لقاء في برلين

 

برلين عاصمة ألمانيا، لكنها لا تمثّلها، بل لعلها تعكس نقيضها ووجهها الآخر. تشذّ ُبرلين عن معظم ألمانيا التي تسود فيها قواعد صارمة، كما لا يكترث أحدٌ فيها بما يفعله الآخرون أو بما يشغلهم. السهولة التي يعيشها المرء في برلين تكسر حدة الصعوبة والروتين والنظم التي تفرضها المدن الألمانية، وهي مثال رائع على اقتران الحرية بالإبداع والتعددية بالاغتناء. حيويتها المستمرة لا تدع للعيون مجالاً للنوم، مما يرهق سكانها ويدهش زائريها. وكما تحتضن جميع الجنسيات والألوان، تلم برلين شعث السوريين المتفرقين في بلاد العالم، تطعمهم وتعزف لهم كما لو أنهم في بلدهم، حتى أن محلات الشاورما والفلافل والحلويات تكاد تكون أكثر سوريّة هنا مما هي عليه في سوريا نفسها. وعلى كبرها وضخامة عدد الوافدين إليها، تجمع شمل الناس وتحتضنهم. تغريهم، ترفعهم أحياناً، وتطحنهم أحياناً أخرى.

في زيارتها الأولى إلى برلين، تلتقي نادين بسامي الذي لم تره منذ خمس سنوات، ومعها أخوها القادم من السويد وزوجها. تتصل المجموعة ببقية أفراد الشلّة القديمة، ليجدوا عدداً منهم في برلين ويرتبوا لموعد في بيت سامي. نادين تعرف سامي معرفة عميقة، تكاد تعرف كل تفاصيل حياته رغم أنه لم يسبق أن تحدّثا يوماً وجهاً لوجه. كانت تعرف أخباره من أخيها، وتسمع البقية من أخته التي كانت صديقتها المقربة. مؤخراً عرف سامي عن طريق فيسبوك أن نادين تخلّت عن حجابها، وحاول دعمها في حربها مع المجتمع المصغر هناك، والردّ على الهجوم الذي كانت تتعرض له.

يعيش سامي في بيت مشترك مع عدد من الفنانين في منطقة «نوي كولن»، في بيت تملأه الآلات الموسيقية ويعكس فقر الفنانين وفنهم وفوضاهم. ولم يحتج سامي لإذن مسبق من شركاء السكن قبل استضافة رفاقه كما هي العادة في ألمانيا، «فأنت في برلين!».

توافدَ الأصدقاء واحداً تلو الآخر إلى بيت سامي، هم أنفسهم إلا أن كل واحد منهم قد أصبح غير ما كان عليه في الماضي. الجميع تغيّروا معاً، وكل واحد منهم تغيّر على حدة أيضاً، حتى أن أسماء بعضهم قد تبدّلت أيضاً. دخلت نادين والتقت عيناها بعينيّ سامي، هذه المرة لن يلقي عليها التحية من بعيد وهو مطأطئ الرأس، قائلاً :«كيفك إختي نادين»، بل سيصافحها باليد وينظر في عينيها مباشرة.

يطوف في خاطر نادين شعور بالحنين اللطيف والغرابة. شيءٌ أشبه بالعودة إلى الوطن بعد الفراق، الماضي يطلّ على المشهد وينفتح باب المصيدة، أشباحٌ كريهةٌ تقفز إلى الوعي، وذكرياتٌ جميلة تطوف في الخاطر في الوقت نفسه. كأنما ثمة حبل مشدود، طرفاه برلين في ألمانيا والقلمون في سوريا. وكأنما عبرت بها آلة الزمن خلاله.

لم يسبق لنادين أن جلست مع أقاربها وأصدقاء أخيها في الوقت نفسه، الفصل الصارم بين النساء والرجال كان يحول دون ذلك. اليوم تجلس برفقة إخوتها مع الأصدقاء بإلفة ودون حواجز، كما لو أنها تفعل ذلك منذ مئة سنة. المكان والزمان تغيرا، ومنظومة القيم بكليتها تبدلت، والتفاصيل تعكس عمق هذا التغيير. تذكّرَت حين كان يأتي الأصدقاء لزيارة أخيها، كيف كان عليها أن تركض وتترك المكان قبل أن يراها أحد بدون غطاء رأس، وكيف كانت تشعر بالغيرة لأن بوسع أخوتها السهر إلى منتصف الليل مع أصدقائهم. هذه الحرية التي لم تكن مُتاحة لها ولصديقاتها.

