف منعزل. لكنها ليست كذلك. مدافن غنية أخرى أصبحت الآن موثقة، مثل الملاجئ الصخرية من العصر الحجري القديم الأعلى، والمستوطنات المفتوحة عبر معظم أوراسيا الغربية، من نهر الدون إلى نهر الدوردون. وفيها نجد مثلاً «سيدة سان جيرمان لا ريفر» التي تعود لحوالي 16 ألف سنة، مزينة بزخارف مشغولة على أسنان أيائل فتية اصطيدت على بعد 300 كم، في إقليم الباسك الإسباني؛ ومدافن ساحل ليغوريا – وهي بقدم قبور سانغر – وفيها يوجد «الأمير»؛ شاب تشمل ملكيته صولجان صوان غريب، هراوات من قرون الوعل، غطاء رأس مزخرف مكون من أصداف مثقوبة وأسنان غزلان. إن مثل تلك الاكتشافات تفرض تحديات محفزة للعمل على تفسيرها. هل فيرنانديز آرميستو محقٌّ بقوله إن هذه دلائل على «نفوذ متوارث»؟ ماذا كانت مكانة مثل هؤلاء الأشخاص في الحياة يا ترى؟

لا يقلّ أهمية عن تلك، الأدلة المتفرقة ولكن المقنعة التي تأتي من العمارة الأثرية، وتعود إلى الذروة الجليدية الأخيرة. إن فكرة أننا نستطيع قياس «الأثريّة» بقيم محددة هي بالطبع فكرة سخيفة بقدر تحديد معدل الإنفاق في العصر الجليدي بالدولارات والسنتات. إنها مفهوم نسبي، يكون له معنى فقط ضمن نطاق معين من القيم والتجارب السابقة. العصر الجليدي الأقرب ليس له مقابِلات مباشرة في نطاق أهرامات الجيزة أو الكولوسيوم الروماني. ولكن فيه مبانٍ هي، بمعايير ذلك الوقت، يمكن أن تُعتبر أعمالاً عامة، وذلك بتطبيقها تصميماً متطوراً وتناسقاً في العمل على نطاق واسع. من هذه، «بيوت الماموث» المذهلة، المبنيّة من جلود ممدودة على إطار من الأنياب، ويوجد أمثلة منها تعود لحوالي 15 ألف سنة موجودة عبر مقطع عرضي من الحافة الجليدية التي تمتد على طول الطريق من كراكوف الموجودة اليوم إلى كييف.

والأكثر إدهاشاً من ذلك، المعابد الحجرية في كوبيكلي تبه التي تم التنقيب عنها عبر العشرين سنة الماضية على الحدود السورية التركية، وما تزال موضوع جدال علمي حامي الوطيس. يعود تاريخ هذه المعابد إلى حوالي 11 ألف سنة، نهاية العصر الجليدي الأخير، وتتألف مما لا يقلّ عن عشرين نصباً حجرياً ترتفع على الأجزاء الجرداء الآن من سهل حرّان. صُنِعَ كلٌّ منها من أعمدة من الحجر الجيري بطول أكثر من خمسة أمتار ووزن يصل إلى طن (تعتبر هامة وفقاً لمعايير منطقة ستونهنج، وحوالي 6 آلاف سنة قبل ذلك). تقريباً كل عامود في كوبيكلي تبه هو عملٌ فنيٌّ مميز، مع نقوش ناتئة بارزة على السطح لحيوانات خطرة، أعضاؤها التناسلية الذكرية واضحة بقوة. طيور جارحة منحوتة تظهر مجتمعة مع صور لرؤوس بشر مقطوعة. تشهد المنحوتات على مهارات نحتية، مشحوذة بلا شك في الخشب الأكثر مرونة (الذي كان وقتها متوفراً بكثرة على التلال الواقعة عند سفوح جبال طوروس)، قبل أن تُطبّق على قوالب حجرية من حرّان. ومما يثير الاهتمام، أن كل واحدة من هذه الهياكل الضخمة، على الرغم من حجمها، لها مدة حياة قصيرة، تنتهي في احتفال ضخم أو ردم سريع لجدرانها: هياكل ترتفع إلى السماء، فقط لتدمَّر بسرعة مرة أخرى. والأبطال في ألعاب ومسابقات ما قبل التاريخ هذه - التي تتضمن الولائم، البناء، والهدم - كانوا، حسب معرفتنا، صيادين-مُلتقطين، يعيشون على الموارد البرية فقط.

