لا عليكِ، لا عليكِ، لا عليكِ (1)

الجزء الأول

رجوع

بعد مرور سنوات طويلة على انتهاء الثورة، قرّرت ميّ العودة إلى مسقط رأسها. كانت الشقةُ التي وجدتها مدفونةً عميقاً في جوف مبنى سكني غائر وهائل، ولكنها كانت من الداخل رحبة، جيدة الإضاءة، وحسنة التهوية، امتدت شرفتها من غرفة النوم إلى المطبخ بحيث صنعت حرف «لـ» متصل. كانت شقة جميلة، بِخلاء مساحاتها واغبرار أثاثها المهلهل وأسطحها المتقشرة، وكان إيجارها رخيصاً بسبب كساد السوق.

مع ذلك قالت أمها، عندما علمت أن ابنتها الصغرى قد دفعت إيجار شهرين مقدماً، وقد لاحت على أنفها الثخين واللامع تجعيدة قاسية: لِمَ فعلتِ ذلك من دون أن تقومي باستشارتي؟ وماذا لو اتضح أن الرجل قد ضحك عليكِ بقيمة الإيجار الشهري؟ ثم سألت، من دون أن تنظر إليها، وكأن وحياً نزل عليها في تلك اللحظة: وماذا لو لم يصلح البيت للعيش فيه؟ كانت أم ميّ امرأة قصيرة، متينة، ممتلئة القامة، ذات كتفين ثقيلين وساقين عليلتين جرت على امتدادهما جداول الدوالي. وكان شعرها طويلاً وزيتياً، وبدت عيناها اللامعتان مشدودتان تحت تكورات الجفون.

حاولت ميّ ألّا تعير أمها كثيراً من الاهتمام، فقد انتبهت، منذ أن كانت طفلة صغيرة، إلى ترسّخ اعتقادٍ بالٍ في داخلتها، مفاده أن معرفتها بأمور الدنيا ستظلّ، مهما انقلبت أحوال العالم أو تغيّرت أوجهه، أكثر نفاذاً ودراية من معرفة كل من يصغرونها عمراً. ولذلك فقد سعت على الدوام – ومن دون قصد أغلب الأحيان، حسب تقدير ميّ – إلى إيجاد مكامن الخطأ في كل تحركات ابنتها، والإشارة إليه. كان ذلك، إلى حد بعيد، سبب رحيل ميّ من بيت أمها بعد مرور أسبوعين على وصولها، فقد كان كل ما يصدر عنها يصيبها بالاختناق؛ حتى أسلوبها في الكلام كان أشبه في مخيلة ميّ بالانقضاض من المحاورة.

لذلك اكتفت بهزّ كتفيها، وقالت وعيناها مثبتتان على شاشة التلفاز: دعيني أجرب العيش على طريقتي هذه المرة. ومنعت نفسها من السؤال: ممكن؟

* * *

في صباحها الأول في شقتها الخاصة، استيقظت ميّ على الأصوات المألوفة لأيامها السابقة: زمامير السيارات، وزعيق باعة الغاز، وغناء باعة الخضرة المتجولين، ونداءات أصحاب الأكشاك؛ مزيج قبيح اصطبغ بطبع العادة ومع مرور الوقت بحلاوةٍ تخالفه، حلاوة أخذتها في الحال – مغمضة العينين، تطفو في الهلام الكائن بين الصحو والنوم – إلى ماض سحيق.

كانت ميّ في منتصف الثلاثينات من عمرها، وقد صحت آخر مرة على توليفة الضوضاء هذه قبل تسع سنوات تقريباً. وعندما استيقظت تماماً، غمرها شيء من السلام. أخذت دُشاً بارداً، وقررت الخروج. وحالما خطت إلى الخارج شعرت بكل الدفء والرواء يغادرانها على الفور، فقد كان السواد الأعظم من الشارع الرئيسي حطاماً كُسر إسفلته ورُقّع مراراً، وكان مظهر المشاة البطيئين والمتقاعسين أكثر تعاسة مما تخيلته قبل أن تخرج، وبدت صور الرئيس المنثورة على الجدران – والتي لطالما كانت كُلية الوجود، وحميدة إلى حد ما، وخالية من أي معنى حقيقيّ بالنسبة إلى ميّ – مُهدِّدة ومدوية. أما الشمس الحارقة فتوسطت السماء كوجع الرأس، وأذبلت لون كل شيء تحتها.

