كيف يساعد القانون الدولي الأسد وبوتين

 

 

بقيت مقاومة الاحتلال نشطة، إلى أن اندلعت بين 1925 إلى 1927 انتفاضة واسعة النطاق. ثار الدروز تحت شعار مناهض للطائفية «الدين لله والوطن للجميع»، وانضم لهم فلاحو الغوطة، المتّقدون بالحماس القومي القادم من دمشق القريبة. قصفت فرنسا قرى الغوطة – وهي البلدات التي هدّمها قصف الأسد اليوم – واستدعت قواتها المستعمرة من المغرب والسنغال لإخماد الثورة. احترق حي سكني عن بكرة أبيه في دمشق القديمة جرّاء القصف الفرنسي، وهو الحي الذي يسمّى منذ إعادة بنائه «الحريقة». هذا المكان سيشهد أول مظاهرة حاشدة في دمشق عام 20111.

قبل نحو مائة عام، جرى قصف دمشق. قصفتها ما كانت تُعتبر منذ 1923 السلطة «الشرعية» فيها، أي إدارة الانتداب الفرنسية2. جرى استخدام القوة المسلحة رداً على انتفاضة شعبية، موديةً بحياة أكثر من 500 شخص. وصفت فرنسا الوضع بأنه أعمال لصوصية، وردّت عليه بما اعتبرته إجراءات لحفظ الأمن. من جانبهم، اعتقد سكان البلاد أن ما يجري حرب تستوجب رداً من عصبة الأمم، وأن قوانين الحرب تسري عليها، وأن القصف غير قانوني لأنه يستهدف بلدة زعموا أنها بلا حماية. ما من سبب واضح في الحقيقة لعدم سريان قوانين الحرب على سوريا في ذلك الوقت ما دامت تعتبر جزءاً من النظام القانوني الدولي؛ لا ثقافتها الرجعية المزعومة ولا الوصاية عليها. فقط حين تكون علاقة فرنسا بسوريا علاقة دولة برعاياها يكون لديها الصلاحية الكاملة لقمع الفوضى الداخلية، كالعنف الغوغائي وحالات السطو واللصوصية. وحتى لو افترضنا أن عنف الأهالي في دمشق كان فوضى داخلية فإن الرد الفرنسي كان مغالى به بشكل واضح، وكان يمكن أن يؤدي إلى تدخل إنساني. غير أن الاضطرابات كانت في الواقع أقرب إلى تمرّد مسلّح. يحقّ للمتمرّدين الاستفادة من قوانين الحرب في علاقتهم مع الحكومة الشرعية قانوناً، شريطة أن يستوفوا عدداً من الشروط التي تمثل اعترافهم وقبولهم بالمبادئ العالمية المزعومة من إنسانية وإنصاف وولاء3.

منذ 2011 تتعرض دمشق ومجمل سوريا للقصف مرة أخرى، دوماً مع الإفلات شبه التام من العقاب. الحكومة «الشرعية»، نظام الأسد، هي من يقوم بالقصف، رداً على انتفاضة شعبية، وقد أودت الأعمال القتالية حتى الآن بحياة أكثر من نصف مليون شخص، أكثر من 90% منهم برسم النظام السوري وحلفائه وفقاً لبيانات موثوقة4. وصف النظام التمرّد بأنه مؤامرة أجنبية، ولم يتوقف عن معاملة خصومه السياسيين من مسلحين وغير مسلحين على أنهم إرهابيون. وعليه فهو يعتبر رد فعله إجراءات لحفظ الأمن، ويقتفي أثر الانفصام التأسيسي ضمن القانون الإنساني الدولي الذي يحرم المحاربين «غير القانونيين» من الحماية الدولية. من «الهمج» إلى «الإرهابيين»، ما يزال مبرّر الإقصاء هو هو: إحكام سيادة السلطة الحاكمة عبر الترويج لنوع معين من العنف، وبالتالي تخوين حركات التحرر الوطني بالمطلق5.

«همجُ» أمس أصبحوا اليوم «مقاتلين غير قانونيين»، وهي الرطانة التي تسير على مستويين: رد الدولة على التمرّد؛ والأسس الدولية للتدخل، وكلاهما راهن إلى أقصى حد في الحالة السورية.