kyf_ngyr_mjr_ltrykh_3.jpg

التنقيبات الأثرية في كوبيكلي تبه. المصدر: موقع فليكر
التنقيبات الأثرية في كوبيكلي تبه. المصدر: موقع فليكر

ما الذي نستنتجه إذن من كلّ هذا؟ أحد الاستجابات العلمية تقول بالتخلي تماماً عن فكرة العصر الذهبي المساواتي، وتخلص إلى أن المصلحة الذاتية العقلانية وتكديس السلطة هما القوتان الدائمتان خلف التطور البشري الاجتماعي. ولكن هذه فكرة غير نافعة أيضاً. الشواهد على تفاوت مؤسساتي في مجتمعات العصر الجليدي، سواء على شكل مدافن ضخمة، أو مبانٍ أثرية، ليست إلا دلائل متفرقة. المدافن تظهر فعلياً على بعد قرون، وغالباً مئات الكيلومترات، عن بعضها بعضاً. وحتى إذا أرجعنا ذلك إلى تفاوت هذه الأدلة في الأهمية، فسيكون علينا أيضاً أن نسأل عن سبب هذا التفاوت الكبير: في آخر الأمر، لوكان أي من «أمراء» العصر الجليدي قد تصرف بشكل مشابه لأمراء العصر البرونزي مثلاً، لكنّا وجدنا أيضاً تحصينات، مخازن، وقصور – كل البهارج المعتادة في الدول الناشئة. لكن، ما وجدناه عبر عشرات الآلاف من السنين كان فقط نصُباً ومدافن فخمة، مقابل القليل مما قد يشير إلى نمو مجتمعات تراتبية. هنالك أيضاً عوامل أخرى، وأكثر غرابة، مثل حقيقة أن معظم المدافن «الأميرية» تحتوي أفراداً ذوي شذوذات جسدية مدهشة، ممن قد يُعتبرون اليوم عمالقة، حُدْب، أو أقزام.

إن نظرة أشمل على الشواهد الأثرية تقترح مفتاحاً لحلّ المعضلة، هو الإيقاعات الفصلية للحياة الاجتماعية ما قبل التاريخ. معظم مواقع العصر الحجري القديم التي ناقشناها حتى الآن مرتبطة بدليل على فترات من التجميع تكون إما سنوية أو لمرة كل سنتين، حسب هجرة قطعان الطرائد – سواء أكانت الماموث الصوفي، ثور السهول، الرنّة أو (في حالة كوبيكلي تبه) الغزال – بالإضافة إلى دورات حياة السمك ومواسم حصاد الجوز. في الأوقات الأقل حظاً من السنة، على الأقل بعضٌ من أسلافنا من العصر الجليدي عاشوا بلا شك وقاموا بالتجميع ضمن عُصَب صغيرة.

لكن ثمة أدلة قاطعة تُظهِرُ أنهم في الأيام الأخرى من العام احتشدوا في جماعات ضمن نوع من «المدن الصغيرة» كالتي وجِدَت في دولني فوستونيس، في حوض مورافيا جنوب برنو، وكانوا يقتاتون على الوفرة الكبيرة من الموارد البرية، وينخرطون في طقوس معقدة، مشاريع فنية طموحة، ويتاجرون لمسافات بعيدة بالمعادن، القواقع البحرية، وجلود الحيوانات. المقابل في أوروبا الغربية لمواقع التجميع الموسمية هذه هو الملاجئ الصخرية الكبيرة في بيريغورد الفرنسية وساحل كانتابريا، برسوماتهم ونقوشهم الشهيرة، التي شكلت أيضاً جزءاً من دورة سنوية من التجمع والتفرق.

إن هذه الأنماط الموسمية من الحياة الاجتماعية استمرت لفترة طويلة بعد «اختراع الزراعة»، ويُفترَض أن تكون قد غيرت كل شيء. الشواهد الجديدة تُظهر أن تناوبات من هذا النوع قد تكون مفتاحاً لفهم الآثار الشهيرة الموجودة في سهل ساليسبري وتعود للعصر الحجري الحديث، وليس فقط من حيث رمزيتها بالنسبة للتقويم السنوي.

