لا تَخَف، كل شيء مُسجّل: المراقبة كسلوك ثقافي

 

نتعرف في الوثائقي «المُواطن أربعة»، الصادر عام 2014، على إدوارد سنودن، خبير الاتصالات الأمريكي الذي فضح ممارسات وكالة الأمن الوطني الأمريكيّة، التي تسجل وتتلصص على المواطنين في أمريكا، وربما العالم.

يخبرنا سنودن بيقينه أنـ(هم) يتنصتون عليه، حتى وهو أمام الكاميرا في الفندق في هونج كونج حيث يختبئ. إذ يخفي وجهه ويديه ببطانيّة، ويطلب إزاحة الكاميرا عنه حين يستخدم الكمبيوتر، فحركة الأصابع وأصوات الضرب على لوحة المفاتيح يمكن «تحليلها» إن التقطتها الكاميرا.

ما قام به سنودن ليس إلّا أداءً جسديّاً بسيطاً لتجنب تقنيات المراقبة الحاليّة التي تسجل كل ما نقوم به، ساخرةً من المتخيل التقليدي الذي نراه في رواية جورج أورويل الشهيرة 1984، إذ لم يعد «الأخ الأكبر» بحاجة كاميرا مراقبة خفيّة، ولا كتلة بشريّة كالشرطة ورجال الأمن والموظفين الرسميين، للتأكد من معلوماتنا ومدى صدقها، فأمام الهاتف النقال وتطبيقاته، أًصبح «الأخ الأكبر» مجرد تلويحة نوستالجيّة أو دعابة سمجة.

الانعطافة الحاليّة في مفاهيم المراقبة والتجسس، محطّ اهتمام مدير مركز دراسات المراقبة، دايفيد ليون، الذي صدر له وشارك في كتابة أكثر من 30 كتاباً، في محاولة منه لفهم دور التقنيات المعاصرة في الهيمنة والتسويق والتصنيف الاجتماعيّ، في ظلّ التطور الهائل لأساليب جمع المعلومات وتخزينها وتصنيفها، إذ تحولت المراقبة من سطوة كيان خارجيّ، إلى سلوك ثقافيّ مائع الحدود، نقوم إثره كأفراد بإنتاج المراقبة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات المتنوعة وأجهزة القياس المحمولة التي نغذيها بمعلوماتنا الشخصيّة، سواء أردنا أم لا، فكل شيء يُخزّنُ ويُعالج، من المكان الذي نحن فيه إلى معدل ضغط الدم ومقدار ارتفاع الصوت أثناء الكلام.

يحاول ليون في كتابه الجديد ثقافة المراقبة، الصادر هذا العام، الـ«تركيز على المراقبة بوصفها حاضرة في الحياة اليوميّة»، ويرى ثقافة المراقبة بوصفها «الأسلوب الذي نتخيّل فيه المراقبة ونختبرها»، ويقصد بنتخيّل، أنها تتأثر بنا ونؤثّر بها وبشكلها، عبر أنشطتنا اليوميّة كسماع الموسيقا والتسوق وقيادة السيارة، إذ تحولت بعض أشكالها إلى ظاهرة «عادية» ومنتشرة لا تثير الشبهة.

الكتاب غنيٌّ بالمعلومات والإحصائيات والدراسات، التي تؤكّد تفوق الشركات الكبرى على الحكومات في تقنيات المراقبة وفرز الجمهور واستهدافه، فآليات التعرّف على الوجه التي يمتلكها فيسبوك، تتجاوز تلك التي يمتلكها مكتب التحقيقات الفيدراليّ في أمريكا، فالأول يمتلك عشرات الصور للفرد بوضعيات وأماكن مختلفة، يطور عبرها نقاط التعرف ويزيد احتمالاتها، في حين أن الثاني، يمتلك صورة الهوية أو صورة شهادة القيادة، بعيداً طبعاً عن امتلاك مكتب الاستخبارات المركزيّة الأمريكيّة نسخاً من هذه المعلومات حسب ما كشفه سنودن.

