كُرات الهوية

 

تعكس كرة القدم علاقات الشعوب بين بعضها بعضاً في حالات كثيرة، وكذلك علاقات الشرائح الاجتماعية في الدولة الواحدة وعلاقات المدن والمناطق مع بعضها. هي لعبة الشعوب الأوسع انتشاراً في العالم، ومن الطبيعي أن تلعب دوراً فاعلاً، سلباً أو إيجاباً، في حياة المجتمعات، وأن تكون مرآةً لها على مستوياتٍ عديدة؛ سياسية واقتصادية، وأيضاً هوياتية. ويجري التعبير عن المواقف السياسية عبر كرة القدم من خلال اللاعبين والجماهير، سواء عن طريق مشاركات الفرق والمنتخبات في المناسبات الدولية، أو عبر موقف سياسي يتم اتخاذه في المدرجات باعتبارها طريقة آمنة، في معظم الأحيان، لنقل رسائل ذات مضامين سياسية.

في مقالي هذا، أبحث قليلاً عن دلالة كرة القدم باعتبارها طريقةً للتعبير السياسي عن مواقف هوياتية مبدئية لدى العرب الفلسطينيين في إسرائيل، وعن دور مدرجات الملاعب في إظهار هويتهم القومية الخاصة المتنافرة مع الوضع القانوني الصعب الذي يعيشونه، ومع العنصرية التي يواجهونها من خلال مواطنتهم المنقوصة، خصوصاً في الفترة الأخيرة بعد إقرار قانون القومية في إسرائيل، وذلك من خلال أول نادٍ عربي يصل إلى الدوري الإسرائيلي الأول.

فلسطيني أم إسرائيلي

لعبت كرة القدم في الصراع العربي الإسرائيلي دوراً يعكس صورةً واضحةً عن المواجهة المستمرة بين الطرفين على أرض فلسطين التاريخية، وذلك بِدءاً من أول مباراة خاضها منتخب فلسطين في تصفيات كأس العالم عام 1934، التي شهدت ظهور منتخبٍ يحمل اسم فلسطين، وجلّ لاعبيه وكادره الفني من اليهود. آنذاك، لم تكن إسرائيل قد أعلنت نفسها دولةً بعد، غير أنه كان هناك تواجدٌ ملحوظٌ لعددٍ من الفرق اليهودية الصهيونية، التي بدأت تهيمن على الرياضة كما على كل شيءٍ في فلسطين في ذاك الوقت. طبعاً، الرواية الإسرائيلية الحالية تُحيل هذه المشاركة إلى منتخبٍ يحمل اسم إسرائيل.

تقول سيرة كرة القدم الفلسطينية أشياء كثيرة عن المعاناة في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي؛ وأيضاً عن وضع فلسطينيي 48، وتفاعلهم الرياضي تحت حكم نظامٍ عنصري، وعن صراعهم هم أنفسهم مع هويتهم التي يمكن استجلاء بعض طرق التعبير عنها من خلال الرياضة، وتحديداً كرة القدم في الدوريات الإسرائيلية.

يلعب في دوري الدرجة العليا الإسرائيلي؛ وهو الدوري الأول في إسرائيل، أربعة عشر نادياً. وثمة نادٍ فلسطينيٌ يلعب في هذا الدوري، هو نادي اتحاد أبناء سخنين، الذي تأهّل مجدداً إلى الدرجة العليا في التاسع والعشرين من حزيران (يونيو) الماضي، ليعود ويمثل فلسطينيي 48، ويشكل جزءاً من خريطة كرة القدم الإسرائيلية، وجزءاً من الصراع العربي اليهودي داخل الدولة، وهو صراعٌ هوياتيٌّ محض في ظلّ قوانين عنصرية ضد العرب، كان آخرها قانون قومية الدولة.

يُعدُّ اتحاد أبناء سخنين الفريق الفلسطيني الأول الذي كسر قاعدة الأندية اليهودية في الدوري الإسرائيلي الأول، بعد تأهله إلى دوري الدرجة العليا للمرة الأولى في تاريخ هذا الدوري عام 2003، ليتوج أيضاً بكأس الدولة بعد فوزه على فريق هبوعيل حيفا في النهائي عام 2004، ويشكل اختراقاً واضحاً للرياضة العربية في الداخل، والذي اعتبره البعض آنذاك انتصاراً لفلسطين، وللفلسطينيين الذين يحملون الجواز الأزرق، وهو ما يحمل بلا شك أبعاداً أخرى غير كرة القدم، تتعلّق بأهمية التواجد العربي في أرض فلسطين التاريخية، وبأن الجواز الإسرائيلي لم يؤدِ طيلة السنوات إلى محو الهوية الفلسطينية لأبناء الداخل.

