كي لا ننسى الكرنتينا

 

في ظل تكثيف التغطية الإعلامية، وتسارع المساعدات الموجهة إلى بيروت بعد كارثة الانفجار في مرفئها، ما تزال الأحياء الأكثر تهميشاً وضعفاً منسية ومهملة. وتُظهِرُ أغلب الصور التي نشرها الإعلام، وخاصة الإعلام الدولي، الدمارَ الواسع حول نقطة الانفجار في المرفأ، وفي الأحياء السكنية الشائعة والمعروفة، مثل الجميزة ومارمخايل والجعيتاوي. فيما ظلَّ حي الكرنتينا مغيباً، رغم تعرّضه لأضرار كبرى وخسارته كثيراً من سكانه.

حي الكرنتينا، الذي يُعرف أيضاً بمنطقة المسلخ أو الخضر أو المدوَّر، يقع مباشرة في جوار المرفأ. وتأتي تسمية الحي بالكرنتينا من منشأ تاريخي، فهو المَحجَرُ الصحي الذي بُني في أوائل القرن التاسع عشر، وكان مُصمَّمَاً لمنع تفشي الأوبئة والأمراض في المدينة، فيتحتم على المسافرين، ومنهم كثيرٌ من الحجاج، الإقامة فيه لمدة أربعين يوماً.

حي الكرنتينا، الذي هو أيضاً موضوع أطروحتي في الدكتوراه، قد عانى طويلاً في تاريخه من التهميش، ففي الفترة التاريخية التي تمتد ما بين الحرب العالمية الأولى والنكبة الفلسطينية، استقبلت المنطقة وفوداً عديدة من اللاجئين، منهم أرمن وكُرد وفلسطينيون، واستقرّت هذه الجاليات بين أهالي الحي من النازحين من الأرياف اللبنانية أو العمال الأجانب.

في فترة الستينات من القرن الماضي، كان الكرنتينا قد أصبح حياً شعبياً تسكنه طبقة عاملة نشطة، تؤمن العمالة الرخيصة للمعامل والمؤسسات المحلية. وهو ما أدى إلى وصم هذا الحي وتصنيفه كأحد الأحياء الفقيرة المعروفة بـ«حزام البؤس»، الذي كان يلتف حول الشمال الشرقي للعاصمة بيروت.

ومنذ ذلك الحين شهد الحيّ ويلات كثيرة، منها حرائق متتالية بين 1963 و1970، اندلعت في المساكن الشعبية التي كانت تسكنها عائلات متواضعة. والذي نجا من الحريق، إما أصابه فيضان نهر بيروت عام 1967، أو أصابته الأمراض الناتجة عن تردي البنية التحتية والتلوث، أو أصابه الجوع بسبب الفقر الشديد. ورغم كل ذلك كانت السلطات اللبنانية غائبة، وتركت أهالي هذا الحي المختلط متعدد الجنسيات والطوائف لكي يواجهوا تلك المصائب بأنفسهم.

في العام 1976 حصلت في الكرنتينا أول مجزرة في تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية، حيث قُتل المئات من أهالي الحي، وتم تهجير معظمهم. وبعدها أصبحت المنطقة مقراً رئيسياً لأحزاب مسيحية، استغلّت المنطقة لحاجاتها العسكرية، فشهدت هذه الفترة سلسلة هدم لمبانٍ سكنية عديدة تم استبدالها بثكنات وقواعد تدريبية.

ومع انتهاء الحرب الأهلية وعودة السكن إلى الحي، استمر نهج سياسات التهميش، وواصلت القوات العسكرية اللبنانية المكوث في المقرات التي أنشأتها ميليشيات الحرب. وبعد مرور ثلاثين عاماً، ما تزال أراضٍ عديدة لأهالي الحي أو بلدية بيروت تُستخدم كثكنات عسكرية، ويساهم ذلك في سلب أهالي الكرنتينا بيوتهم وسبل عيشهم.

25820_web.jpg

من حي الكرنتينا (2016)، تصوير حسن عمار (AP)

على صعيد تطوير البنى التحتية والإنشاءات، لم يشهد الحي إلا مشروعاً واحداً، هو معمل فرز النفايات، الذي ساهم في مضاعفة تهميش الحي وربط سمعته وصورته برائحة القمامة. لكن رغم كل هذه المآسي، كان بانتظار الكرنتينا ما هو أسوأ بكثير.

بحكم تواجد منطقة الكرنتينا على بعد أمتار من موقع الانفجار، أُصيب الحي بدمار هائل، وعندما تواصلتُ مع أهالي المنطقة بعد الكارثة، سمعتُ قصصاً مهولة عن جثث معلقة على الشرفات، وأشلاء مُبعثرة في الطرقات، وأطفال مدفونين يطلبون النجدة من تحت المباني المنهارة. ولعل ما كان مروعاً أكثر هو شعور الوحدة والنبذ الذي عاناه سكان المنطقة.

في الساعات الأولى التي تلت الانفجار، لم يتم إرسال أي فرق إسعاف أو نجدة إلى الكرنتينا، واضطر أهالي الحي إلى إسعاف الضحايا بأنفسهم ونقل المصابين بسياراتهم أو على الأقدام. وكما تُركوا سابقاً للتعامل مع مصائبهم، كانوا بعد التفجير في مواجهة أصعب الكوارث في تاريخهم لوحدهم. وفي الأيام والأسابيع التالية لم يتحسن الوضع بشكل ملموس، باستثناء بعض المبادرات من بعض الجمعيات والمجموعات المدنية المتطوعة، لكن ذلك كان محدوداً للغاية، إذ قام الأهالي بإزالة الرّكام بأنفسهم.

في الأحياء المجاورة المعروفة، مثل مارمخايل والجميزة، التي تسكنها عامةً طبقة متوسطة وميسورة، قام السكان بإخلاء بيوتهم والانتقال للمكوث في مساكنهم الصيفية الجبلية أو مع أقارب لهم. ولكن الطبقة محدودة الدخل المقيمة في الكرنتينا لا مكان آخر لها لكي تلجأ إليه، وقد أمضى العديد منهم ليلة الانفجار الأولى نائمين بين الزجاج المُحطّم في بيوتٍ لا أبواب أو شبابيك لها. وما يزال بعضهم في الشارع حتى هذه اللحظة.

شهد لبنان في الأيام الأخيرة موجة جديدة لثورة تشرين الأول (أكتوبر)، إذ نزل الآلاف إلى الساحات والشوارع مطالبين بتغيير سياسي جذري، بعد أن أظهر الانفجار مدى تفشي الفساد والإهمال الجنائي في صفوف الطبقة الحاكمة التي ليست مؤهلة لحكم البلاد.

من المهم جداً لكل الأفراد والسلطات والمنظمات، الذين يسعون لمساعدة لبنان خلال هذه الأزمة، أن يأخذوا بعين الاعتبار وبشكل جدي دور هذه المساعدات في ترسيخ أوجه الظلم القائمة. فلا يجب أن تقوم الهبات والتبرعات النقدية والعينية المخصصة للأهالي المتضررين باستنساخ السياسات التمييزية التي فرضتها طبقة حاكمة قمعية، وإنما يجب تخصيص بعض تلك المساعدات لأحياء مثل الكرنتينا، فأهالي هذه الأحياء يستحقون الحياة الكريمة بعد سنين من التهميش والإهمال.