ثقافة المراقبة تعني أننا في سجون شفافة، نحدق ببعضنا بعضاً، سواء كنا نستمني أو نشاهد التلفاز أو نأكل. والأهم أننا اخترنا أن نكون في هذه «الأقفاص» طوعاً، تحت أعين كيان خفيّ يراقبنا ونحن فيها، لا نعلم وظيفة هذا الكيان، ولا نعلم كيف يستفيد من المعلومات التي يستخلصها منا، لكننا نعلم أنه موجود، ويمكننا تتبع آثاره إن أردنا.

«هذه المكالمة مُسجّلة»

يخبرنا الكتاب عمّا يسمى بـ Chilling Effect، أو«القشعريرة»، وهي الظاهرة التي تزايدت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وأصبحت حقيقة بعد فضيحة سنودن، والمقصود بها، سلوكيات المراقبة الذاتية التي يمارسها الكتاب والصحفيون والمتصفحون على أنفسهم، والتي تمنعهم من التعبير عن رأيهم والبحث عن المعلومات ومشاهدة ما يريدون.

تمسّ هذه القشعريرة حرية تبادل المعلومات، إذ أصبح الدخول إلى موقع ما أو البحث عن مكان ما يثير الشبهة، كون البصمة الرقميّة للشخص مسجلة ومراقبة، وبمجرد أن «يثير الشبهة»، ترسل أنظمة المراقبة تحذيراً للأجهزة المختصة، ويوضع الفرد على قائمة ما، لا يعلم ما هي أو سبب وضعه عليها. هذه القائمة قد تؤدي لمنعه من السفر أو استدعائه للتحقيق أو شيء ما لا نعرفه، ولا نعرف متى وأين يمكن أن يمسّ الفرد.

القشعريرة هذه، تجعلنا جميعاً شديدي الحذر، كوننا لا نعلم ما هو الممنوع وما هو المباح، بل إن البعض يتراجع بينه وبين نفسه قبل أن يبحث عن شيء ما، بل حتى قبل أن يكتب الكلمة التي يبحث عنها، كونه يعلم أنها تُسجّلُ قبل نقر شعار «بحث»، ما يعني أن المراقبة تتسلل إلى المخيلة نفسها، وتهدد الرغبة بالحصول على المعلومة، كون «المعرفة» أصبحت تهمة محتملة.

إشكالية الحياة اليوميّة

تتحول الحياة اليوميّة في ظل المراقبة إلى مساحة للاستثمار، ووسيلة لتصنيف الأفراد وفرزهم، إذ تتلاشى فيها قيمة مكان السكن، والتقسيمات المرتبطة به، كون سلوك كل فرد ومكانه معلومان. ولا نتحدث هنا فقط عن الكاميرات في الشوارع ومحطات القطار، بل تطبيقات التسوق، وتحديد المكان، وبطاقات الولاء في السوبر ماركات، وغيرها من «أدوات» تسجيل المعلومات، والتي تبدو مصممة لخدمتنا وتسهيل حياتنا، ورفع سوية الخدمة التي نحصل عليها لـ«تناسبنا». لكن، أشكال تفعيل المراقبة والترصد هذه، تحمل في طياتها جانباً آخر، فالمعلومات الشخصيّة تُشاركْ وتُتبادلْ مع شركت التأمين والبنوك وشركات التوظيف، وتتم مقارنتها وتحليلها واستخلاص نتائج منها، قد نرى تأثيرها في مكان آخر، كأن لا يحصل أحدهم على قرض منزلي لأنه يشتري كثيراً من السكريات أو الدخان، ما يعني أن احتمالات حياته قليلة، بالتالي، عدد سنوات قدرته على الإنتاج قد لا تكفي لسداد القرض، ما يجعل إقراضه مُخاطرة بنكيّة.

مخاطر اللعب وغواياته

أخطر أشكال المراقبة تلك التي تتقنع باللعب، فعدم جديّته تتيح تسلله وانتهاكه لحياتنا اليومية وخصوصيتنا، إذ أن مئات صور السلفي التي نلتقطها ونحدد أماكن التقاطها، ثم نعدّلها، وننشرها ونتبادلها للضحك أو الاستعراض كما في إنستغرام، تُخزّن وتُعالج ليتم التعرف علينا رقمياً. هي جزء من نموذج للمراقبة، يتيح خدماته مجاناً مقابل مشاركتنا. والشيء ذاته في موقع أكاديميا الشهير، الذي يهنئ ويبارك للباحثين الذين ينشرون عدداً محدداً من المقالات العلميّة، أو يتم الاقتباس منهم كثيراً.