ستونهنج، كما يبدو، كانت فقط الأخيرة ضمن سلسلة طويلة جداً من الهياكل الطقوسية، المبنية في الخشب وفي الحجر، حيث تجمّعَ الناس على السهل قادمينَ من الزوايا القصية للجزر البريطانية، في أوقات هامة من السنة. ولقد أظهر التنقيب المتأني أن العديد من هذه الهياكل – التي تُفسَّر الآن على أنها كانت نُصُباً تذكارية للأجداد الأعلى لسلالات قوية من العصر الحجري الحديث – كانت قد فُكِّكَت فقط بعد أجيالٍ قليلة من بنائها. الأكثر غرابة من هذا، أن هذا الطقس ببناء وتفكيك آثار ضخمة يتزامن مع فترة كانت فيها شعوب بريطانيا، بعد أن أخذت عن أوروبا القارية نظام الاقتصاد الزراعي الذي يعود للعصر الحجري الحديث، قد بدأت بالتراجع عن جانب واحد منها على الأقل، وذلك بالتخلي عن زراعة الحبوب والعودة – تقريباً سنة 3300 قبل الميلاد – إلى جمع البندق كمصدر غذاء بديل. يمكن القول إن بنّائي ستونهنج، بحفاظهم على قطعان المواشي، التي كانوا يتغذون عليها موسمياً عند جدران دورينغتون المجاورة، لم يكونوا جامعين ولا مزارعين، بل شيئاً بين هذا وذاك.

وإذا بقي قصرٌ ملكيٌ مثلاً صامداً في موسم الأعياد، عندما كانوا يجتمعون بأعداد كبيرة، فإنه سوف يتلاشى لمعظم السنة، عندما يتفرق هؤلاء مرة أخرى عبر الجزيرة.

لماذا تُعَدُّ هذه التغيرات الموسمية مهمة؟ لأنها تُظهِر أنه منذ البداية، كان البشر عن وعي ذاتي يختبرون احتمالات اجتماعية مختلفة. يصف الأنثروبولوجيون مجتمعات من هذا النوع على أنها تمتلك «تكويناً مزدوجاً». مارسيل موس، حين كتب في بدايات القرن العشرين، لاحظ أن شعب الإنويت (الأسكيمو) حول القطب، «ومثلهم العديد من المجتمعات ... كان لديهم تركيبتان اجتماعيتان، واحدة في الشتاء وواحدة في الصيف، وبالتوازي معهما يأتي نظامان من القانون والدين». في شهور الصيف، كان الإنويت يتوزعون إلى عُصَب صغيرة ذات سلطة أبوية ويقومون بمطاردة أسماك المياه العذبة، الوعل، والأيائل، بحيث تكون كل مجموعة خاضعة لسلطة عجوز ذكر واحد. لقد كانت الملكيات تُحدَّدُ بشكل واضح، ويمارس الآباء سلطة قسرية، وأحياناً استبدادية على أقاربهم. لكن في شهور الشتاء الطويلة، عندما تتوافد الفقمات وعجول البحر إلى شواطئ القطب الشمالي، تسيطر بشكل كامل بنية اجتماعية مختلفة، عندما يتجمّع الإنويت لبناء مجمّعاتٍ كبيرة من الخشب، أضلاع الحيتان، والحجر. في هذه المجمعات، فضائل مثل المساواة، الإيثار، والحياة الجماعية كانت تسود؛ تتم مشاركة الثروة؛ ويتبادل الأزواج والزوجات شركاءهم بمباركة سِدنا، آلهة الحيتان.