تصنيف النزاع السوري بموجب القانون الإنساني الدولي

منذ عام 2012، تم تصنيف سوريا قانونياً كـ «نزاع مسلح غير دولي» كما هو منصوص في المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف وبروتوكولها الإضافي الثاني، ما يعني انطباق القانون الدولي الإنساني6. كان على الحالة السورية، لكي تصنَّف كحالة نزاع مسلح غير دولي، أن تحقق شرطين رﺋﻴﺴﻴين أُسِّس لهما في ﻗﻀﻴﺔ تاديتش: تخطي عتبة الكثافة؛ واشتراك جماعات مسلحة منظمة7. بناءً على نوع الأسلحة المستخدمة والمتكرِّر استخدامُها، فضلاً عن الانتشار الكثيف للقوات الحكومية، يمكن اعتبار عتبة الكثافة متخطاة منذ ربيع عام 2011. غير أن لا صلة على الإطلاق بين مستوى العنف الحكومي بحد ذاته وتفعيل القانون الدولي الإنساني. على الكيان المنافس أيضاً أن يتحقق لديه عنصر التنظيم، ففي غياب جماعة مسلحة منظمة قابلة للتميز تكون القوانين المتعلقة بالنزاع المسلح غير الدولي باطلة. ولاستيفاء شروط القانون الدولي الإنساني، على الجماعة المسلحة إظهار تراتبية؛ وإبراز شعار ثابت يمكن التعرف عليه من بعيد؛ وحمل السلاح بشكل علني؛ وشنّ عملياتها مع إيلاء الاحترام الواجب لقوانين وأعراف الحرب8. إلى أي مدى ينطبق ذلك على سوريا؟

فصائل المعارضة السورية مبعثرة ولا تتبع قيادة مركزية واحدة. وبهذا المعنى، فإن الجيش السوري الحرّ وبنيته اللامركزية لا يحقق عنصر التنظيم، المفرط الشكلانية في الحقيقة. لهذا السبب فشلت لجنة التحقيق في تطبيق القانون الدولي الإنساني في أول تقريرين لها في آب 2011 وشباط 20129. وقتها كانت الحراك المعارض يواجه عنفاً شديداً من جانب الحكومة، لكن دون أن ينطبق عليه تعريف الجماعة المسلحة المنظمة.

والحال أن العسكرة لم تحدث إلا لاحقاً بعد اشتداد النزاع، وكردّ طبيعي على وحشية النظام. فقد تأتّت من الشعور المنطقي بأن المقاومة المدنية لن تكفي لإحداث تغيير مستدام، وأنه فقط حين يُجبَر النظام على الرحيل سوف يرحل. تشكلت ألوية محلية في كل حي كردٍّ عفوي على عنف الدولة. من هنا لم تكن العسكرة قراراً تراتبياً رسمياً موحداً، بل قرارات فردية كثيرة ومنفصلة اجتمعت على حمل السلاح. وقد تشكّل الجيش الحرّ كمظلة جامعة لم تتجاوز «مجموعة ميليشيات، بعضها متحرك، ومعظمها محلّي ودفاعي، يجمع بينها التصميم على الهدف المزدوج المتمثل في سحق النظام وإقامة دولة ديموقراطي10. هذه هي فصائل المعارضة التي كان يتم تقييمها بموجب القانون الدولي الإنساني: ألوية مستقلة محلية تعمل على جبهتَي الدفاع عن مدنها محلياً وإسقاط النظام وطنياً.

سرعان ما نمت هذه الفصائل لتشكل قوة قتالية ذات وزن وثبات وقدرة على تحدّي السيطرة الحكومية. في آب 2012، اعترفت لجنة التحقيق بوجود نزاع مسلح على أساس الكثافة والمدّة و«القدرات التنظيمية المتزايدة للجماعات المسلحة المناهضة للحكومة». إلا أن هذا التقييم ترك مسألة ضرورة التنسيق بين مختلف الألوية دون إجابة.

