كيف نكتب عن الصداقة؟

رقيقة كقشرة ليمونة

كاعتصار الندى على ظهر الفراشات

صراخ القبور الفارغة من الياسمين،

الممتلئة بالأحلام

امتلاء العتبات بالصقيع البني

كإشارات مرورٍ مكسورة اللون الأصفر

كنحتٍ للذكريات على الغبار

كمسيحٍ أُجهض بالشهر السابع

صرخ باكياً من تحت الأنقاض

لا وقت للميلاد في المدينة

فليكن صلباً مؤبداً

وقياماتٍ رهن الوقت لا تُحصى

حلب

مع حبّي

-كنان كبّة

هذه المحاولة ليست سوى المقدمة أو أقل. من يكتب الفصل الأوّل.

الصداقة مقعدٌ تستريح عليه. تشلح همومك وتلقيها بوجه رفيق(ة) الأيّام العاصفة، فيحمل معك وتَحمِلُ معها. بعض الأصدقاء يخبئون مدنهم وقراهم في جيوبهم. تُطلّ المدينة علينا من أفواه الأصدقاء، في قوافيهم وشتائمهم وحركاتهم. حَمَلَ مدينته على كتفيه ومضى في البلاد البعيدة. حَمَلتْ شارعها. الحي. البيت. والحارة. آخٍ من الحارة. نخرجُ إلى حارتنا بما نلبس في البيت. الحارة صالون الجميع، وهي التي تهدينا أوّل الصداقات. كنت في الإعدادية عندما وعيت أن لي الحق في أن أختار أصدقائي. تلك اللحظة التي تضرب أعماق النفس معلنةً أنه، ببساطة، يمكن لي أن أقرر من يكون رفيق(ت)ي. رفضني البعض، ورفضت بعضاً آخراً. نُعَمِّر بيتاً للأصدقاء، نُسْكِنُ فيه ما مررنا به من تجارب ومغامرات. كيف نحدّد اللحظة التي تنقلنا من مرتبةٍ لأخرى؟

هي خروجٌ عن العائلة، وهي فعل الإنشقاق الأوّل عما رُسِمَ لنا من أقدار. تبدأ معركة المساحات الشخصيّة بانتزاع مساحةٍ للصديق(ة) الأوّل(ى)، ليكون ذلك تمريناً أوّلاً على ترسيم الحدود المتشابكة بين العائلة، والأصدقاء، والعمل. عن طيب خاطر نقضمُ مساحاتٍ من أحدهما ونهديها لآخرٍ جديدٍ في حياتنا. لكنّ بعض الصداقات، وبغمضة عين، قد تتحول إلى جدارٍ يحول بينك وبين ذاتك، تصير باباً يُقْفَلُ عليكْ. سيتطلب نزعها، نزعَ جلدِنا عن جلدِنا. سألتُ نفسي في رحلتي الأخيرة إلى بيروت: كيف نودّع صداقةً ترحل؟ كيف نقول وداعاً إذا كنّا لا نريد أن نقول وداعاً. الصديق كجسرٍ للعبور بين أزمان مختلفة. وجهاً لوجه، أجلسُ مع ذاكرتي في حضرة صديقة الخسارات العاطفية. الصديقة كأمٍّ تحيط وتلملم ما بقي من آثاري. أهرب إلى الأمام وأقفز لعلي أطير. وإذا به، هوَ، يلقاني بيدين مفتوحتين، وابتسامة. أوّل صديقة كانت أوّل حُب، أوّل الإحساس أن هناك شيء لي في الخارج. خيطٌ رفيعٌ يفصل أو يكاد بين مرتبتين: قد تصير الصديقة حبيبة، وكثرٌ يقولون لا (حازمة)، لا لاستعادة الحبيب صديقاً. أنوّع في صداقاتي بين المسرح، والجامعة، والعمل. كلٌّ يعرف عني نتفاً. نتفٌ من هنا ونتفٌ من هناك. أوزّع نفسي على نفسي المتناثرة بينهم بغير عدل. نكبرُ معاً ولمّا ننكسر، يشدّنا ساقُ بعضهم على بعضنا، فنلتئم. لا تذبل الشتلة لأنها لم تأخذ كفايتها من الماء آخر المساء، بل لأنك لم تمسّي عليها وتحدّثها عن يومك الذي مضى. هي أكثر العلاقات امتداداً، عبوراً، تحوّلاً وتكيّفاً مع كل ما جرى ويجري. مَنْ يحتوي مَنْ: الحب أم الصداقة؟ 