في المساء غشت الظلمة أكثر العيوب، وأسبغت أضواء الشارع كآبة مستحبة على قطعٍ منه: بيوت حجرية صمدت بأعجوبة؛ بنايات مهجورة لم تبرح يافطاتُها أماكنها؛ قطط الشوارع المتبخترة والناعسة. اعتادت ميّ، قبل أن تغادر البلاد، على أن تلتقي كلما واتتها الفرصة بصديقتها رغداء، التي عرفتها منذ أن بلغتا كلتاهما أولى سنوات مراهقتهما، في مقهى شعبي يدعى المصابيح، تطل شرفاته الضيقة على البحر الفسيح. وبعد بضعة أيام من انتقال ميّ إلى شقتها، هاتفت رغداء وطلبت منها المجيء إليه، ورأتها، امرأة نحيلة، متحفظة، لها شعرٌ قصير بلون الصدأ، ترتدي فستاناً خفيفاً وسماوي اللون. وحالما أحست بذراعيها الرقيقتين تطوقان خصرها، شعرت بالخفّة من جديد. بدا مقهى المصابيح من الخارج كسنٍّ منخور، وقد سويّ طابقه العلوي بفعل قذيفة أو عاصفة، وسالت مياهه العكرة من حافته العارية إلى رقعة الرصيف المجاورة للمدخل. لم ينل الطابق السفلي نصيبه من هذا الدمار، بل لم يطرأ أي تغير حقيقي على ملامح مرتاديه، أو تتحرك صور الأيقونات القومية البالية على جدرانه التي نفخت طلائها رطوبة الأيام الساحلية المتعاقبة؛ أما طاولاته وكراسيه المصنوعة من الخيزران فبقيت كما هي، هشّة، عصية على التصليح، تَعِدُ الجالسين بسقطات تذهب المروءة.

ليلتَها، تحدثت رغداء طويلاً عمّن تبقى لديهما من أصدقاء ومعارف مشتركين، وعن حفلات الزواج وحالات الطلاق، عن الصداقات الجديدة والعداوات القديمة، وكل زوابع العاطفة البشرية الهوجاء والمتتابعة، مما أصاب ميّ بشيء من الارتياع، ودفعها إلى الاستماع بنصف أذن، والانتباه إلى وجه صديقتها بدلاً من كلماتها. لم تدرك ميّ التحولات – الطفيفة، المقلقة – التي أصابت رغداء إلا في تلك اللحظة، فقد ارتسمت على خدّيها كلما ضحكت أخاديد عميقة، حديثة العهد، ذكّرتها بالصلصال، وجعلتها تبدو أكثر حدة مما كانت عليه في الماضي، وكانت عند الكلام لا تثبت أنظارها على ميّ، بل تنظر ساهية إلى جبهتها، مما أثار – لسببٍ لم تعرفه حقاً – ارتيابها.

– لماذا رجعتِ؟

كان سؤالها هامساً، خفيفاً، كأنه من جنس الريح الهابّة. لم تفاجئها فجاجته، بل فاجأتها بساطته. ذات السؤال الذي طرحته عليه أمها.

– لا أعرف.