لقد كبر هؤلاء الشبّان سوياً، خضعوا للتربية العسكرية ذاتها حين كانت عقولهم هشّة ولحمهم غضّاً طرياً، حضروا دروس الدين في المسجد نفسه وتتلمذوا على يد المشايخ عينهم، وكل ما ترسب في العقل الطفولي تجذَّرَ فيه بعمق كبير، وتم تلقيه بقدسية لأنه كان مرتبطاً بالوطن والدين. سكنوا معاً في دمشق معاً خلال دراستهم الجامعية، وثاروا معاً ضد النظام الحاكم ومعه ضد كل الدوائر الصغيرة والكبيرة التي صنعها وكرسها. في موازاة شلّة الشبّان هذه، كانت لدى نادين مجموعة من الصديقات الشابّات، إحداهنَّ إخت سامي وأخرى قريبة صديق آخر في شلّة الشبّان. كانت المجموعتان تنضجان بشكل أو بآخر معاً، رغم أنهما لا تختلطان أو تجتمعان بشكل مباشر.

لقد قضوا ما يقارب ربع قرن معاً، عبروا مراحل النضوج تكتنفهم المتاعب المألوفة للشباب، ثم جاءت الثورة، فخرجوا معاً للتظاهرات في براءتها الأولى، لتكون صرخة تمردهم الأولى حينما انشقّ الجلد والعظم عن قلبٍ شابّ، يريد أن ينقذ العالم ويغيره.

لقد قوضوا الحواجز التي كانت أمامهم، دقوا جدران مصيرهم، وقرعوا أجراس المساجد والكنائس وهتفوا حتى بُحّت حناجرهم، لكن الحرية التي فرشوا لها عظامهم وجلودهم لم تصل أبداً. طعنت الخيبة القلب الغضّ من الظهر، والتهب الجرح وتقرّح. ثم عصفت الكارثة بالجميع، وكان أثرها مختلفاً على كل فرد. تحطّم قاربهم فتمسكوا ببقاياه ووصلوا به إلى شاطىء الأمان في أوروبا. لقد تغيروا كثيراً، بل لقد أُعيد خلقهم وتشكيلهم من جديد.

نادين كانت تحلم دوماً أن تكون مصممة أزياء إسلامية، كانت تريد أن تكون جزءاً من التغيير الذي تريد أن تراه في العالم، فقد كان يزعجها أن اختيار الفتاة للحجاب والحشمة مرتبط بتخليها عن الموضة والأزياء. بدأت بدراسة التصميم في الجامعة، إلا أن خوف الاعتقال حال دون تمكنها من الذهاب للجامعة وإكمال دراستها. بعد اعتقال أبيها وسقوط مدينتها في القلمون في قبضة النظام اضطرت للنزوح إلى العاصمة دمشق، ثم عادت إلى مدينتها بعد ما يقارب العام، لتتعرف على زوجها اليوم، يتبادلان المشاعر ويتشاركان رحلة البحر إلى أوروبا.

سامي ذو الصوت الجميل والحسّ الموسيقي كان يطور نوعاً جديداً من الموسيقى البديلة التي تحكي هموم الشباب وقضاياهم. اشتهر سامي بغيتاره الذي كانت تستحوذ عليه أخته عند سفره إلى دمشق، فتتمكن نادين وشلّتها من العزف عليه. كم كانت تكره عندما يتصل أحد أفراد شلة الشباب ويطلب الغيتار، قبل أن تكتمل فرحتها به. اضطُرَ سامي للخروج مع غيتاره من سوريا عام 2012 إلى بيروت، ليقضي عامين هناك تحت ضغط الحياة وصعوبتها، ثم يلحق رفاقه إلى تركيا ويركب البحر بعدها إلى ألمانيا. أليكس، الذي حوّلَ اسمه عن عبد الباري، كان مثقف الشلة البراغماتي قويَّ الحجة لطيف المعشر، وكان المسؤول الرسمي عن البحث عن أفلام للشلة وتنزيل الترجمة ومُزامنتها، ثم تصديرها إلى شلّة صديقات أخته نادين. كان يحلم بإنشاء سينما منزلية مصغرة فيها أحدث تقنيات الصوت والصورة.

مروان وأشرف كانا قد ذهبا إلى الإمارات، وعند سقوط المدينة في القلمون بيد قوات النظام كانا بعيدين، فلم يعرفا عن ما حدث إلّا قيلاً عن قال. تمكنّا من أخذ فيزا مباشرة إلى ألمانيا، فتجنبا طرق البحر والبرّ والمجهول. أما أوليفر، الذي حول اسمه عن جعفر، فقد تمترس خلف الجبهات مقاتلاً، وكان ينوي أن يقاتل حتى النفس الأخير. قيلَ للمقاتلين إن النصر سيكون حليفهم في المعركة وإن الجيش الحر يسيطر على زمامها، لكنهم لم يسمعوا بعد عدة ساعات إلا خبر انسحاب المقاتلين وسقوط المدينة. ركض لا يلوي على شيء. انزوى تحت شجرة زيتون وصرخ بأعلى صمته: أين أنت يا الله! كل ذرة من جسده كانت تصرخ، لكنه لم يسمع سوى الصمت الإلهي الهادر جواباً.

