لا للحق في الحياة

 

نظرية الحرب العادلة

وُجِدَ مفهوم الحرب العادلة في الأطر الفقهية للقانون الدولي قبل إنشاء ميثاق الأمم المتحدة، لكنه أصبح أكثر شمولاً بعد إنشائها، والمبرر الأخلاقي لوجوده هو دفع الضرر، الذي يعدُّ جزءاً أصيلاً من مبررات الحرب العادلة والحق في الحرب الآن. وينتمي تراث الحرب العادلة إلى الغرب المسيحي خصوصاً حسب كريستيان مولون (1944) في مقالته «المسيحية إزاء الحرب»، بِدءاً من مفهوم الحرب المقدّسة والحروب الصليبيّة، عندما لم يعد اللجوء إلى السلاح محرماً على المسيحي، بل أصبح مطلوباً ويُعدّ من الإيمان.

تشكلت أساسيات نظرية الحرب العادلة مع الأب أوغسطين، وشهدت المبادئ التي حددّها فيما بعد العديد من الإضافات والتحويرات على يد توما الأكويني وفلاسفة عصر النهضة، أمثال فرانسيسكو دي فيتوريا وسيراز وهيجو جريتيوس، وهؤلاء لم يُخرِجُوا الحرب من مجال الحق والقانون، إذ تبلورت فكرة أخلاقيّة الالتجاء إلى القوة المسلّحة وكيفيّة ممارستها منذ ذلك الحين، وذلك من خلال تشكيل مجمل المبادئ والأفكار الّتي كوّنت نظريّة الحرب العادلة الكلاسيكيّة، فتقلّص الطّابع الديني الّتي تشكلت من خلاله ليفسح المجال أمام العناصر العلمانية.

ما هي الحرب العادلة؟

يمكننا أن نعتبر أنّ مؤسسي هذه النظريّة هم أرسطو وشيشرون وأوغسطين، وقد جرت العادة أن تنسب إلى الأب أوغسطين (354_430)، أبو مفهوم الحرب العادلة، إذ أن عناصر التّفكير في هذا المفهوم كانت قد وجدت عند شيشرون (106 ق.م) قبله، إلا أنه هو من أرسى في الواقع قواعد هذه العقيدة مطلع القرن الخامس.

لم يضع أوغسطين خلاصة شاملة لأفكاره حول الحرب العادلة، بل كان هذا ما قام به في القرن الثّالث عشر عالم اللاّهوت توما الأكويني في كتابه الجامع في علم اللاّهوت. يقول: «ليست الحرب خطيئة عندما تجمع ثلاث شروط: سلطة الأمير، القضية العادلة، النية السليمة»1.

نستطيع أن نراقب تطور نظرية الحرب العادلة، وانتقالها من الطابع الديني إلى الطابع العلماني مع وجود هدف مشترك سياسي وسلطوي، إذ نرى كيف أن موضوعة الحرب العادلة نتجت فكرياً في التشريع الديني أو القانوني لأغراض سياسية، وذلك مع تقديم مبررات مختلفة أخلاقية وإنسانية تصبّ في النهاية عند تحقيق فائدة سياسية.

في هذا السياق يعلن مايكل والزر (1935) في كتابه الحروب العادلة وغير العادلة، أنّ تراث الحرب العادلة سوف يستمر، لأنه في إطار هذا التّراث نشأت وتشكّلت أخلاق وسياسة العالم الغربي. وهو ينتهي إلى جملة من المبادئ الّتي تحدّد الحرب العادلة وغير العادلة:

1- قضية عادلة. 2- مقصد أو غاية عادلة. 3- أن تكون الحرب الوسيلة الأخيرة. 4- هيئة شرعية: بمعنى أن إعلان الحرب يجب أن يكون من صلاحية حكومة ذات شرعية. 5- أمل معقول في النجاح.

كما أنه وفقا لنظرية الحرب العادلة، يجب أن تحتكم مجريات الحرب إلى: 1- التّمييز بين المحاربين وغير المحاربين. 2- نسبية الخسائر: أي أن إيجابيّات الحرب يجب أن تفوق ثمنها أو كلفتها.

قانون الحرب (القانون الدولي الإنساني)

يقودنا مفهوم الحرب العادلة إلى الحديث عن قانون الحرب، أو (القانون الدولي الإنساني)، وسنحاول البحث هنا في تشكل هذا القانون وأسبابه كنتيجة لما سبق. كما نعلم، فإن للنّزاعات المسلّحة تاريخاً قديماً يعود إلى نشأة البشريّة نفسها، ومع أنّ الحروب عرفت دائماً عدداً من الممارسات العرفية، فإنّ الدّول لم تضع قواعد دوليّة للحد من آثار النّزاعات المسلحة لأسباب إنسانيّة إلاّ في السّنوات المئة والخمسين الأخيرة، وتُعدّ اتفاقيات جنيف واتفاقيات لاهاي أبرز مثالين عن ذلك.