كانت كل التفاصيل مجهولة لديها. لماذا أتت؟ إلى متى ستبقى هنا؟ ماذا ستفعل؟ كل ما عرفته من غير شك ولا ريب هو أنها كانت تمشي وحيدة ذات ظهيرة في إحدى شوارع بريمن القديمة والمرصوفة بالطوب، وأنها كانت تلمس جدران البنايات الوديعة التي رسمت حدود الأفق من كلا الطرفين، عندما باغتها شعور بالضياع التام، وكأن بوصلتها الداخلية قد هوت في قاع أو أصابها عطب، فرأت الشارع – بتعرجاته وزُرقة سمائه – جديداً وكُليّ الغرابة عليها، وكأن أحداً قد رماها فيه، وشعرت بالذعر البارد يغمر جسدها ويسرق أنفاسها. وماذا حدث بعدها؟ استعادت وعيها. وداهمتها الخاطرة التي لطالما حاولت كبتها: أن عليها أن ترجع ذات يوم، ولو لزيارة قصيرة. ولو ليوم واحد فقط.

عندما حاولت ميّ أن تشرح كل ذلك، انتبهت، وعيناها تترددان في أرجاء الشرفة، حيث جالت غيوم النراجيل والسجائر بكسل، إلى النظرات التي صوبتها صديقتها عليها، ولاحظت افتتانها الذي تخيّلت تحوله البسيط والسلس إلى احتقار، وقد أسبغت على وجهها السنوات التي مرّت عليها حبيسة في هذه البلاد قسوة جاهزة لإظهاره. ألذلك رجعتِ؟ أترين إلى أين آل بي المطاف؟

امتزج قارُ الموج في البعيد مع سواد المساء. بعد صمت ثانية تنحنحت ميّ ورَنَت إلى البعيد، ثم قالت: ما علينا. سَرَت في أضلعها برودة قاسية، وشعرت بأن عليها مغادرة المقهى في أقرب وقت ممكن، وإلا فإنها ستتصرف بلؤم.

– ما هي خطتك الحالية؟ أستبحثين عن وظيفة؟ بإمكاني أن أساعدك.

لوّحت ميّ بمنديلها وكأنها تحاول طرد الكدر الذي أفسد الجو، وقالت:

– سنفكّر بذلك فيما بعد. ولكن نعم. قد أبحث عن وظيفة.

* * *

كان مصعد البناية صندوقاً ضيقاً كُسيَ من الداخل بورق جدران طُبعت عليه صور لألواح خشب، أما الأزرار فكانت دائرية، معدنية، ورمادية اللون، حملت ميّ على التفكير بالغواصات العتيقة. عندما انفتح الباب على رواق الطابق الذي كانت شقتها في آخره، رأت ميّ لأول مرة رجلاً افترضت أنه جارُها، يُخرج مفتاح شقته من جيب بنطاله. كان أربعينياً، جاحظ العينين، شعره أسود وأجعد، لم يحلق ذقنه المنحسر منذ بضعة أيام، وكان يرتدي بزة سوداء ومكرمشة. وعندما خطَت ميّ خارج المصعد، وجرّت عيناها بتأهب مأخوذ عليه، شعرت بالدم يفور في رأسها، وطوّقها خوف كاد أن يعجزها عن المشي، لكنها أجبرت نفسها على الاستمرار، وإن ببطء. وعندما انتبهت إليه يتأملها بعينين مغبشتين، في محاولة منه ليميزها، أسرعت الخطو. كانت تعرفه. كان هو نفسه. لم يدم الأمر كله أكثر من بضعة ثوان.

وقفت ميّ تحدق بالرجل من ثقب الباب، ورأته يرمق بابها بنظرة خاطفة قبل أن يدخل. جلبت من مطبخها كيساً بلاستيكياً لتتنفس فيه، ثم جلست على حافة السرير، ورجفت يدها بعنف.

* * *

– أأنتِ متأكدة من أنه هو؟

كانت رغداء قد أتت إلى شقتها بعد نصف ساعة، وطلبت منها ألّا تقلق أو تعتذر على الاتصال، وعانقتها. أومأت ميّ بقوة إجابة على السؤال. كانتا كلتاهما جالستَين على الأريكة أمام التلفاز المُطفأ، وصار السكون في إحدى اللحظات شديد الوطأة عليهما.

– أتعرفين اسمه؟

– لا.

