لجنة لصياغة دستور لن يطبقه أحد

 

في لقاء له مع جريدة المدن الالكترونية، قال الدكتور نصر الحريري، رئيس هيئة التفاوض للمعارضة السورية، إن تشكيل اللجنة الدستورية «انتصارٌ للشعب السوري»، وإنها «إنجازٌ حقيقي، وجزءٌ من القرار 2254، ولا أحد يستطيع أن يُنكر ذلك». يعرف السيد الحريري أن كلامه ليس صحيحاً دون شك، فتأسيس هذه اللجنة كان أصلاً قراراً روسياً-تركياً تم اتخاذه دون حضور المعارضة في مؤتمر سوتشي مطلع 2018؛ وهذه اللجنة ليست إنجازاً يعتدّ به، ذلك أن التوافق على أسماء أعضائها فقط تطلب أكثر من عشرين شهراً، ارتكب النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون خلالها عشرات المذابح، وهجروا مئات آلاف السوريين من ريف دمشق وريف حمص ودرعا ومناطق في أرياف إدلب وحماة.

يعلم السيد الحريري أيضاً أن الذكر المتكرر للقرار 2254 في كل حديث عن مسار الحل السياسي، لم يعد يتجاوز كونه رطانة خالية من المعنى، وأنه ليس أكثر من اعتراف لفظي بدور الأمم المتحدة والدول الغربية، ذلك أن قبول المعارضة تحت الضغط التركي بالذهاب مباشرة نحو العملية الدستورية ينطوي على خروج لا لبس فيه عن مضمون القرار 2254، الذي تحدَّثَ عن أن هدف العملية السياسية هو «انتقال سياسي في سوريا»، وتحدَّثَ عن تأييده لبيان جنيف 2012 كـ«أساس» لهذا الانتقال السياسي، وهو البيان الذي جاء فيه حرفياً، وتحت عنوان «خطوات في العملية الانتقالية»:

- إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية. وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية. ويمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى، ويجب أن تُشكَّل على أساس الموافقة المتبادلة.

- الشعب السوري هو من يقرر مستقبل البلد. ولا بد من تمكين جميع فئات المجتمع ومكوناته في الجمهورية العربية السورية من المشاركة في عملية الحوار الوطني. ويجب ألا تكون هذه العملية شاملة للجميع فحسب، بل يجب أيضاً أن تكون مُجدية، أي أن من الواجب تنفيذ نتائجها الرئيسية.

- على هذا الأساس، يمكن أن يُعاد النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية. وأن تُعرض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام.

- بعد إقامة النظام الدستوري الجديد، من الضروري الإعداد لانتخابات حرة ونزيهة وتعددية وإجراؤها لشغل المؤسسات والهيئات الجديدة المنشأة.

- من الواجب أن تُمثَّلَ المرأة تمثيلاً كاملاً في جميع جوانب العملية الانتقالية.

إذن، يتفق بيان جنيف مع ما يقتضيه المنطق السليم، وهو أن الدخول في عملية دستورية ثم انتخابات، في وقت لا تزال فيه السلطة التنفيذية ومؤسساتها بيد نظام الحكم نفسه منفرداً، لا يمكن أن يؤدي إلى «انتقال سياسيّ»، لأن السلطات التي ستشرف على تنفيذ الدستور هي السلطات نفسها التي تطمح العملية الانتقالية إلى تغييرها أصلاً، ما سيحوّلُ العملية برمتها إلى مهزلة لا معنى لها ولا فائدة من هدر الوقت والجهد بشأنها.

ولأن روسيا والنظام السوري يريدان بالضبط أن تكون العملية برمتها مهزلة لا معنى لها ولا فائدة من هدر الوقت والجهد بشأنها، لذلك انصبَّ جهدهما على تجاوز مسألة هيئة الحكم الانتقالي؛ ولمّا كانت روسيا تعرف أنه لا مجال لتجاوز هذه المسألة إلّا بموافقة المعارضة، فقد اتجهت إلى التفاهم مع تركيا، وتقديم مكاسب لها في صراعها مع الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، في مقابل قيام أنقرة بإجبار المعارضة السورية على القفز إلى الفقرة الثالثة من «خطوات في العملية الانتقالية»، التي تتحدث عن الدستور.

وغنيٌ عن القول طبعاً إن هذا ما كان ليحدث لولا تخلي القوى الغربية عن دعم المعارضة، ولولا قبول المجتمع الدولي بتوكيل روسيا إدارة الملف السوري، ولولا التفويض الدولي غير المعلن لأجهزة النظام السوري الأمنية وللآلة الحربية الروسية والإيرانية في ارتكاب أعمال التغييب والتعذيب والقتل والتهجير، على نحو يحطّم كل أمل ورجاء لدى السوريين المناهضين لنظام الأسد.

لقد وافقت هيئات المعارضة السورية قبل أكثر من عام ونصف على الدخول في عملية دستورية بالشراكة مع النظام، دون أن يكون مطلوباً من الأخير القيام بأي شيء بما في ذلك إيقاف القتل تحت التعذيب في سجونه، ولم يحصل السوريون المناهضون للنظام على أي شيء في مقابل هذه الموافقة، بما في ذلك صيانة دمائهم ودماء أطفالهم.