يشكل هذا القانون جزءاً من مجموعة القواعد القانونية الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول، والغرض منه هو الحد من آثار النزاعات المسلحة لأسباب إنسانية، ويهدف أيضاً إلى حماية الأشخاص الذين لا يشاركون، أو كفّوا عن المشاركة في الأعمال العدائية، والمرضى والجرحى والأسرى والمدنيين، وإلى تحديد الحقوق والواجبات التي تقيّدُ أطراف النزاع أثناء سير الأعمال العدائية.

تطورت مجموعة قواعد القانون الدولي الإنساني خلال نحو قرن ونصف، بدءاً من اتفاقية جنيف الأولى عام 1864، التي كان السويسري هنري دونان مؤسس منظمة الصليب الأحمر فاعلاً أساسياً في صياغتها. وامتدت اتفاقية جنيف في العامين 1906 و1929 لتشمل تحسين ظروف المرضى والجرحى من الجنود في القتال، وتضع قواعد جديدة بشأن حماية أسرى الحرب. كذلك اعتُمدت في العامين 1899 و1907، اتفاقيات لاهاي التي تهدف أساساً إلى تنظيم سير الحروب. وفي أغسطس/آب 1949، تم اعتماد اتفاقيات جنيف الأربعة كما نعرفها اليوم، وقد شملت هذه المرة مسألة حماية المدنيين كذلك، رداً على تجربة الحرب العالمية الثانية المخيفة. ثم أُلحقت باتفاقيات جنيف في العامين 1977 و2005 بروتوكولاتٌ إضافية، وسلسلة من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية الأخرى.

تُشكّل هذه الاتفاقيات والبروتوكولات بمجملها ما يعرف بالقانون الدولي الإنساني، الذي يعالج وقائع النـزاع دون اعتبار لأسباب اللجوء إلى القوة أو مدى مشروعية هذا اللجوء، فهو يقتصر على تنظيم جوانب النـزاع ذات الأهمية الإنسانية، وهذا هو ما يعرف باسم القانون في الحرب.

أما قانون الحرب أو قانون منع الحرب، فهو يسعى إلى تقييد اللجوء إلى القوة في ما بين الدول، إذ تمتنع الدول بموجب ميثاق الأمم المتحدة عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة (الفقرة 4 من المادة 2)، وثمة استثناءات لهذا المبدأ في حالة الدفاع عن النفس، أو عقب قرار يتخذه مجلس الأمن للأمم المتحدة بموجب الفصل السابع من الميثاق.

ويصعب في أغلب الأحيان في حالة نـزاع مسلح دولي تحديد الدولة التي انتهكت ميثاق الأمم المتحدة، لكن تطبيق القانون الدولي الإنساني ليس رهيناً بتحديد الطرف المعتدي، إذ سيزعم كل طرف عندئذ أنه ضحية للعدوان. يضاف إلى ذلك أن الهدف من القانون الدولي الإنساني هو حماية ضحايا الحرب وحقوقهم الأساسية، بصرف النظر عن الطرف الذي ينتمون إليه. ولهذا السبب يجب أن يظل القانون في الحرب مستقلاً عن قانون الحرب أو قانون منع الحرب.

نستطيع القول مما سبق إن مفهوم الحرب العادلة المسيحيّ هو الأساس الأخلاقي لقانون الحرب حتى بمعناه الحديث، فالدين كان قد ذهب أبعد من مجرد تنظيم الحياة الاجتماعية، وأخذ يتدخّل في السّلطة، واستخدم القادةُ الدينَ لتشريع الأفعال كالحرب والقتل للمحافظة على السلطة السياسية، واستخدم الدين نفسه لتنظيم مجريات الحرب أيضاً. وكذلك الأمر في السياق العلماني الحديث، لا يزال مفهوم الحرب العادلة فيها سياسياً صرفاً، ولا تزال الحرب وسيلةً لتأسيس الدولة والسلطة واستمرارهما، وبالتالي يجب قوننة الحرب بالضّرورة.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

يعمل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عمل القانون الدولي الإنساني نفسه، ولكن في وقت السلم، وهو أرضية للتّشريع في القانون الدولي الإنساني وأي قانون آخر، باعتباره وثيقة عالميّة معترفاً بها للإنسان وحقوقه، وباعتباره نتاجاً إنسانياً يهدف إلى قوننة حقوق الأفراد في الحالة السلمية.

وأقترح أننا بالانطلاق من عنوان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن المادة الثالثة منه، الّتي تقول: «لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه»، يمكننا مقاربة مفهوم الحرب العادلة وحق الحرب بطريقة مختلفة، وهو ما قد يقود بدوره إلى إعادة النّظر في دراسة هذا الإعلان نفسه ومقاربته وفهمه.