ووخزها الظلم الكامن في ذلك. تنهدت رغداء وقالت بصوت خفيض:

– حسناً، سأعدّ لنا بعض الشاي، ثم سنشاهد التلفاز معاً.

عندما عادت، وجلست بالقرب منها، سألتها عمّا إذا كانت ترغب بالحديث عن الأمر، وحين قوبلت بالنفي، قالت:

– حسناً. سنتحدث غداً. لكنني سأبقى معكِ إلى أن تخلدي إلى النوم.

كانت رغداء ترتدي الفستان نفسه الذي لبسته قبل عدة ساعات، وقد ظهرت عليه بعض التجاعيد الآن. وعندما جلست بالقرب من ميّ أمام وهج التلفاز الخافت، خلعت حذائها الخفيف ودست ساقيها تحتها. كان مرأى إحدى رجليها العاريتين على كتان الأريكة القرمزي بمثابة بركة حلّت على ميّ.

* * *

اعتُقلت ميّ لأول مرة في صيف العام الأول للثورة. كان الحرّ قائظاً يومها، وكانت الأشجار مُغبرة، والشمس مختبئة وراء ساتر من الغيوم الفضية. مشت ميّ برفقة مجموعة كبيرة من النساء والفتيات اللواتي خرجن مع المتظاهرين قرب ساحة الشيخ ضاهر. وفي إحدى اللحظات باغتت الحشد عصبة مهولة من عناصر الجيش الذين اندفعوا، مدججين بالأسلحة الثقيلة، نحوهم، فاستحال الامتداد الحجري خلال هنيهة وابلاً من الغبار والهلع وطقطقة النيران المرتدة. وركضت الجموع، وهاجت، وصاحت، وتضرع كثيرون منهم إلى الله. وركضت ميّ أيضاً، دون أن تدري إلى أين، وشعرت بذراع قوية تمسكها من خصرها وتحملها فوق الأرض، ثم رأت رجلاً – لا، بل طفلاً، وجهه الأسمر مليء بالبثور – يركض ويضرب الشخص الذي قبض عليها بكوعه، فتحررت من قبضته وعادت على الفور إلى الركض، واسترقت نظرة إلى الوراء، حيث رأت الطفل مطوياً على الأرض وأربعة رجال بلباس مدني ينهالون عليه بالضرب المبرح. علقت في ذهن ميّ ذلك اليوم كوكبة من الأشياء المتفرقة، تذكرتها وخافت عليها من هشاشتها، كفُتات ورق يحترق: تذكرت اهتزاز الأرض وهدوء الشجر، ومنظر السابلة الذين وقفوا في الأفق البعيد، يحملقون ببلاهة؛ تذكرت إبهام الشوارع المفاجئ عليها، والسؤال الذي طرحته بشفقة على نفسها: أهكذا تبدو ساحات الحرب؟ أأنا الآن في ساحة حرب؟ وركضت، ركضت بأقصى ما لديها من سرعة، إلى أن فاجأها انفجار ألم حاد ولامع في وجهها أعمى بصيرتها ورماها على الأرض. وعندما استندت على كوعها ولمست أنفها المهشم، رأت الدم الخفيف والفاقع يملأ راحتها، ونخرت لزوجتُهُ النحاسية رأسها، فحاولت الوقوف، وهي تردد بصوت خافت: لا، لا، لا، كمن يحاول التماس العفو، وتعثرت، ثم شعرت بأذرع قوية تلتقطها بخفة وترميها في مؤخر عربة قريبة منها. لم ترَ ميّ أوجه المُعتقلين الذين استحالوا أخيلة في الصندوق الحديديّ، والذين رأوها تُرمى وتَهمد على الأرضية الرطبة. كما لم ترَ حقاً البناية التي اقتيدت إليها، ولم تسترجع حاسة البصر إلا عندما وصلت إلى غرفة تؤول إلى سرداب يمكن للمرء أن يشعر بثقل الظلال المتراكمة على حجارته. كان بصرها زائغاً، وكانت حدود الأوجه التي نظرت إليها مائجة كما في الأحلام السيئة. تفرّس فيها رجل يرتدي بزة عسكرية ويجلس وراء طاولة خشبية عريضة، وقال لمن اقتادها: ماذا تفعل؟ من أتى بهذه إلى هنا؟ فلم يرد، فقال الرجل: أخرجوها، لا حاجة لنا بأمثالها. فقال رجل آخر وقف بالقرب من الطاولة بصوت رخيم، أُثقِل كما السرداب بالشؤم: لا، لا، أدخلوها. أرغب بالتحدث معها قليلاً. فنظرت ميّ، واستطاعت أن ترى عينين جاحظتين مُصفرتين، وشعراً متناثراً أجعد، وفكاً كاد يتصل بالرقبة من الانحسار. وانتابها الخوف حقاً لأول مرة ذلك اليوم.