مثالٌ آخر هو الصيادون-المُلتقطون المحليون في الساحل الشمالي الغربي لكندا، الذي كان الشتاء بالنسبة لهم – وليس الصيف – هو وقت تبلور المجتمع إلى شكل التفاوت الأعلى، وبشكل يثير الدهشة. القصور المبينة من ألواح خشبية بدأت بالظهور على طول سواحل كولومبيا البريطانية، مع نبلاء متوارثين يتحكمون بالعامة والعبيد، ويقيمون الولائم الكبيرة التي كانت تعرف باسم «بوتلاتش». لكن هذه القصور الأرستقراطية كانت تُفكَّكُ لأجل أعمال الصيف وموسم الصيد، وترجع إلى كونها تشكيلات قبليّة صغيرة، تراتبية أيضاً، لكن مع بنية مختلفة تماماً وأقلّ رسمية. في هذه الحالة، كان الناس يتخذون أسماء مختلفة لكل من الصيف والشتاء، ويصبحون فعلياً أشخاص آخرين تبعاً لكل وقت من السنة.
الأكثر غرابة ربما، فيما يخصّ التقلبات السياسية، هي الممارسات الموسمية للاتحادات القبلية في السهول الأميركية الكبرى في القرن التاسع عشر – المزارعون الذين اتخذوا حياة صيد رحالة لبعض الأوقات، أو لمرة واحدة. في آخر الصيف، كانت عُصَب صغيرة وكثيرة الحركة من هنود اللاكواتا والشايان تتجمع في مستوطنات كبيرة لتقوم بتحضيرات عملية لصيد الجاموس. في هذا الوقت الحَرِج من السنة، كان هؤلاء يعيّنون قوة شرطة تمارس كل القوى القسرية، بما يشمل الحق بسجن، جلد، أو فرض غرامة على أي جانٍ يهدد إجراءاتهم. لكن كما لاحظ الأنثروبولوجي روبرت لوي، هذا «الحكم الاستبدادي المطلق» كان يطبّق حصراً على أساس موسمي مؤقت، مما كان يفسح المجال للمزيد من أشكال التنظيم «الفوضوية» – والطقوس الجماعية التي تتبعها - حالما ينتهي موسم الصيد.

العلم لا يتقدم دوماً للأمام. أحياناً ينزلق إلى الوراء. قبل مئات السنين، فهم معظم الأنثروبولوجيين أن هؤلاء الذين يعيشون بشكل رئيسيّ على الموارد البرية لم يكونوا، عادة، محصورين في نطاق «عُصَب» صغيرة. تلك الفكرة هي فعلياً نتاج فترة الستينات، عندما أصبح شعب بوشمن في كالاهاري وأقزام مبوتي الصورة المفضلة عن البشرية البدائية لمعظم مشاهدي التلفاز وللباحثين على حد سواء. وبنتيجة ذلك، لاحظنا عودة فكرة المراحل التطورية، غير المختلفة كثيراً عن تراث عصر التنوير الاسكتلندي: هذا ما كان فوكوياما، على سبيل المثال، يستند إليه عندما كتب عن مجتمع يتطور باطراد من «عصب» إلى «قبائل» إلى «عشائر»، ثم أخيراً إلى شكل «الدول» المعقد والطبقي الذي نعيش فيه الآن، المحدد عادة باحتكار «الاستخدام المشروع للقوة القسرية». لكن، بهذا المنطق، كان يجب على اللاكواتا والشايان أن «تتطور» مباشرة من عُصَب إلى دول في كل مرة يحلّ فيها تشرين الثاني، ومن ثم «تنحدر» مرة أخرى في الربيع. يدرك معظم الأنثروبولوجيين اليوم أن هذه التصنيفات غير ملائمة بشكل ميؤوس منه، ولكن لم يقترح أحد طريقة بديلة للتفكير في تاريخ العالم بمعناه الأوسع.

بعيداً عن ذلك، تقترح الشواهد الأثرية أنه في البيئات الموسمية جداً في العصر الجليدي الأخير، كان أجدادنا البعيدون يتصرفون عامةً بطرق مشابهة: ينتقلون ذهاباً وإياباً بين ترتيبات اجتماعية متناوبة، مما يسمح بصعود بنى سلطوية خلال أوقات معينة من السنة، بشرط أنها لا تستطيع الاستمرار؛ على أن يكون مفهوماً أن لا نظام اجتماعي بعينه سيكون ثابتاً أو غير قابل للتغيير. ضمن التجمع السكاني نفسه، قد يعيش المرء فيما يبدو، من بعيد، أحياناً كعُصبة، أحياناً كقبيلة، وأحياناً كمجتمع مع كثير من السمات التي نَسِمُ بها الدول الآن. مع تلك المرونة المؤسساتية تأتي القدرة على أن نخطو خارج حدود أي بنية اجتماعية ونعكسها؛ أن نصنع ونفكّك العوالم السياسية التي نعيش فيها. يُفسِّرُ هذا، على الأقل، «الأمراء» و«الأميرات» من العصر الجليدي الأخير، الذين يظهرون، في عزلة مهيبة، كشخصيات في حكاية خرافية أو دراما تاريخية. وربما كانوا كذلك حرفياً. إذا كان هؤلاء قد تولوا الحكم حقاً، فلا بد أن ذلك كان، مثل ملوك وملكات ستونهنج، لفصل واحد فقط.