أدخل المخيم من طرف سوق صبرا قاطعاً زواريبه الضيقة، أرى صوراً مبتسمةً لراحلين ثُبِّتت على حيطان متشققة. لِمن تبتسم اليوم؟ عرفت فلسطين عندما صادقت شلّة مخيّم اليرموك. كانت فلسطين شعاراتٍ كبيرةً جداً، وسبّابةً عدوانية. أحببتُ فلسطين أصدقائي، لا تلك التي تكلموا لنا عنها. هناك، في مخيم شاتيلا في بيروت، انضممت إلى فريقٍ شابٍّ يرغب في التطوع لمساعدة الناس الهاربين من سوريا، من بلدي. يهربون من لعنةٍ قاهرةٍ أصابت البلد في مقتل منذ أكثر من خمسين عاماً. إلى الطابق السادس في المخيّم، أدخل المركز الاجتماعي التابع للجمعية، أوزّع سلامي على مَنْ أرى، وأصعد الطوابق واحداً تلو الآخر. ألتقي بشخصيات لا بُدّ أنّها خرجت من روايات الأبطال الشعبية. البلد الذي كنّا نلخّصه بجملة واحدة مملة ورتيبة، تفجّرَ قصصاً وحكايات. أصل السطح وأنبطح مباشرة على الأرض؛ خشيةَ أن تدفعني قنابل الكلام المتطايرة في كل اتجاه. كنّا نناقش كل شيء، نتحدّث في كل شيء، نختلف في كل شيء، ونتفق، رُبّما، على أن نكمل النقاش في اليوم التالي. هناك شعرت بهدية الثورة السوريّة الأغلى: الحقَّ في الكلام. في مراكز الجمعية في بيروت والبقاع وطرابلس وتركيا، لم يكن الوضع مثالياً في أي شيء، ولكنّه كان حقيقيّاً وصادقاً. كنّا مجموعة عقدٍ وتناقضات، ورثنا عقوداً من الصمت والخوف، وكنّا أيضاً مجموعةً مندفعةً إلى أقصاها، تريد أن تشعر بآدميتها رغماً عن هستيريا الجنون المنفلت ضدّ الناس. في غمرة نقاشٍ تلعلع أصوات المشاركين فيه، ألحظ شابّاً بشعرٍ مجعّدٍ طويل يحاول أن يقحم نفسه فيه. ظهر كما لو أنّه يُعدّ جواباً حاسماً حول موضوع النسويّة، وبحركةٍ بهلوانية، كحكمٍ في حلبة مصارعة، تقدّم إلى الأمام: «شبااااااب ثواني شوي هلق ثواني في شي حابب قولو». سكت الجميع. نظرنا نحوه في انتظار الجواهر التي سينطقها. أخذت القصة معه بضع ثوانٍ، ثمّ استدرك: «هلق مين جوعان!؟». هناك تعرّفت عليك لأوّل مرّة. 