بعد ساعات طويلة خرجَت، بفك مرخيّ، ومعصمين متورمين، وسارت. لم تذهب إلى منزلها، منزل أمها، بل اتجهت، مجتازة الشوارع المهجورة والموحشة – الشوارع التي ابتلعها الغسق الغامض والمكدوم – إلى شقة رغداء، التي كانت تعيش وحدها وقتذاك. وعندما رأتها رغداء على الباب، أدخلتها، وضمدت جروحها واعتنت برضوضها، وأعانتها على الاستحمام. ثم سألتها: هل...؟ لكن ميّ قاطعتها، قائلة: لا، لكنهم فعلوا كل شيء آخر. لاحقاً، عندما طرحت عليها أمها السؤال نفسه، اكتفت ميّ بالنفي من دون أي إضافات.

* * *

استيقظت ميّ صباح اليوم التالي على اتصال من رغداء، دعتها فيه إلى تناول الفطور في منزل رشا.

– رشا. رشا سراج.

ثم أضافت، مازحة: أتذكرينها؟

– نعم، بالطبع أذكرها.

وقطبّت. ورأت في مخيلتها وجهاً تفاحيّاً بالغ الشحوب، وشفتان فاقعتا الحُمرة، وعينان نجلاوتان زادت الكحلة الفاحمة من بروز بياضهما.

– حضّري نفسكِ وتعالي لنتناول الفطور معاً.

لم تتوقع ميّ أن تجد المزيد من النساء هناك، أو ألّا يطرأ أي تغير على منزل رشا، أو أن تزداد رشا نفسها جمالاً مع مرور السنين، وقد كللت ابتسامتها خصل شيباء. كان المنزل واسعاً كما تذكرته، تطلُّ نوافذ بهوه على ساحة الشارع الخلفي وجامع الحارة القديم. كانت ميّ تعرف هذا المنزل جيداً، تعرف غرفه وشرفاته وأركانه، وتألف سدته المستترة فوق المرحاض التركي الذي لا يصلح استخدامه، حيث تراكم الغبار على شتى المنشورات الغامضة، ونهشت الأرضة عظام الكتب الذابلة (الطبعة الأولى من ترجمة سامي الدروبي لأعمال تولستوي؛ إطار مربعات ملونة حول بنط فارسي عريض)، وحيث قبّلت ميّ رشا لأول مرة عندما كانتا كلتاهما في الرابعة عشر من عمرهما، ثم صارتا تتبادلان الأسرار والمزيد من القبلات، إلى أن منعهما النمو من الاستمرار، بالإضافة إلى الإدراك المتأخر أنهما كانتا تبحثان عن الحب بيأس طفولي ومشوش ومضحك، ليس إلا. لم يطرأ، إذن، أي تغير حقيقي على منزل رشا، خلا الشحوب الذي أصاب رسومات البلاط، وتعليق صورة مؤطرة لأم رشا التي وافتها المنية منذ وقت قريب، بالقرب من صورة والدها الذي وافته المنية منذ أمد بعيد. في غرفة الضيوف، جلست النسوة على طقم الأرائك مشدودة النجود، وقد وُضِعت أمامهنّ على طاولة خفيضة غُطيت بمفرش مطرز حاد البياض فناجينُ القهوة وصحونُ المكسرات.