5- حان الوقت لإعادة التفكير

يبدو أن لدى المؤلفين المعاصرين ميلاً لاستخدام مرحلة ما قبل التاريخ كأساس لحلّ المشاكل الفلسفية: هل البشر طيبون في أصلهم أم أشرار، متعاونون أم متنافسون، مساواتيون أو طبقيّون؟ وبالنتيجة، هم يكتبون كما لو أن المجتمعات البشرية، لحوالي 95 % من تاريخ جنسنا، كانت كلّها متشابهة. ولكن حتى أربعون ألف سنة هي مدة طويلة جداً جداً من الزمن. ويبدو مرجحاً إلى درجة كبيرة، والأدلّة تدعم ذلك، أنه حتى هؤلاء البشر الأوائل، الذين احتلّوا معظم الكوكب، اختبروا أيضاً تنوعاً كبيراً في الترتيبات الاجتماعية. وكما أشار كلود ليفي شتراوس مراراً، إن البشر العاقلين الأوائل (الهوموسابيان الأوائل) لم يكونوا فقط متشابهين جسدياً مع البشر المعاصرين، بل كانوا نظراءنا الفكريين كذلك. في الحقيقة، كان معظمهم أكثر وعياً بإمكانية المجتمع مما هم البشر اليوم، إذ كانوا ينتقلون بين أشكال مختلفة من التنظيم كل سنة. وبدلاً من الركون إلى حالة براءة بدائية، إلى أن استطاع جنيُّ التفاوتِ التحرر، يبدو أن أسلافنا ما قبل التاريخ قد نجحوا بفتح وإغلاق زجاجته بشكل منتظم، بجعل التفاوت مقتصراً على المسرحيات الطقوسية، وبناء الآلهة والممالك كما يبنون نُصُبهم، ثم بتفكيكها بابتهاج مرة أخرى.

إذا كان الأمر هكذا، فالسؤال الحقيقي ليس «ما هي أصول التفاوت الاجتماعي؟»، بل، بما أننا عشنا معظم تاريخنا ننتقل ذهاباً إياباً بين نُظُم سياسية مختلفة، السؤال هو «كيف عَلِقنا هكذا؟». إن هذا بعيدٌ جداً عن فكرة انسياق مجتمعات ما قبل التاريخ على نحو أعمى باتجاه القيود المؤسساتية التي كانت تربطهم. وهو أيضاً بعيدٌ عن النبوءات المتشائمة لفوكوياما، دايموند، موريس، وشايدل، بأن أي شكل «مُعقّد» من التنظيم الاجتماعي يعني بالضرورة أن نخباً صغيرة ستتحكم بالموارد الرئيسية، وتدوس كل شخص آخر تحت أقدامها. إن معظم العلم الاجتماعي يتعامل مع هذه التكهنات المحبِطة على أنها حقائق بديهية. ولكنها طبعاً بلا أساس. لذا، يمكن لنا بشكل منطقي أن نسأل، أية حقائق ثمينة أخرى يجب الآن أن تُرمى إلى كومة غبار التاريخ؟

عددٌ كبيرٌ لا بدّ. في السبعينات، تنبأ دافيد كلارك، عالم الآثار البارز من كامبردج، أنه بواسطة البحوث الحديثة، يمكن تقريباً لكل جوانب البناء القديم للتطور البشري، «تفسيرات تطور الإنسان الحديث، التدجين، التعدين، التمدّن والحضارة – أن تظهر من زاوية معينة كما لو أنها فخاخ دلالية وخيالات ميتافيزيقية». ويبدو أنه كان على حقّ. اليوم تتدفق المعلومات من كل جزء من العالم، بناء على عمل تجريبي متأنٍ، تقنيات متطورة في إعادة بناء الظروف المناخية، تأريخٌ بواسطة الكرونومتر، وتحليلاتٌ علمية للبقايا العضوية. يتفحص الباحثون الآن المواد التاريخية والإثنوغرافيّة في ضوءٍ جديد. وتقريباً كل هذه البحوث الجديدة تتعارض مع الرواية المألوفة عن تاريخ العالم. مع ذلك، تبقى الاكتشافات الأكثر أهمية مقتصرة على عمل المختصين، أو يجب أن تُستَنتج بالقراءة ما بين السطور في المنشورات العلمية. لنختم إذن ببعض العناوين العريضة الخاصة بنا: فقط بضع خلاصات لإعطاء معنى لما قد بدأ يبدو عليه الشكل الجديد الناشئ لتاريخ العالم.