هذا الشكل من اللعب قائمٌ على المشاركة الطوعية للمعلومات ضمن سياق التسلية والترفيه، وتكمن خطورته في أننا لا نعرف قواعد «اللعبة»، إذ لا ندري أين تذهب معلوماتنا ولماذا يتم تحليلها.

نرى ذلك أيضاً في الشركات التي توظِّفُ اللعب ضمن مساحات العمل، إذ يرتدي الموظفون/اللاعبون أجهزة لقياس نشاطهم الحيويّ، لضبط أدائهم ودفعه لمطابقة معايير مسبقة مرتبطة بالإنتاج، إلى جانب مراقبة صحتهم، وقياس طاقتهم الجسديّة/الفيزيولوجيّة وعلاقتها مع احتمالات الإنتاج المستقبلية. الأخطر، أن قواعد هذه «الألعاب» تتغير دون أن نعلم، وكأننا ننافس في لعبة نجهل متى يفوز الفرد فيها أو يخسر، فقد تكون للإنتاجية الفرديّة التي يتم قياسها وتخزين المعلومات عنها دورٌ في نظام الترّفع والحوافز، والاحتفاظ بالموظفين «الأمثل» وطرد «الأقل إنتاجيّة».

التهديد الذي يشكله تغير القواعد دون معرفة «اللاعبين»، يتجلى في أن هذه «الألعاب» تتواصل مع بعضها بعضاً دون علمنا. هي خوارزميات في النهاية، وبيانات رياضية ومعدلات ومتوسطات، تحوي علاقات قد لا ندركها نحن. هي تطوّرُ ذاتها وتعطي نتائج لا نعرفها، لكنها تفيد «مصمميّ الألعاب» أنفسهم، وتسهم في رسم سياساتهم.

هيولى البيانات الخامّ

ترانا أنظمة المراقبة كمعطيات، وتحلل أجسادنا كأرقام، فنحن بيانات يتم «استغلالها» للحصول على المعلومات، لتكوين «أجساد كميّة» تؤثر قيمتها على الأداء الجسدي «الحقيقي»، وتحثّنا لبذل جهود أكثر لخلق تكوين رقميّ مثاليّ عن أنفسها. هذه «التكوينات» قد لا تحمل تأثيراً واقعياً مباشراً على «اللاعبين»، لكنها قد تؤثر على الآخرين وأدائهم، كونها تخلق احتمالات جديدة لتطوير «النموذج المثاليّ»، الذي يساهم الأفراد "النشيطون" في تحديد معاييره.

يتجاوز ليون في الكتاب المفاهيم التقليديّة للقوى الحيويّة، وأساليب الضبط والتصنيف التقليديّة التي كانت تتبعها السيادة السياسية سابقاً، فنحن اليوم نعيش في ظل شركات عالميّة، تحتكر وتوجه أفكاراً وخدمات لكل فرد على حدة، بناء على خصائصه التي يشاركها علناً، من تطبيق تيندر-Tinder الذي يستثمر في الشهوة الجنسية مقابل «ظهور» صورنا وأماكننا وما نسمعه من موسيقا، إلى تطبيقات وأجهزة مراقبة الطفل أثناء النوم والتأكد من أنه على ما يرام.

يشير ليون أيضاً إلى تحول تقنيات المراقبة من «أغراض» إلى «حضور» ذي خصائص ثقافية، يفرض علينا سلوكيات تغوينا بالمشاركة، إما لنظهر، أو نستهلك، أو نشعر بالأمان، أو نلعب، لكن في النقطة العميقة من غوايات الاستعراض وغمامة المراقبة، تتحرك ديناميكيات الهيمنة، التي تشكل سلوكنا الثقافي والاجتماعي، خالقة أشكالاً جديدة من التصنيف والحرمان والكَسب والاختلاف الطبقي التي تتجاوز تلك المادية، المرتبط بالعمل والجهد التقليديين.