وحالما جلست ميّ بعدما رحبّت بها النسوة، عادت عجلة الحديث التي توقفت لوهلة إلى الدوران، وإن كان الدوران المذكور أهوجاً ومتقطعاً. وطُرحت الأسئلة المعتادة عليها – لماذا رجعت؟ إلى متى ستبقين هنا؟ كيف هي حال السوريين في الخارج؟ – فأجابت على كل واحدة منها باقتضاب سمِح.

– أتعرفين أنني لم أعد أدرّس اللغة الفرنسية؟ أي والله! لقد اختفى الطلب عليها في السنوات الأخيرة. لذلك تعلّمت اللغة الإنكليزية، وهكذا! – وطقطقت أصابعها – في غضون ثلاث سنوات أو أقل، صرت أعطي des cour particuliers فيها.

كانت المتحدثة فلك، أكبرهن سناً، وصديقة قديمة لطالما أحبت تبهير كلامها بمفردات أو عبارات فرنسية، ورفع أنفها المستدقّ عالياً عند الحديث. ارتسمت على شفتي رغداء نصف ابتسامة ساخرة انتبهت ميّ إليها.

– لكن سوق العمل لم يعد كما كان.

عَمِلَت فلك قبل الثورة مدرّسة خصوصية لابني أحد أقرباء الرئيس، وكانت تفتخر بذلك أيما افتخار، ولكن القريب الثري والكتوم هذا هرب مع عائلته تحت جنح إحدى ليالي عام الثورة الثالث، وخلّفها بلا مصدر دخل يعوَّلُ عليه. تساءلت ميّ عن هوية طلابها الحاليين، لكنها لم تنبس بكلمة.

استمرّ الحديث، وطال ما يدور في أسواق اللاذقية وأحيائها، وآخر المداهمات التي تعرّض لها باعة السجائر والبضائع الأجنبية المهربة، وأحدث التطورات السياسية (وتخلل هذا الجزء همسٌ كثير؛ وخطر لميّ أن بعض الأشياء باقية لا تزول في سوريا). قالت صفاء، وكانت امرأة أربعينية لم تتعرف عليها ميّ من قبل:

– قبل يومين حاولت عصابة من الأوباش أن تسطو على متجري. كنت ذاهبة لشراء باكيت سجائر من الدكانة القريبة عندما رأيتهم. لكنهم في لحظة هربوا حالما سمعوا صراخي وهب رجال الحارة في إثرهم.

ثم ضحكت بمرارة وقالت:

– الحيوانات! ظنوا أنهم سيقدرون على امرأة مثلي.

وبعد الحوقلات وعبارات المواساة العادية التي تراكمت كالأزيز استجابة لها، طلبت إحدى النسوة أن يُغيرنَ الموضوع، فالحياة، على حد تعبيرها، وخصوصاً في هذه الأيام الهائجة، لا تخلو من شتى ألوان العذاب والمعاناة، ولكن الصباحات التي يجتمعنَ فيها لتناول الفطور بسلام، ومن دون انقطاع الكهرباء! – تلك كانت نادرة وتستحق الاحتفاء. كان اسم المتحدثة هويدا، وكانت متقشفة الملامح، فارعة الطول كالقصب، لم تخلع قمطتها حتى في صحبة النساء، وكان في كلامها بعض السلطوية والخطابة. شعرت ميّ بنفور مباشر وواضح اتجاهها.

تفرّقت النسوة بأي حال، وهممن بتحضير الفطور في المطبخ الرحيب. استوقفت رغداء ميّ عند باب المطبخ وسألتها بصوت خفيض: أأنتِ بخير؟ هل نمتِ جيداً؟ فأجابتها ميّ، وقد أدركت أن عينيها أفصحتا عمّا ألمَّ بها من تعب: أنا بحال أفضل. ثم أضافت بغيظ: لكنني ما زلت لا أشعر بالأمان. قابلت رغداء إجابتها بصمت عميق. كانت تلك عادتها كلما واجهت ألماً عجزت عن فهمه أو تخيله لدى الآخرين. بعد قليل قالت: أنا موجودة، وضغطت على كتف ميّ، ثم تابعت المشي.