شهدت مسيرة الفريق الفلسطيني بعد صعوده لدوري الدرجة العليا تخبطاتٍ كثيرة، منها هبوطه إلى الدرجة الممتازة (الدرجة الثانية)، ثم عودته من جديد إلى الدوري الأول ليستمر فيه إحدى عشر سنة، قبل أن يهبط العام الماضي مجدداً ثم يعود إلى الدرجة العليا مع بداية الموسم الجديد.

الاتحاد أمانة

«الاتحاد أمانة وواجبنا نحافظ عليه»؛ هي عبارةٌ قام مشجعو اتحاد أبناء سخنين بمشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي، مع منشورٍ للنادي على فيسبوك، تضمّنَ تفاصيل حسابه البنكي لمن يرغب من المشجعين والوسط العربي بدعمه، بعد أن صعد إلى دوري الدرجة العليا، أو الدوري الأول في البلاد بمفهوم بقية الدوريات العالمية.

ويعكس هذا المنشور ومشاركته أهمية النادي بالنسبة لأبناء سخنين أنفسهم، وللوسط العربي ككل، كضامنٍ لتواجد فلسطينيي 48 في أحد المحافل الإسرائيلية، وإظهار مدى تمثيلهم ووجودهم كسفراء عرب ضمن وسطٍ يهودي، وسفراء فلسطينيين في الدوري الإسرائيلي، خصوصاً أمام الصعوبات التي يواجهها النادي في الحصول على دعم شركات من الوسط اليهودي، وذلك أمرٌ مفهومٌ بلا شك، لكن مع وجود استثناءات نتيجة علاقات شخصية، بحسب رئيس مجلس إدارة النادي السخنيني.

تقع مدينة سخنين العربية الصغيرة في قلب الجليل، إلى الجنوب الشرقي من مدينة عكا، وقد اقترنَ اسمها بيوم الأرض عام 1976، الذي يعتبر أول مواجهة حقيقية مباشرة لفلسطينيي 48 مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية منذ إعلان قيام الدولة؛ إذ قامت قوات الجيش الإسرائيلي في ذاك الحين بمحاولة ضمّ أراضي زراعية تعود ملكيتها إلى فلسطينيين من أبناء الجليل، وقد دفع ذلك الفلسطينيين إلى إعلان إضرابٍ عام، ومن بينهم أبناء سخنين التي سقط فيها ثلاثة شهداء خلال المواجهات مع قوات الاحتلال. واليوم، يواجه أبناء سخنين إسرائيل وسياساتها العنصرية بواسطة كرة القدم، إذ يبدو واضحاً أن شعار «الاتحاد أمانة» لا يحمل بعداً رياضياً فقط، إنما بعداً هوياتياً أيضاً كونه تعبيرٌ عن أهمية وجود فريق عربي فلسطيني يمثل الفلسطينيين رياضياً ضمن الصراع القائم وتعقيداته وضراوته.

نقي للأبد

مثل معظم الدوريات الكروية، يتأثر الدوري الإسرائيلي بعوامل تجعله قبلة لاستقطاب أهل السياسة الإسرائيلية، وهو ما يتحدث عنه الفيلم الوثائقي (Forever pure)، أو «نقي للأبد»، الذي يسلط الضوء على أحد الأندية الإسرائيلية، وهو نادي بيتار القدس، المعروف بعنصريته وعنصرية مشجعيه. وهذه العبارة أصبحت شعار رابطة ألتراس «لافاميليا»، الأشد عنصرية في الوسط الرياضي الإسرائيلي، لكونهم يريدون أن يكون النادي نقياً، أي أن يكون لاعبوه ومدربوه من اليهود فقط.

يطرح الفيلم علاقة مالك النادي بالسياسة، وهو رجل أعمالٍ إسرائيلي من أصول روسية يدعى أركادي غايدماك، يطمح للترشح إلى رئاسة بلدية القدس، فكانت بوابته هي النادي الذي يُقدَّر عدد مشجعيه الذين يحضرون إلى المدرجات بأكثر من عشرين ألف مشجّع، ما سهّل عليه أن يكون عمدة القدس سنة 2008، باعتبار أن النادي ومشجعيه «أداة دعائية مثيرة للاهتمام» كما يقول أركادي في الفيلم. جرَّبَ أركادي الترشح لولاية ثانية بعد ذلك لكنه لم يفز، ما دفعه إلى إهمال نادي بيتار القدس ومشجعيه الذين أوصلوه لمنصب العمدة في المرة الأولى.