الالتباس التكويني في القانون الإنساني الدولي

رغم أنه يستحيل إقصاء أحد بشكل تام من قوانين الحرب، إلا أن القانون الدولي الإنساني لديه «آخر» تكويني: الآخر الاستعماري، أو «الهمجي». ويبدو أن هذا الأخير يعاود الظهور في التطبيق الأحدث لهذا القانون كمقاتل غير قانوني. أولى محاولات تدوين قوانين وأعراف الحرب جرت عبر صياغة واعتماد اتفاقيات لاهاي عام 1899، وقتَ كانت أوروبا تحاول تنظيم فصائلها المسلحة غير النظامية11. اللافت أن هذه الفترة تزامنت مع نهاية «التدافع على أفريقيا» وموجة العنف غير المسبوق بين الأوروبيين خارج ديارهم. ومع أن الحروب الاستعمارية لم تُسفر عن محاولة وضع قوانين للحرب، إلا أن مسألة وضع الشعوب غير الأوروبية من قوانين الحرب حظيت بنقاش محتدم طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ثم حين انتهى الاستيلاء الأوروبي على أراضي هؤلاء، أصبحت السردية السائدة بشأن وجود الأوروبيين هي الحفاظ على القانون وليس النزاع المسلح. صارت «التهدئة» هي المنطق الموحّد لتنفيذ المجازر والإفلات التام من العقاب، وهي السردية التي تعيد إلى الأذهان خطاب الدولة السورية حيال الاضطرابات الشعبية. يشير ذلك إلى الالتباس التكويني في قوانين الحرب، وإلى تواصله المخاتل وخيوطه الإقصائية بالغة الأثر.

ثمة أسباب مختلفة لعدم انطباق قوانين الحرب على غير الأوروبيين في ذلك الوقت، أكثر بداهةً من عدم تصديقهم على أي معاهدات. وقتها كان «المجتمع الدولي» الناشئ يتبنى إطاراً قانونياً وضعياً يضع كيان الدولة بمثابة المصدر الوحيد للقانون. لذلك لم تنطبق الوسائل القانونية إلا بقدر ما تكون الجهات المعنية دولاً وأطرافاً في الوسائل ذات الصلة. لم يكن الانضمام خياراً على الإطلاق، وكان عدم المشاركة مجرد نتيجة لغياب الاعتراف الدولي بجهات أخرى ذات سيادة. بل يمكن حتى المجادلة بأنه لم يكن لدى الأوروبيين مصلحة في مراعاة قوانين الحرب خلال مواجهاتهم الاستعمارية.

اليوم لم تعد المعاملة بالمثل ضرورية لانطباق قوانين الحرب. إن التخلي عن مبدأ المعاملة بالمثل، والفكرة القائلة بأن على الدول أن تكون ملزمة بغض النظر عن سلوك الطرف الآخر، جاء ليشكل أحد أهم إنجازات ما يسمى بنزع الصفة الغربية عن قوانين الحرب. وقد تحصّلت الدول على حقوق سكانها، والتي كانوا محرومين منها أيام كانوا محض قاطنين همجيين لـ «أرض مشاع».

بمعنى من المعاني، لم يكن لانضمام بلدان العالم الثالث إلى القواعد القانونية الحالية أثر في جعل قوانين الحرب أكثر شمولاً. بل إن ذلك شرّع ودّعم الانقسام بين العام والخاص الذي تزدهر في ظله سيادة الدولة. فمن خلال تعزيز احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة، تمّ توطيد الخطاب المهيمن المتعلق بشرعية الدولة الجوهرية والمحسومة، وتمّ «إسناد إدارة الأعمال الحربية إلى طبقة من المقاتلين المخولين بفرض الانضباط العام»12. ومن خلال تعريف وتقييد الوصول إلى الحماية، استنسخ القانون الإنساني الدولي تحيّزه التأسيسي. فالحصول على الحماية غير المشروطة بموجب القانون الدولي الإنساني يستلزم الخدمة في قوة مسلحة تابعة لدولة. بعبارة أخرى، يستلزم حصر النية بشن الحرب بما يتماشى مع خطوط غربية الأصل. أما حماية القوات غير النظامية بحسب تعريف السلطات القائمة فقد كانت وما تزال الاستثناء.

قابلية التمييز ووضع المقاتلين

الفكرة الأصل التي تتكلم عن سكان «غير متحضرين» عاجزين عن تطبيق واحترام قوانين الحرب هي صميم النزوع الإقصائي لهذا القانون. في أعقاب القصف الذي طال دمشق عام 1925، كتب النقيب كولبي، المحامي في الجيش الأميركي، مقالاً بعنوان «كيف نحارب القبائل الهمجية»، أوجز فيه أسباب عدم انطباق قوانين الحرب على «الهمج»13. دارت حجته المركزية حول فرق جوهري في وسائل الحرب؛ وبالتحديد اختلاف مفهوم المقاتل. «لدى الهمج، الحرب تشمل الجميع» بحسب تعبير كولبي. هذا ما جعله أحد أوائل نقاد ما يسمى «الحرب غير المشروعة» التي ما تزال تنال من أي نضال من أجل الحرية وأي حرب تحرير وطنية.