على المائدة قررت فلك أن تلقي، دون سابق إنذار، إحدى مواعظها. كانت تلك عادتها كلما أرادت الحديث عن نفسها بشيء من المواربة، فتراها تقوم بدفن مسائلها الشخصية تحت طبقات مرصوصة من التعميمات والأقوال الجاهزة. كانت فلك ابنة إحدى أثرى عائلات سُنّة اللاذقية، وقد سعت منذ الصغر إلى الهرب من ابتذال حياتها اليومية – التي خلت، في نظرها، من كل سمو ومثالية – عبر نبذ كل ما يصلها بالإسلام السُنيّ. فكان قرآنُها قاموس «لا روس» العربي الفرنسي، وكانت الرموز الدينية الوحيدة الموجودة في منزلها لوحة ثلاثية تصور صلب المسيح بالتفصيل المريع، وتمثال نحاسي صغير لبوذا رقد على رأس تلفازها الأثريّ. كما كانت أحياناً ترتدي عُصبة خضراء على معصمها، لتعلن دفاعها – غير الضروري أغلب الأحيان – عن مظلومية العلويين التاريخية. كان الأثر الوحيد المتبقي من هوية فلك السُنيّة قرآنٌ بحجم الكف، دُسَّ جيداً بين اعترافات روسو ومجلد من أعمال جبران خليل جبران الكاملة. وماذا كان اسم قطتها؟ فينوس.

قالت فلك، وقد بدت عيناها العسليتان مرهقتان فوق خدّيها المتهدلين والمكورين كقبضة: لقد خلصت إلى نتيجة مفادها أن ما نحتاج إليه – أمسّ الحاجة – في يومنا هذا ليس الحب، وإنما المحبة. كان أسلوب حديثها بطيئاً وفخماً. استمرت النسوة بتناول فطورهن، أما فلك فتخلت عن رغيف خبزها وكأس مائها.

– لقد اكتشفت أن الحب لا يعدو كونه ظلاً للشيء الحقيقي.

أومأت رغداء، وسألتها وقد ظهرت لمعة لعوب في عينها: ماذا تقصدين؟

– المحبة هي التي تغيّر الكون حقاً، لا الحب. الحب، بالمقارنة، شيء أناني وإنساني. أنا، مثلاً، عندما أحب أحداً أرغب بامتلاكه. في حين تعلّمني المحبة أن أتركه حراً بلا أي قيود. المحبة – المحبة الحقة التي أمرنا يسوع المسيح عليه السلام بها – تتجاوز البشريّ. تتجاوزني وتتجاوزكنّ. المحبة، برأيي، هي التي تحثّنا على اعتبار جميع الناس سواسية. وأن نحبهم، بالتالي، بتسامح وبإنصاف. ولو نظرْ...

قاطعَ شيءٌ عِظَتَها: صمتٌ غريب، مشحون، أخرسها. نظرت ميّ حولها، بعد أن كانت مستغرقة في مطالعة وجه فلك، فانتبهت على الفور إلى هويدا. كان وجهها قد انكمش واحمرّ بقوة. كانت تبكي، فاغرة الفم، من دون أن تصدر صوتاً، وقد وصل خط من اللعاب شفتها العليا بأختها السفلى.

نهضت رشا في الحال، وصوّبت نظرة تأنيب حادة إلى فلك، ثم أعانت هويدا على النهوض – وكانت هويدا أطول منها بكثير – وهي تهدل: يا حبيبتي، يا هويدا. ومشَت معها، ووضعت ذراعها النحيلة على كتفها، وقالت، وصوتها يزداد انخفاضاً: لا عليكِ، لا عليكِ، لا عليكِ. نحن هنا أخوات، نحبك ونكترث لأمرك. لا عليكِ.