رغم أنهم يبدون مختلفين، لكنكَ لو كشطتَ قناعهم قليلاً، لو كشطتَ الجلد المستعار الذي غطوا به خيبتهم، لبدوا نسخة واحدة. قلوبٌ مطعونة من الظهر، عقولٌ تحولت إلى أدمغة، وانعجنت بطين الحياة وتمرغت في وحل الحقائق. يصف «سام» المشهد قائلاً: «نحن أشبه بأجهزة، كلها نازل عليها سوفت وير واحد، مع ذواكر مختلفة».

كانت رحلة التغيّر وإعادة التشكيل موحشة لكل منهم على حدة، فقد كانوا آحاداً متفرقين وضعفاء، لكنهم بعد تغييراتهم الجذرية وانقلاباتهم المتعددة، وجدوا في برلين أنهم لا يزالون متشابهين. عمَّ جوٌّ استثنائيٌ من الانسجام، ودارت الأحاديث بسلاسة، لكن رغم ذلك، كانت محاولةُ المُقاربة بين «الآن» و«ما كان» أشبه بأخذ العقل إلى حافة الجنون.

خرج الجميع من البلد مرغمين، لكن لم تكن الملاحقات الأمنية والحرب الشعواء هي السبب فقط، ولم تكن أسوار المدينة بجبروت جلاديها هي التي ضاقت وحدها على أرواح الشباب التي كانت تتضخم كل يوم، بل حتى أفكار الأساتذة والمربين. لم يكن من الممكن لهم أن يخضعوا بارتياح للأطر القديمة وحدودها الضيقة، لقد بدأوا بتحطيم الحدود، حتى دون أن يعرفوا ما هي! ولم يعد بوسعهم أن يتنفسوا الهواء المفلتر والمكرر والمستهلك. فتحوا أذرعهم للعالم واستنشقوا هواء الحرية بكل مركّباته. إنه مختلف تماماً، ويبدو أن رئتهم بحاجة أن تعتاد عليه حتى تهضمه.

ذكريات الطفولة التي أعادها اللقاء تنفجر في كل اتجاه وتساعد على زيادة الألم أكثر، وعلى غرز إشارات الاستفهام عميقاً في اللحم أكثر. هل غرقت السفينة المبحرة إلى التحرير في الأعماق؟ وهل تبخرت القوة العظيمة التي كانت في الصدور؟ وهل نحن نحن؟ أم نحن أشخاصٌ آخرون؟ أين ستحطّ بواخرنا التي ما زالت تبحر، ولم تجد بعد ميناء تنتمي إليه حقاً؟

تلك الروح، التي كانت في لهيب الشباب المتأجج تتوق للسيطرة على العالم، تجد نفسها الآن في زاوية محاصرة من كل صوب، تبحث عن حلّ، مرة في النجاة الفردية ومرة عن طريق التفكير بحلول نجاة جماعية، تشعر أنها محدودة جداً داخل جسد هزيل وجلد عبر البرّ والبحر، وعبثاً تحاول بصبر وخضوع فهم قانون الضرورة والرضوخ له. مفردات الاندماج بالمجتمع الجديد تحاول أن تسيطر على مفردات التمرد على المجتمع القديم، وأن تحلّ محلها. المجتمع الجديد يطلب منهم الاندماج، ومجتمعهم القديم يزعق بهم أن يحافظوا على قيمه. لكن حرباً أهلية ضارية نشأت بين كل القيم، وقد نشبت بوعي أو بلا وعي عند كلٍّ منهم في مواجهة حاضره. حربٌ أهليةٌ بين صورة الذات القديمة، التي كانت لها السلطة المطلقة قبل أن تتلاشى قواها، والتي ما زالت تقاتل بضراوة للاحتفاظ بسيطرتها على الحياة، وبين الصورة الجديدة، الأوسع والأنضج والتي تكافح، بعفوية ودون تنظيم لانتشالهم إلى برّ الأمان.

لقد تركوا الوطن، جميعم، إلا أنهم ما زالوا يكافحون. وكفاحهم من أجل الخلاص الجماعي يبدو مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً مع الكفاح من أجل الخلاص الفردي. معركتا الخلاص مترابتطان هنا ومتوازيتان، الخلاص من الأسلاف المعتمين في داخلهم، ومن الإرث الاستبدادي والعالم الديكتاتوري المعتم.

ينهض سامي ليذهب إلى غرفة الآلات الموسيقية، يتبعه الآخرون، يستغرق في العزف على آلته. الشبّان والشابّات يعيشون لحظتهم السيريالية في منزل سامي، وبرلين تعيش عشوائية حريتها وألقها خارج أسواره، وفي أعماقهم تتجاذب التناقضات، تطوف الأسئلة وتغرق الإجابات.