كانت قضية تاديتش المرة الأولى التي تُطرح وتُسرد فيها التوصيفات القانونية للمقاتلين، والتي جاءت للتفريق بين النزاع المسلح الداخلي والتمرد غير المنظم قصير الأجل؛ أي بعبارة أخرى، لتحديد الانتقال من الشاغل المحلي إلى الدولي. بنيت هذه الشروط حول بنية معيارية متبلورة ومتمركزة أوروبياً لتحديد الخصائص المتوقّعة لمقاتل قياسي، وهي بلغتها الكونية الوضعية تعمل لتقرير من هم المشاركون الشرعيون في الأعمال الحربية. لقد جرى تفصيل ذلك على قياس جيوش كبيرة شبه محترفة، ما يعني ميلاً طبيعياً لإقصاء أي جماعة غير متوافقة مع التصور العرفي لحرب الدولة. إن تلك التوصيفات القانونية تشكل عناصر محددة بدقة ويُعتقد أنها غير موجودة في القوات الهجمية. ومن سؤال القرن التاسع عشر حول كيفية التعامل مع «الهمج» أثناء الحرب، تطور السؤال ليصبح كيف نقرّر «من هو المقاتل».

هذا «التقرير» يخضع أولاً لتقدير الدولة، والتي من المرجح أن تصنّف منذ البداية أي عصيان على أنه «اضطرابات داخلية وأعمال شغب»، تماماً كما فعل النظام السوري. من الشائع في الواقع إنكار الدول لوجود نزاع مسلح غير دولي على أراضيها، إذ طالما اعتُبر المتمردون مقاتلين غير شرعيين فإن حمايتهم تقع ضمن الاختصاص الوطني للدولة. في الحالة السورية، باشر النظام الردّ على الاحتجاجات السلمية في البداية بوحشية لا هوادة فيها، تاركاً المتظاهرين وجهاً لوجه أمام إجراءات أمنية قصوى. يعتبر تقييم وجود نزاع مسلح غير دولي موضوعياً بطبيعته، وبالتالي بمجرد التقييم يُتوقع من الدولة أن تلتزم بمجموعة القوانين السارية. إن الاعتراف بوضع المقاتلين يتيح للتمرّد استدعاء القانون الدولي الإنساني، ويضعه نظرياً خارج السيطرة القانونية والمادية للسلطة الشرعية.

في الممارسة، ليس بالضرورة أن يترجَم ذلك إلى مكاسب فعلية. ميغريه يجادل بأن قوانين الحرب تتحقق على حساب الترويج لنمط حربي معين وإقصائي مُواتٍ بالضرورة للفاعلين الحكوميين. كما يمكن القول إن حركات المعارضة أيضاً تستفيد من ممارسات حربية تتيح لها الذوبان في المجتمع. أو، كما كان الحال في سوريا، إن التمييز بين المقاتل والمدني غائم لأبعد الحدود. بالنسبة للمتمرّدين فإن قابلية التمييز هي إعاقة في زيّ استطاعة، وهي تعني ضمناً إجبار الطرف المحارب الأضعف على أن يُستفرَد به ويخاطر باستهدافه.

التدخل الأجنبي

الاختلال التأسيسي في موازين القوى ملحوظ أيضاً على مستوى الدولة عند الحديث عن مشروعية ومترتّبات التدخلات الخارجية. إن تصنيف نزاع ما على أنه داخلي أو دولي يعتمد إلى حد كبير على طبيعة الفاعلين المشاركين فيه. ثمة ثلاثة أسس قانونية لأي تدخل أجنبي محتمل في النزاع السوري: دعوة من السلطة الشرعية؛ دفاع عن النفس؛ أو أعمال تتم بإجازة من مجلس الأمن. التدخل عن طريق الدعوة يوفر أساساً قانونياً هو ما تبرّر بموجبه روسيا عملياتها الحالية على الأراضي السورية. ومع ذلك، لا يعتبر التدخل من خلال الدعوة شكلاً من أشكال التدويل، لأنه لا يستتبع شنّ فاعلين حكوميين حروباً فيما بينهم على النحو المبيّن في المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة. هناك معياران يؤثران في جعل التدخل قانونياً بموجب القانون الدولي: الموافقة الصحيحة وشرعية السلطة الموجّهة للدعوة.

