كُتَّع كُسَّح كُسَّر

 

تخيّلوا كم كان ليسهل تعلم العربية لو انقسم الجمع فيها إلى قسمين لا ثالث لهما؛ مُذكَّر يُجمع بإضافة واو ونون؛ ومؤنث يُجمع بألف وتاء. 

ولكن الغرض الأساسي من اختراع اللغة لم يكن أن يتعلّمها غير الناطقين بها، وإنما أن يتواصل بها أبناؤها، وبالتالي فكل موضوع السهولة والصعوبة غير ذي صلة هنا. كل اللغات سهلة لمن تحدّثوها منذ طفولتهم.

من قديم الأزل والناس يجلسون على المصاطب ويتكلّمون ويتلاعبون بالكلام، ويردّدون أغربه ويظلون يردّدونه حتى تزول غربته ويألفوه، فتظهر الاستثناءات على ألسنهم بلا حرج، وواحد من أكبر أبواب الاستثناء في العربية، حتى ليبدو أحياناً أكبر من القاعدة، هو جمع التكسير، ويتوجّب علينا كثيراً الرجوع فيه إلى السماع، ثم حفظه كما هو، أي بلا سؤال عن المنطق فيه.

لجمع التكسير صلة وثيقة إذن بالمحكيات العربية، بما يرِد إليها يومياً من كلمات جديدة يتحتّم جمعها دون إمهال، ومن هنا فكثيراً ما يعبّر المتعلّمون عن احتقاره. وأذكر قريبي الذي سخر من جمع «سكشن» الإنكليزية على «سكاشن»، وأذكر نظرات الامتعاض التي واجهتني وأنا أجمع صفحة على «صُفَح» ولوحة على «لِوَح»، والتصويب الذي سمعته ساعتها: اسمها صفحات ولوحات. كما أذكر نظرات الامتعاض التي وجّهتُها أنا نفسي لمحدّثي وهو يجمع تكسي على تكاسي أو «تِكُسَة»، لا على «تكسيات» كما اعتدت أنا أن أفعل.

* * * * *

في حالة توفُّر الاثنين، ولأسباب سأحاول شرحها، غالباً ما فضّلت جمع التكسير على الجمع القياسي، وقد أُحبطتُ كثيراً عندما عرفت أن جمع مشكلة على «مشكلات» أصح من جمعها على «مشاكل»، أنا الذي تمنّيت دائماً أن تُجمَع معضلة على «معاضل» وسائق على «ساقة»، بل وبلطجي على «بلاطجة».

في مسلسله نسل الأغراب المعروض في رمضان الماضي، تمكّن الممثل أمير كرارة من نحت تركيب صادم ومفاجئ، حين وصف أهله من الغجر بالـ«كُتَّع كُسَّح كُسَّل»، فما كان من صفحات التواصل الاجتماعي إلا أن اشتعلت بالسخرية من غرابة التركيب، من الجناس فيه ومن الكلمات المسموعة لأول مرة، والمعطوفة على بعض لأول مرة أيضاً. 

ذكّر التركيب وقتها بموسيقى «صمُّ بُكمٌ عُميٌ» القرآنية، حتى كتب أحدهم على الفيسبوك مازحاً ومهرطقاً: كُتَّع كُسَّح كُسَّل فهم لا يعقلون.

كقاهري من الطبقة الوسطى، كنت لأقولها «كُتْع ومكسّحين وكسلانين»، غير أن تَصَرُّف كرارة خرج أكثر إيجازاً بكثير، أي أكثر بلاغة، وأضيفت إليه، علاوة على ذلك، لمسات متلاحقة من الجناس؛ سلّمتنا كاف الكُتّع لكاف الكُسَّح، وسلّمتنا كاف وسين الكُسَّح لكاف وسين الكُسَّل، والأهم أن هذا كله حدث مع عدم التنازل عن وضوح المعنى، إذ رغم كثافة القصف المضاد، ورغم طرافته، غير أن أحداً لم يمارِ في أن الحديث هو عن جمع «أكتع» و«كسيح» و«كسول».

لقد فهم الجميع، ودون جدال، المعنى الدقيق للكلمات التي لم يسمعوها من قبل قط.