وإذا كان صحيحاً أن الأمم المتحدة تتصرف كشاهد زور على تصفية المسألة السورية سياسياً، وتشرف بنفسها على مسار يتعارض مع قرارات مجلس الأمن الذي هو مؤسستها الرئيسية، فإنه لا بد من القول أيضاً إنها ما كانت لتستطيع تبني أعمال اللجنة الدستورية والاحتفاء بها على هذا النحو، لولا أن هيئات المعارضة المعترف بها دولياً شريكةٌ في هذا المسار، ولولا أن المعارضة السورية نفسها قد تخلّت عن حقها في أن تكون نقطة البداية للعملية السياسية هي تأسيس هيئة حكم انتقالي.

لقد تم انتزاع اعتراف المجتمع الدولي بحق السوريين في هيئة حكم انتقالي بتضحيات السوريين ودمائهم، وذلك عندما كانت قوى الثورة والمعارضة في أوج صعودها عام 2012، وهو المكسب الي تم إجبار هيئات المعارضة السورية على التنازل عنه لاحقاً بالنار والدم، وتحت ضغوط الحلفاء، وأولهم الحليف التركي الذي لم يفعل شيئاً سوى استخدام المعارضة في حروبه من أجل «أمنه القومي». وإذا كان يمكن لنا أن نجد عذراً لمن أهدروا هذا الحق، من خلال القول بأنهم اعتقدوا أن الضمانات التركية أفضل من غياب أي ضمانات تماماً، فإن ما يبدو واضحاً اليوم هو أن هذا الاعتقاد لم يكن في محلّه.

وبعد، يبدو أن المعارضة السورية باتت مجبرة على خوض معركة اللجنة الدستورية اليوم، وثمة أدوات بين يديها يمكن أن تساعدها على خوضها، وأولها قرارات مجلس الأمن التي يمكن الاعتصام بها في كل وقت؛ نحاول أن نقول هذا لأنه لا فائدة من الركون إلى العدمية واليأس المطلق، ولأن آخر ما يمكن فعله وفاءً لتضحيات السوريين ودمائهم هو محاولة عرقلة عملية إعادة تأهيل النظام بكل السبل الممكنة، والاستمرار في خوض كل مواجهة ممكنة معه وعلى كل صعيد، بانتظار أن تتغير المعطيات والموازين ومن أجل المساهمة في تغيير هذه المعطيات والموازين.

وأول فصول المرحلة القادمة من المعركة الدستورية هو أن النظام مصرٌّ على الاستناد إلى هذه العبارة من بيان جنيف، «يمكن أن يُعاد النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية»، للقول إن مهمة اللجنة الدستورية هي البحث في تعديلات محتملة على الدستور الحالي، في حين أنه يمكن للمعارضة السورية أن تواصل التمسّك بعبارة أخرى من البيان نفسه، «بعد إقامة النظام الدستوري الجديد»، للقول إن مهمة اللجنة هي صياغة دستور جديد. كذلك يمكن للمعارضة الاستفادة في كل وقت من العبارات التي يتضمنها قرار مجلس الأمن الدولي 2254 حول ضرورة ضمان بيئة ملائمة للانتقال السياسي، بما يشمل الإفراج عن المعتقلين وإطلاق الحريات العامة ووقف القصف والعنف. تكفل القرارات الدولية للمعارضة أن ترفض نقاش حرف واحد في الدستور قبل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين والكشف عن مصير المغيبين وإبلاغ من تتم محاكتمهم بتهمهم والسماح لهم بتوكيل محامين، هذا مثالٌ واحدٌ فقط عمّا يمكن فعله لو امتلك المعارضون الحاضرون الإرادة والاستقلالية اللازمة.

إذا لم تنتهِ الشراكة الروسية التركية في الملف السوري لأسباب تتعلق بالصراعات الدولية، فإن تركيا ستمارس دون شك شتى أنواع الضغوط على المعارضة لإجبارها على مواصلة الشراكة في المهزلة الدستورية، التي يمكن للمعارضة إنهاؤها في كل وقت. وإذا كانت المعارضة تخشى خسارة حليفها التركي في حال رفضت توجيهاته، فإن هذه الخشية مخادعةٌ دون ريب، وهي أقرب لأن تكون خشية من شخصيات الائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات على مكاسبهم الشخصية من الإقامة في تركيا وحرية التنقل فيها، ذلك أن مجريات المعارك الأخيرة في إدلب، والأوضاع الراهنة في مناطق سيطرة الجيش التركي في شمال حلب وعفرين، تقول بوضوح إنه لم يعد لدى هذا الحليف ما يقدمه، هذا إذا كان يريد تقديم شيء أصلاً.

إذا كان الهدف من المشاركة في اللجنة الدستورية هو صياغة دستور جديد، وتنفيذ مقتضياته تحت حكم أجهزة نظام الأسد نفسه، فإنها بلا شك عمليةٌ لصياغة دستور لن يقوم بتطبيقه أحد، حاله كحال الدستور الحالي الذي لا يطبقه أحد، وهي أيضاً عملية لن تفيد سوى في تعويم النظام وترميم شرعيته. لكن يبقى أن هناك متسعاً لتحويلها إلى عملية تساهم في عرقلة جهود تعويم النظام على الساحة الدولية، وفي استعادة القضية السورية من براثن عمليات التزوير الدموية المستمرة، هذا فقط إذا امتلكت الشخصيات المعارضة الحاضرة في اللجنة حداً أدنى من الاستقلالية والكرامة والوفاء للدماء السورية العزيزة التي تُسفك دون هوادة منذ ما يقترب من تسع سنوات.