* * *

بقيت ميّ بعد أن رحل الجميع، وبعدما اعتذرت فلك عن أي إزعاج تسببت به دونما قصد، ونالت هويدا حاجتها من الراحة على السرير. كانت الساعة الواحدة ظهراً، ساعة القيلولات وإغلاق الأبَجورات. قالت رشا بعدما أغلقت الباب وراء آخر النسوة: لقد كنتِ على صواب عندما نصحتني بأن آخذ هويدا إلى الشرفة بدلاً من غرفة النوم. من حيث المبدأ على الأقل. ولكني لم أفعل ذلك لسبب أدركته مؤخراً.

– أخبريني.

– إن الناس هنا أصبحوا مع مرور الوقت لا يحبون منظر المدينة، وهو لم يعد يهدئ من روعهم أغلب الأحيان، بل يزيدهم كرباً على كرب. ربما لأنه يذكّرهم بأنهم موجودون هنا، ولا يستطيعون الذهاب إلى أي مكان. أما في غرفة النوم فيمكنهم، على الأقل، أن يغلقوا أعينهم بسلام.

تراكمت على رخام المجلى الأطباق والأواني المتسخة، وتصاعد البخار متراخياً، ثقيلاً من المياه الساخنة التي تجمعت في حوضه. قالت رشا، وهي تحرك القهوة الكثيفة في الركوة: لقد اشتقت لك يا ميّ، وابتسمت من دون أن تنظر إليها.

كانت صراحة عبارتها جارحة، تُسلِّحُ الجورَ الواقع بحق قائلتها. قالت ميّ وقد ثبتت أنظارها على الفنجان الفارغ أمامها: أنا اشتقت لك أيضاً.

بعد قليل سألتها: أتعرفين من يسأل عنك كثيراً بالمناسبة؟ وصبّت القهوة بأناة. انسلَّ من الخارج خبط أجنحة الحمام وأزيز السيارات المتفرقة. وكان ضوء الشمس الداخل من بين ألواح الأبَجور ذهبياً، صافياً.

– من؟

وارتاعت من الإجابة الأكيدة. جلست رشا، ثم قالت وهي تنظر مباشرة إلى ميّ:

– رضوان. رضوان ما يزال موجوداً على قيد الحياة.

هكذا إذن. وما الذي كانت تتوقعه بأي حال؟ ابتسمت ميّ ببرود وقالت، وهي تهيئ نفسها للنهوض: رشا. شكراً لك على الاستضافة. حقاً.

فأتاها الرد السريع:

– مفهوم. أنتِ لا تريدين فتح ذلك الموضوع معي. ذلك مفهوم.

– الأمر ليس بهذه البساطة.

– أعرف.

صمتت قليلاً، ثم أردفت بصوت مكسور:

– لكنني أريدك أن تعرفي.

كانت ميّ جالسة على كرسي ضيق مصنوع من الخيزران، وبدت بثيابها الصبيانية كطالبة شقية جمدت حركتها، وتراجعت في اللحظة الأخيرة عما همّت بالقيام به.

– إنه لم يعد يهمني البتة. لقد تجاوزته الآن. إنه ورائي الآن.

وبعد لحظة من الصمت المتلكئ قالت: أنت غالية جداً عليّ.

لاحقاً، بعد صبّ مزيدٍ من القهوة وزوال شيء من التوتر الذي أحاط بهما، قالت رشا، وكأنها لم تُطِق صبراً حتى تفصح عما دار في بالها: ما أجده مضحكاً – ومحزناً – في الخطبة الفارغة التي ألقتها فلك عن المحبة والحب... أنها لم تأتِ من عبث، فعشيقها قد هجرها قبل بضعة أيام، وهي، على كل الثقافة وسعة المعرفة التي تتبجح بها أمامنا وأمام الآخرين غيرنا، ما تزال تخاف حتى الشلل من العيش ما تبقى من أيامها عانساً. ذلك كل ما في الأمر. بعض الأشياء لا تتغير أبداً.