* * * * *

أتصوّر بالبداهة أن القاعدة تظهر قبل ظهور الاستثناء: يظهر الجمع السالم أولاً ثم يأتي جمع التكسير لاحقاً، غير أن حالة جمع الجمع بالعربية، في مثل «رجالات» و«بيوتات» و«طرقات»، تدلّنا على مسار عكسي، يبدو فيه أن الكلمة قد تكسّرت أولاً، ثم أضيفت إليها علامة الجمع القياسي فيما بعد، فيما يذكرّني بوزن «فِعِل» في العبرية، والمجموع على فْعاليم، في مثل «كلب» على «كلابيم». تتجاور الصيغتان هنا، التكسير في داخل الكلمة، والجمع القياسي - الياء ميم - في خارجها. 

من هنا أنتبه إلى وجود منطق آخر، وبديهي كذلك، يفيد بأولوية العمل في البنية التحتية قبل الشروع في الإضافة: تأتي السكاكين لتقطّع أمعاء الكلمة معدّلةً هيكلها، قبل أن تضاف لاحقاً اللمسة الخارجية البسيطة.

تأملوا قليلاً في اسمه: ليس جمع «كَسْر» وإنما «تكسير». تتحطّم الكلمة عندما تُجمع، تتقطّع أوصالها، تضاف إليها أصوات وحركات تُفرِّق حروفها عن بعض، كل شيء سليم ولكن وحده، كما تفيدنا النكتة الشهيرة لسعيد صالح.

* * * * *

أفضّل «مصاروة» على «مصريين»، غير أني لا أستعملها لعدم شيوعها في مصر أولاً، كما لشبهة التحقير اللصيقة بها، وأذكر أن نقاشاً دار بيني وبين الصديق محمد جميل حول «غزيين» و«غزازوة»، والوقع شديد العامية، و«الركاكة» بالتالي، لكلمة غزازوة، فيما يذكّرني بالربط الذي أقامه سيبويه، بحسب ابن جني في الخصائص، بين جمع التكسير وصيغة التحقير، في مثل ألف تكسير «دفاتر»، المقابلة لياء تحقير «دفيتر»، أو - وهذا مثالي أنا - ألف التكسير في «كلاب» المقابلة لياء التحقير في «كُلَيب».

لا أعرف إن كان سيويه قد رأى، على مستوى الجوهر، ما يربط بين التكسير والتحقير، إلا أني في كل الأحوال أرى وجهاً آخر للتكسير، وهو الألفة، فمثلما نتخفّف من قواعد الاحترام عندما نخاطب أصدقاءنا الأقرب، فإننا نميل لجمع التكسير في حالة الكلمات التي ألفناها وهضمناها جيداً وردّدناها ملايين المرات. تزول رهبتنا منها ونمازحها، مزاحاً ثقيلاً أحياناً، يصل لتكسير العظام، ولكن لا ينبع إلا من الود والحميمية كما أعتقد.

والظاهر على العموم أنه كلما زادت حروف الكلمة كلما قل ارتياحنا لها، فقلّت كذلك قدرتنا على تكسيرها.

تُكسَّر الكلمة بأريحية شديدة، ووفق أوزان لا حصر لها، إذا كانت من ذوات الصامتَين أو الثلاثة، وتقل الأريحية، وتقل الأوزان، في حالة الصوامت الأربعة، حتى لتكاد تُحدَّد ربما في أوزان «فعالل» و«فعاللة» و«فعاليل»، وفي حالة الصوامت الخمسة، يُخلَف الوعد بأن يكون كل شيء سليماً وإن كان وحده، إذ تُحذف بعض الحروف الأصلية، في مثل عندليب وجمعها عنادل وسفرجل وجمعها سفارج.

أما في الكلمات التي تزيد صوامتها عن الخمسة، وهي غالباً كلمات أجنبية، مثل إسطرلاب وكمبيوتر وتلفزيون، فنعود فيها للجمع السالم، الألف تاء. تنفد طاقتنا ونسلّم بالعجز عن تصريف الكلمة واللعب في دواخلها، نهاب الكلمة فنسلّمها للقاعدة لتحكم فيها، إذ لا قدرة لنا على التحكم في ما هو خارج عن عالمنا كل هذا الحد.

ولهذا بالتحديد، لإحساسي معه بالألفة، وكأن الكلمة بيتي الذي تعوّدت عليه، أحب جمع التكسير.