المفاجأة الأولى في قائمتنا تخصّ أصول وانتشار الزراعة. لم يعد يوجد الآن ما يدعم فكرة أن الزراعة حددت انتقالاً رئيسياً في المجتمعات البشرية. في أجزاء العالم حيث دُجِّنَت أول الحيوانات والنباتات، لم يوجد فعلياً أي «تحوّل» واضح من جَامِعٍ في العصر الحجري القديم إلى مُزارعٍ في العصر الحجري الحديث. و«الانتقال» من العيش بشكل رئيسي على الموارد البرية إلى حياة قائمة على إنتاج الطعام استغرق تقريباً حوالي ثلاثة آلاف سنة. صحيحٌ أن الزراعة أتاحت إمكانية أكبر لتركّز مُتفاوتٍ للثروة، لكن ذلك في معظم الحالات لم يحدث قبل مضي آلاف الأعوام من بدئها.

إلى أن حدث ذلك، كان الناس في أماكن بعيدة مثل الأمازون والهلال الخصيب في الشرق الأوسط يحاولون الزراعة بحجم محدود، «زراعة على سبيل التسلية»، إذا صحَّ القول، متنقلّين سنوياً بين وسائل إنتاج مختلفة، تقريباً كما يتنقلون بين بنى اجتماعية مختلفة. علاوة على ذلك، إن «انتشار الزراعة» إلى مناطق ثانوية مثل أوروبا، والذي يوصف غالباً في اللغة الانتصارية على أنه بِدءُ التراجع المحتوم للصيد والالتقاط، تبيّنَ أنه عمليةٌ هشّةٌ إلى درجة كبيرة قد تفشل أحياناً، مما يفضي إلى انهيار ديموغرافي للمزارعين، وليس للجامِعين.

من الواضح أنه لم يعد ثمة معنى لاستخدام عبارات مثل «الثورة الزراعية» أثناء الحديث عن مراحل بهذا التعقيد والامتداد الطويل. وبما إنه لم يكن هنالك مرحلة شبيهة بجنة عدن، افتُرِضَ أن المزارعين الأوائل بدأوا منها خطواتهم الأولى على طريق التفاوت، فقد صار أقلّ معنىً أن نتحدث عن الزراعة بوصفها تُحدِّدُ بدايات تشكل الطبقات أو الملكية الخاصة. كل ما يمكن قوله، أنه بين هذه الشعوب – شعوب «العصر الحجري الأوسط» – الذين رفضوا الزراعة عبر القرون الدافئة في أوائل حقبة الهولوسين، يمكن أن نجد الطبقية وهي تزداد رسوخاً؛ على الأقل، إذا أمكن الاعتماد على المدافن الفاخرة، الحروب الضارية، والمباني الأثرية. في بعض الحالات، كما في الشرق الأوسط مثلاً، يبدو أن المزارعين الأوائل قد طوروا عن وعي أشكالاً بديلة من الجماعات، لتتلاءم مع طريقة حياتهم المزدحمة بالعمل. إن مجتمعات العصر الحجري الحديث هذه تبدو مساواتية بدرجة ملفتة للنظر إذا ما قورنت بجيرانها من الصيادين-المُلتقطين، مع تصاعد كبير في الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للنساء التي تنعكس بوضوح في حياتهم الفنية والطقوسية (يمكن أن نلاحظ هنا الاختلاف بين التماثيل النسائية في أريحا أو تشاتال هويوك والمنحوتات شديدة الذكورية في كوبيكلي تبه).

المفاجأة الثانية: «الحضارة» لا تأتي كحزمة واحدة. مدن العالم الأولى لم تظهر ببساطة في بضع مواقع، أو مع نُظُم حكومة مركزية وتحكم بيروقراطي. في الصين، على سبيل المثال، بتنا نعرف الآن أنه بحلول عام 2500 قبل الميلاد، وجِدت مستوطنات بمساحة 300 هكتار أو أكثر على الضفاف الدنيا للنهر الأصفر، وذلك قبل أكثر من ألف سنة على تأسيس السلالة الملكية الأولى (شانغ). على الجانب الآخر من المحيط الهادي، وتقريباً في المرحلة نفسها، اكتُشِفَت مراكز احتفالية بأحجام مدهشة في وادي ريوسوب في البيرو، لا سيما في مدينة كارال: بقايا غامضة لساحات غارقة ومنصات ضخمة، تعود لحوالي أربع آلاف سنة قبل إمبراطورية الإنكا. إن اكتشافات حديثة مثل هذه تُظهِرُ قلّة ما نعرفه حقاً عن توزع وأصل المدن الأولى، وتكشف أن هذه المدن يمكن أن تكون أقدم بكثير من نظم الحكومة الاستبدادية والإدارة الفعلية التي افتُرِضَ سابقاً أنها ضرورية لتأسيس تلك المدن.