العنوان: إعلان عالمي

يرتبط القانون بمفهومه الطبيعي بعناصر خاصّة جداً تحكم مفهوم العدالة فيه، كالجغرافيا والمناخ والحالة الاجتماعية والتاريخية... إلخ. ولهذا فإننا لا نستطيع القول إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو دستور عالمي كما يوحي عنوانه.

بمعنى آخر، العادات والتقاليد، وهي القوانين العرفية الأولى، تختلف من منطقة إلى أخرى ومن جماعة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر، حتّى ولو كان البشر الذين يعملون بها يحملون الإيديولوجيا أو المذهب الفكري أو الدّيني نفسه. وهذا يعني أن القوانين لا تستطيع تحقيق العدالة أينما طُبقت، بل يختلف هذا طبقاً لاختلاف مفهوم العدالة وتغير الظروف والأفكار السائدة.

يمكن القول إذن إن الإعلان العالمي لحقوق الأنسان هو أرضيّة دستوريّة، أو محاولة لشمل وحصر الحقوق العالمية الإنسانيّة. ومعروفٌ أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يستند إلى القوانين الأوروبية وما كفلّته لمواطنيها من حقوق انطلاقاً من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي 1789، ويعني هذا أن ما يتضمنه هو في الأصل حقوق الإنسان الغربي خصوصاً، وأنه محاولة لسحب هذه الحقوق إلى باقي الجماعات البشرية.

المادة الثالثة

تأخذنا المطالبة بالحق في الحياة وكرامة الإنسان وسلامة شخصه، واعتبار هذا الحق من أسس التشريع لباقي أبواب الإعلان العالمي، إلى الاعتراف بقانون الحرب وعدالة الحرب وحقها حتى برأيي. ذلك لأن حقّ الحياة وجه آخر لتعريف حقّ الحرب العادلة، ولأن من شأنه أن يخلق طرفي صراع بمعنى الظّالم والمظلوم. أقصدُ أن قانون تنظيم الحرب ومفهوم الحرب العادلة، يعني تنظيم كيفية إهدار الحق في الحياة بطريقة عادلة.

في ظل وجوب الحرب ووجوب تنظيمها، يبدو كما لو أن «حق الحياة» يشرّع ماضي ومستقبل الحرب، بحجة الدّفاع عن هذا الحقّ، وباعتبار أن الحاضر له قوانينه (القانون الدولي الانساني).

المشكلة هنا في شكل وطرح القانون، إذا أننا نحتاج الى أرضية تشريع تحدّد بدقة حقيقة المساعي الإنسانية، وليس السّياسية فقط. نحن نواجه هنا مشكلة في أصل التّشريع لقوانين حقوق الإنسان، الّذي يوصلنا إلى حتميّة تشريع الحرب كقيمة وحلّ، وإلى أن حق الحياة والعدالة أساسٌ لها، ولذلك يبدو نقدُ القيمة الّتي يعطيها الإنسان عن نفسه عبر حقّ الحياة نضالاً ضد قوننة الحرب في العالم.

في ظلّ وجود حق يُجيّرُ الحياة أولاً، فإن الحرب لا مفرّ منها. هذه حقيقة بحسبِ تجربتنا مع طبيعة الإنسان الاجتماعية، كون هذه الطّبيعة تتأسّس على تجربته وتتأثّر بتاريخه، ويمكننا هنا أن نأخذ مثالاً عاماً يشرح الأمر:

لنفترض أنّ الحقّ الأول من إعلان حقوق الإنسان هو «لا للقتل»، فإننا نكون بهذا قد اعتبرنا أنّ المشكلة في القتل نفسه، فيصبح أي قتل، حتى ولو سمّي عادلاً، أمراً مرفوضاً قانونيّاً، وهو ما سينسحب بالضّرورة على باقي التّشريعات، لتكون عدالة الحرب وقانونها بدورها أموراً مرفوضة.

هكذا يسعني الاستنتاج أن سبب تنظيم الحرب والاعتراف بها أصلاً هو الإقرار قانونياً بالحق في الحياة، وعلى هذا الأساس، نستطيع نقد الحرب العادلة وقوانينها، لأننا بـ «رفض الحق في الحياة» نستطيع رفض الحرب، أما بتكريس الحق في الحياة بوصفه نصاً قانونياً فإننا نكون قد كرّسنا القتل. إن إقرار الحق بالحياة في قانون، يجعل من هذا الحق أمراً غير بديهي، ومن ثم يؤسّس لإهداره عبر الحرب وحجّة عدالتها. وبانتظار أن نتمكن من تغيير نظرتنا للحياة والإنسان وحقوقه، يبدو أنه ليس أمامنا سوى القبول بمفهوم الحرب العادلة وقوانينها.

  • 1. يمكن الرجوع إلى فكرة الحرب العادلة بالتفصيل في نص «المسيحية إزاء الحرب» للباحث كريستيان ملون، المنشور في المجلة الفصلية «خيارات لاعنفية» ، العدد 84، فرنسا 3841، ص31-8.