ذروة الفيلم تأتي عندما عاد أركادي لحضور المباريات بعد سنواتٍ من الغياب، وقام باصطحاب فريقه إلى الشيشان للعب مباراةٍ وديّة، وعلى إثرها قام بالتوقيع مع لاعبين من الشيشان، ليس من أجل تدعيم الفريق الذي ينافس ضمن المراكز الأربعة الأولى في الدوري، ولكن لأسباب اقتصادية بحكم علاقته الجيدة مع الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف، إلا أنّ رابطة ألتراس «لا فاميليا»، رفضت وجود لاعبين مسلمين في صفوف فريقها، كما رفضت في السابق وجود لاعبين عرب فيه، بحيث يبقى يهودياً خالصاً، إلا في حال كان المحترف من ديانةٍ أخرى غير الإسلام ومن جنسيةٍ غير عربية.

وجودُ لاعبين مسلمين في الفريق، وإصرارُ إدارة النادي على بقائهم، دفع ألتراس «لافاميليا» إلى الدعوة لمقاطعة المباريات، وسط ضغطٍ رهيبٍ وتهديداتٍ كبيرة تعرّض لها بعض المسؤولين في النادي، إضافة إلى قيام المشجعين بحرق مكاتب الملعب التدريبي، ما جعل النتائج تسوء إلى درجةٍ أصبح فيها بيتار مهدداً بالهبوط إلى الدرجة الأدنى.

تطرَّقَ الفيلم في دقائقه الأخيرة إلى الجولة ما قبل الأخيرة من الدوري، الجولة التي جمعت النقيضين، فريق بيتار وفريق أبناء سخنين، والاثنان مهددان بالهبوط، وخسارة بيتار تعني حكماً السقوط إلى الدرجة الأدنى، ما دفع «لافاميليا» إلى التراجع عن قرارها باعتبار أن الفريق مهدّدٌ بالهبوط وتجب مؤازرته في كل الأحوال، وباعتبار أن المباراة هذه المرة مع الأعداء؛ الأعداء في الهوية، والحضور في المدرجات بالتالي أمرٌ ضروري.

 يعرض الفيلم مشاهد من تلك المباراة، التي تبدو كأنها ساحة حرب، سواء في أرض الملعب أو في المدرجات التي تُكال فيها الشتائم من قبل مشجعي بيتار لجماهير سخنين مع شعارات «الموت للعرب»، إضافة إلى الشتائم للاعبيّن المسلمين في فريقهم، تقابلها شعارات مضادة من جمهور سخنين تهتف للأقصى وفلسطين مع رفع أعلام فلسطين، لتنتهي أحداث الفيلم بعد نهاية هذه المباراة التي قابل فيها مشجعو سخنين اللاعبيّن المسلمين من بيتار القدس بحفاوة الصديق لا العدو، كونهم مسلميّن، وذلك قبل ذهابهم من أرض الملعب إلى المطار مباشرةً للسفر إلى بلادهم.

منذ صعود اتحاد أبناء سخنين لأول مرة إلى الدرجة العليا في الدوري الإسرائيلي وهو يعاني من عنصرية المدرجات، مثل بقية الفرق العربية التي تلعب حالياً في الدرجات الأدنى، ولعل أبرز دلالة على العنصرية تظهر خلال لقائه مع فريق بيتار القدس، لتتحول المباراة الكروية إلى حربٍ تشتعلُ معها المدرجات عنصريةً وكراهية. وفي هذا الصدد يشير مأمون كيوان، في كتابه فلسطينيون في وطنهم لا في دولتهم، إلى ما نشره موقع نادي بيتار القدس على شبكة الإنترنت من إعلان الحداد عقب فوز سخنين بكأس الدولة عام 2004، كأول فريق عربي يفعل ذلك: «بمزيدٍ من الحزن والأسى نعلن فوز اتحاد أبناء سخنين بكأس الدولة، وسيغلق منتدى المشجعين في الموقع ليوم واحد».