بعد سنوات، وفي ألمانيا، كنت قد أمضيت السنة الأولى في مخيّمٍ على أطراف بلدةٍ في الريف. بدا أنّ الوحش المسمّى وحدةً يتمدّد ويتمكن منّي أكثر فأكثر. يغيب الأصدقاء فيظهر ظلّي. يقذفني الفراغ، الهدوء المطبق حولي، إلى الماضي، إلى الغوص فيّ. الوحدة أوقح من أن تحتاج إلى مجازٍ يُعبّر عنها. في صيف الـ 2018، الصيف الزلزال، كان هنالك سجائر، وسماعات، وكتاب لم أقرأ فيه صفحة واحدة. أقطع يومياً مسافة 20 كيلو متر كي أصل إلى مكاني الذي أحب. أجلس على مقعدٍ أمام نهر الراين لساعاتٍ طويلة. الراين كصديق مؤقت. أُحدّثُ نفسي في حضور الماء والمدى الأوسع؛ ماذا لو قَبِلَ النيل دعوتي على العشاء؟ ما هي كلماتك الأولى بينك وبين البحر المتوسط أوّل الصباح؟ في حلب شربتُ عشرين سنةٍ من مياه الفرات. هل أطبخُ يوماً ما للفرات؟ لكنني فاشلٌ في الطبخ. ربما أعدّ له سندويشة العشاء، وكاس شاي. في ذاك النهار الصيفي، كنت عائداً إلى غرفتي في المخيم، هاتفتُك وأخبرتك عن فشلي بالجملة والمفرق، وخسارتي الكبرى، آنذاك: "كسسسسسسسسسسسسسس". كان ذاك جوابك الكلاسيكي الأولي على أي شيء. إنّه الكائن الفرويدي الذي يعيش داخلك. استمعتَ إليّ بكل جوارحك ثم قلت: «ازهدْ في الدنيا يا رفيقي». أعزّ الصداقات وأعمقها نفاذاً هي تلك التي ولّدها ظرفٌ عامٌّ يَمسُّ الجميع.. في يوم الفاجعة، اليوم الذي طال بعض الشيء، تندلق المشاعر في كل اتجاه، وهي إذ تُخيّط ثقوب الروح وتضمّد بعضاً من جراحنا، تشدّ القليل الذي كان يجمعنا بعضَه على بعض. قليلٌ سيكفينا العمر كلّه. ننتمي لتلك اللحظة التي استقلّت عنّا، وبدأت تخلق طريقها على زاوية كل موقفٍ وحادثةٍ ومناسبة. لم نخطط لها ولم نغرق في التفكير بمآلاتها. هذه الصداقات حدثت فقط، وهذا كل ما في الأمر. كيف تُغيرنا الصداقة؟

يهوى الفنترة على الصواب السياسي، لا لشيء، بل لمتعة الفنترة. هو المفتون بالسؤال وحبيب اللغة. الشغوف بالكلام كراديو بمخيلة تمشي على قدمين. نغمُ حلب يسري في أعماقه. لو أنّه أعُجب بجملةٍ صارت له، مَلَكَهَا. كريمٌ في مشاعره، وفي شعره وفي نثره، يقدّم بعضاً من روحه لكل الناس. يعجن حزن العالم على شكل كرةٍ ويشوطها: «كس اختك اذا بترجعي»، لكنّها تأبى. محترف السخرية اللاذعة، ومبدع الشتائم. يكتب عن السرطان فيجلسه على فنجان قهوةٍ ويسأله: «إش وجعك؟»، يعبر بنا في أزقة مدينته الحبيبة، في التلل، في العزيزية والسليمانية، وفي ساحة الحطب، هناك نُعاينُ ذاكرة عائلته؛ إذ يروي لنا حادثة عمادة أخيه «المدلل الحقيقي». نسترق النظر من ثقب الباب الحديدي لنشاهد أولى مغامراته في الحب، ثمّ نستدير. وعلى شرفة سطوح غرفته، نُطّل هناك على بلدنا الفاجعة. وفي نصٍّ هائل، في «حُبِّ الصدّيق السكَّرة»، يُحدّق مستغرقاً في عين أسئلته الشخصيّة ومحاكماته الذاتيّة. يُجرّب أن يقول كيف كان وكيف يريد أن يكون. علّمتني أنتَ أن أكون أبسط وأقرب من نفسي، ألا أتكلّف في التعبير، أن أمشي للأمام ما استطعت، أن أتواضع في لحظة النجاح. علّمتني كيف أبتسم بُحبّ العنيد الرقيق. لك أن تُحدّث العالم كلّه لمدّة خمسين ساعة متواصلة عن أي شيء، وأي موضوعٍ وأيّة فكرة، ولنا أن نكون محظوظين بك، في أن نكون بوجودك، وبالقرب منك. كنكون القلب، ماذا نقول في حُب أصدقائنا؟

لمن لا يعرفك: أن تلتقي كنان كبّة، يعني أنّك على موعدٍ مع حلب. 

تعيش اللحظة الممتلئة بالحب،

تعيش صداقتنا الخالدة أبداً.

بحبّك كنكون