في الحالة السورية، يدور الشاغل المركزي حول تحديد السلطة الشرعية التي يجوز لها توجيه الدعوة المذكورة. أحد الأجوبة المقبولة يفترض أنه امتياز محصور بالسلطة القائمة، كما أشار حكم نيكاراغوا14. يبدو هذا الاستنتاج متعارضاً مع اعتراف سبق أن تحقق عام 2012 بالائتلاف الوطني السوري، حيث اعتبرته عدة دول «الممثل الشرعي للشعب»، بيد أن هذا الاعتراف لا يرقى إلى مستوى الاعتراف بدولة. لذلك لا يمكن توجيه دعوة إلى التدخّل إلا من قبل سلطة الدولة، أي نظام الأسد، وليس هنالك حدّ أعلى للتدخل الأجنبي لصالح قوات النظام يرقى عنده التدخّل إلى درجة التدويل. بالمنطق نفسه، لا يشكّل استمرار الإمداد المستمر لقوات النظام بالأسلحة الروسية انتهاكاً للقانون الدولي، في حين أن أي دعم عملياتي يحصل عليه الجيش الحرّ هو انتهاك لمبدأ عدم التدخل وحظر استخدام القوة. هذه الرطانة والنغمة والبنية المألوفة تصبّ جوهرياً في غير صالح الفاعلين الخارجين عن الدولة.

الضربات الغربية الأخيرة في دمشق في نيسان 2018 أثارت تساؤلات حول مشروعية التدخلات الأجنبية المتكررة على الأراضي السورية، حيث شكّكت بكفاية الردّ الدولي على جرائم بحجم تلك المرتكبة في سوريا. كانت ضربات 2018، كسابقاتها في نيسان 2017، محدودة النطاق للغاية، وغير قانونية دون أي شك تقريباً. فلا مجلس الأمن أجازها، ولا هي أتت من باب الدفاع عن النفس. وبالتالي فهي نظرياً محظورة بموجب المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة، رغم أن المقصود منها كان الرد على استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيماوية المحظورة دولياً وانتهاكه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2118. صحيح أنه لا توجد آليات إنفاذ دولية لضمان التزام الدول بالتزاماتها الدولية داخلياً، لكن ما من أساس قانوني أيضاً يُتيح إنفاذ بنود معاهدات بوسائل عسكرية من جانب واحد15. القانون الدولي لا يوفر إطاراً للاستجابة لاحتياجات إنسانية استثنائية، وثمة نقاش حقيقي حول ما إذا كان ينبغي عليه ذلك.

يفترض أن تملك آلياتٌ مثل «مسؤولية الحماية»، وكيانٌ كمجلس الأمن، تفويضاً للتصدي لظروف استثنائية16. غير أن الفاعلية المحدودة لهذين تتبدّى أكثر فأكثر مع توالي الأزمات التي تبيّن عجزهما عن فعل أي شيء، كما جرى في سوريا، حيث تشن الدولة حرباً على شعبـ«ها» وتبقى مفلتة من العقاب لأكثر من سبع سنوات. لعل جذور هذا العجز تعود إلى التحيّز التكويني لقوانين الحرب وترسيخ كيان الدولة كحجر زاوية في القانون الدولي.

خاتمة

للوهلة الأولى، قد يبدو وكأن الوضع الحالي في سوريا منقطع النظير، وهو كذلك بالفعل على مستوى الخسائر البشرية. غير أني حاولت في هذا المقال إظهار مدى تشابه المظالم التي عانى منها السكان بين عامي 1925 و2011 على أيدي السلطات «الشرعية» القائمة. من «همج» إلى «إرهابيين»، كان المتمرّدون أول ضحايا النزوع التكويني ضمن القانون الدولي الإنساني لإقصاء الآخر. ولأن الدول هي المنفّذ الرئيسي للقانون الدولي، بقيت الحماية الداخلية منوطة بعطفها وحسن نواياها. يثير ذلك أسئلة ملحّة حول جذور شرعية أي دولة، وكيفية اكتسابها وخسارتها، وهي آليات ليست بديهية بالضرورة في دول غير ديموقراطية مثل سوريا. يمكن سماع دويّ الالتباسات التأسيسية ضمن القانون الدولي في السياق الدولي الحالي، وهو ما شلّ قدرتنا على مواجهة التحديات الناشئة عن صدام الحرب والسيادة في فترة ما بعد الاستعمار.