وفي معاقل التمدن الأكثر رسوخاً - بلاد الرافدين ، وادي السند، حوض المكسيك - هنالك دلائل متزايدة أن المدن الأولى كانت مُنظَّمة بدافع من وعي ذاتي وفقاً لطرق مساواتية، تجلّت في مجالس بلدية تتمتع باستقلال ذاتي واسع عن الحكومة المركزية.

في أول منطقتين من هذه، ازدهرت مدنٌ ذات بنى تحتية مدنيّة متطورة لأكثر من خمسمئة عام دون أي أثر لمدافن أو مبانٍ ملكية، أو جيوش دائمة، أو أيّ مظهر يدلّ على قمع واسع، وبدون أي إشارة لتحكم بيروقراطي مباشر على معظم نواحي حياة المواطن.
بصرف النظر عمّا قاله جارد دايموند، لا يوجد مطلقاً أي دليل أن بنى حكم طبقية «أعلى-أدنى» هي النتيجة الضرورية للمنظمات واسعة النطاق. وعلى عكس ما قاله والتر شايدل، ببساطة ليس صحيحاً أن الطبقات الحاكمة، التي تأسَّست سابقاً، لا يمكن التخلص منها إلا بكارثة عامة. لنأخذ مثالاً موثقاً جيداً عن ذلك: حوالي عام 200 ميلادي، مدينة تيوتيهواكان في وادي المكسيك، بعدد سكان 120 ألفاً (إحدى أكبر مدن العالم في ذلك الوقت)، قد خضعت على ما يبدو لتحول عميق، بأن تخلّت عن المعابد الهرمية والتضحيات البشرية، وأعادت بناء نفسها على شكل مجموعة واسعة من الدور المريحة، كلّها تقريباً بالحج نفسه، وبقيت كذلك لحوالي 400 سنة. وحتى في عهد كورتيس، كان وسط المكسيك ما يزال موطن مُدن مثل تلاكسكالا، تديرها مجالس منتخبة كان أعضاؤها يُجلدون بشكل دوري من قبل ناخبيهم ليتم تذكيرهم بمن هو الحاكم في آخر الأمر.

إن الأجزاء كلها موجودة لبناء تاريخ مختلف تماماً للعالم. لكننا كنا لمعظم الوقت، معميين جداً بأحكامنا المسبقة لنتمكن من رؤية مضامينه. على سبيل المثال، تصرّ الأغلبية اليوم أن الديموقراطية التشاركية، أو المساواة الاجتماعية، يمكن أن تنجح في جماعة صغيرة أو مجموعة ناشطة، ولكن لا يمكن أن «ترتفع» لسوية مدينة، منطقة، أو دولة. لكن الأدلة التي أمام أعيننا، إذا قررنا أن ننظر إليها، تشير إلى العكس.

المدن المساواتية، وحتى التحالفات الإقليمية، هي تاريخياً مألوفة، بينما العائلات والبيوت المساواتية ليست كذلك. وحالما يتوفر الحكم التاريخي، سنرى أن خسارة البشر الأكثر إيلاماً لحريتهم بدأت على المستوى الضيق - مستوى العلاقات بين الجنسين، الفئات العمرية، والعبودية المنزلية - أي نوع العلاقات التي تحتوي الألفة الأكبر وأعمق أشكال العنف الهيكلي في الوقت نفسه. إذا أردنا أن نفهم حقاً كيف أصبح مقبولاً لدى البعض أن يحولوا الثروة إلى نفوذ، ولدى آخرين أن ينتهي الأمر إلى إخبارهم أن حاجاتهم وحياتهم غير ذات أهمية، فيجب أن ننظر هنا، على المستوى الضيق. هنا أيضاً، كما نتوقع، هو حيث يجب أن يحدث العمل الأصعب لخلق مجتمع حرّ.