ثنائية عربي-إسرائيلي

تهيمن على اللاعبين العرب في الداخل ثنائية الهوية، الهوية العربية الثقافية والوطنية الفلسطينية من جهة، والهوية الإسرائيلية القانونية من جهة ثانية؛ هويتهم العربية والفلسطينية بوصفهم أصحاب الأرض الأصليين، وهويتهم الإسرائيلية التي تمّ منحهم إياها ضمن الإطار القانوني الحالي باعتبارهم مواطنين في هذه الدولة. وتشكّل هذه الثنائية عبئاً على لاعبي كرة القدم، خاصة بسبب العمر المهني القصير لأي لاعب كرة، باعتبار أن كرة القدم مهنة كغيرها من المهن، وذلك لأنها قد تقف حاجزاً أمام الاحتراف والانتقال إلى أنديةٍ أخرى ضمن الدوريات العربية. والمشكلة الأكبر عند اللاعبين المميزين هي الانتقال لتمثيل المنتخب؛ أي منتخبٍ سيمثّلون؟ منتخبهم القومي أم المنتخب الذي يمثل البقعة الجغرافية التي يعيشون ضمنها وفق القوانين السارية؟

تحظى المشكلة الأخيرة بالذات بالجدل الأكبر. كثيرٌ من اللاعبين الفلسطينيين اختاروا تمثيل منتخب فلسطين رغم أنهم يحملون الجواز الإسرائيلي، ما يعني حكماً أنهم سيلعبون في الدوري الفلسطيني لا في الدوري الإسرائيلي، بسبب قوانين الاتحاد الفلسطيني التي تمنع لاعبي منتخب فلسطين من اللعب في الدوري هناك، رغم أن الأسهل لهؤلاء اللاعبين هو اللعب في الدوري الإسرائيلي، خصوصاً في ظل وجود نوادٍ عربية. بالمقابل، هناك لاعبون آخرون فضّلوا اللعب للمنتخب الإسرائيلي، مثل مؤنس دبور الذي برزت قضيته قبل نحو عام عندما أشيع عن صفقة انتقاله إلى ليفربول، وتمّت إثارة حديثٍ عن موقف المصري محمد صلاح من اللعب إلى جانب لاعب إسرائيلي. أُثيرَ هذا الموقف تحديداً من جانب فلسطينيين وعرب مؤيدين للقضية الفلسطينية، لكنّ الأسئلة لم تكن موجهةً لمؤنس، إنما لمحمد صلاح حول ما إذا كان سيقبل اللعب بجانب لاعب إسرائيلي، حتى أن البعض أطلقوا صفة الخائن على مؤنس، فيما قال آخرون إن قضيته تأتي تحت بند الوضع الخاص لفلسطينيي 48، فيما أشار آخرون بالمقابل إلى أمثلة تنفي هذا الوضع الخاص، ومنها لاعبو منتخب فلسطين من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.

من جهةٍ أخرى، يعاني اللاعب العربي من فلسطينيي 48 من عنصرية إضافية، ومن أمثلتها ما حصل مع حارس منتخب فلسطين رامي حمادة، وهو من مواليد بلدة شفا عمرو داخل الخط الأخضر، يحمل الجواز الإسرائيلي، وقد حُرِمَ من الاحتراف في الدوريات العربية رغم العروض التي جاءته، لأنه يحمل هذا الجواز.

هذا التعقيد الذي تعيشه الرياضة الفلسطينية داخل إسرائيل هو صورة عن التعقيد الذي يعيشه فلسطينيو 48 في كل مناحي حياتهم، من العنصرية الإسرائيلية المستمرة، إلى عدم الاعتراف بهم من جانب كثيرٍ من العرب، وهو عدم اعتراف يصل حدَّ التخوين، حتى أن كثيرين منّا لم يعرفوا لماذا وكيف اضطُرّ هؤلاء إلى حمل الجنسية الإسرائيلية قانونياً، إلّا بعد ثورة مواقع التواصل الاجتماعي وثورات الربيع العربي وموجات الهجرة واللجوء إلى الخارج، التي أتاحت لنا لقاءاتٍ مع فلسطينيين من داخل الخط الأخضر، لنكتشف أن جواز السفر الذي يحملونه لم يغيّر من حقيقة أنهم فلسطينيون، وأن «المواطنة» التي يحملونها ليست سوى إطار قانوني لوضعهم، وهو الإطار الذي يزداد ضيقاً يوماً بعد يوم في ظل حالة الاستقطاب اليميني في إسرائيل ضدّ كل ما هو غير يهودي، وبالذات ضد العرب الفلسطينيين في داخل تلك الدولة.