  • 1. L. Al-Shami, R. Yassin-Kassab, ‘Burning Country: Syrians in Revolution and War’, Pluto Press, 2016, p. 6.
  • 2. Q. Wright, ‘The Bombardment of Damascus’, 20 American Journal of International Law (1926).
  • 3. A. Rolin, ‘Le Droit Moderne de la guerre’, Vol. 1, 143 (1920).
  • 4. See M. Specia, ‘How Syria’s death toll is lost in the fog of war’, the New York Times, available at ; The Syria Campaign, ‘Who’s killing civilians in Syria’, available at last accessed 15.04.18.
  • 5. F. Mégret, ‘’From ‘savages’ to ‘unlawful combatants’: a postcolonial look at international law’s ‘other’’, in A. Orford (ed), ‘INTERNATIONAL LAW AND ITS 'OTHERS', Cambridge University Press, 2006.
  • 6. L. Arimatsu, M. Choudhury, ‘The Legal Classification of the Armed Conflicts in Syria, Yemen and Libya’, Chatham House, International Law PP 2014/01 (2014), referring to: Geneva Convention for the Amelioration of the Condition of the Wounded and Sick in Armed Forces in the Field, Aug. 12, 1949, 6 UST 3114, 75 UNTS 31; Geneva Convention for the Amelioration of the Condition of Wounded, Sick and Shipwrecked Members of Armed Forces at Sea, Aug. 12, 1949, 6 UST 3217, 75 UNTS 85; Geneva Convention relative to the Treatment of Prisoners of War, Aug. 12, 1949, 6 UST 3316, 75 UNTS 135; Geneva Convention relative to the Protection of Civilian Persons in Time of War, Aug. 12, 1949, 6 UST 3516, 75 UNTS 287; Protocol Additional to the Geneva Conventions of 12 August 1949, and Relating to the Protection of Victims of Non-International Armed Conflicts (Protocol II), June 8, 1977, 1125 UNTS. 609. Syria is not a state party to Additional Protocol II.
  • 7. Prosecutor v. Tadić, ICTY, Decision on the Defence Motion for Interlocutory Appeal, 2 October 1995, IT-94-1, para 70.
  • 8. Ibid Geneva Convention III art. 4A(2).
  • 9. Ibid; United Nations General Assembly, Report of the independent international commission of inquiry on the Syrian Arab Republic, A/HRC/19/69.
  • 10. Ibid (n1) 85.
  • 11. Convention regarding the Pacific Settlement of International Disputes, The Hague, 29 July 1899, in force 4 September 1900, 32 Stat. 1779; 1 Bevans 230; Convention with Respect to the Laws and Customs of War on Land, The Hague, 29 July 1899, in force 4 September 1900, 32 Stat. 1803; 1 Bevans 247 (‘Hague Convention II’); Convention for the Adaptation to Marine Warfare of the Principles of the Geneva Convention of 22 August 1864, The Hague, 29 July 1899, in force 4 September 1900, 32 Stat. 1827, 1 Bevans 263; Declaration to Prohibit for the Term of Five Years the Launching of Projectiles and Explosives from Balloons, and Other Methods of a Similar Nature, The Hague, 29 July 1899, in force 4 September 1900, 32 Stat. 1839; 1 Bevans 270; Declaration concerning Asphyxiating Gases, The Hague, 29 July 1899; Declaration concerning Expanding Bullets, The Hague, 29 July 1899 (for text of Declarations, see James Brown Scott (ed.), The Hague Conventions and Declarations of 1899 and 1907 (New York, 1915). Ibid (n14).
  • 12. Ibid (n14).
  • 13. 21 American Journal of International Law (1927) 279.
  • 14. Nicaragua v United States of America [1986] ICJ 1.
  • 15. B. Saul, 'US Missile Strikes Expose the Untenable Status Quo in International Law’, Chatham House, 26.04.17, available at < https://www.chathamhouse.org/expert/comment/us-missile-strikes-expose-un... last accessed 17.04.18.
  • 16. Responsibility to Protect Report, Report of the International Commission on Intervention and State Sovereignty, December 2001.