لقاح كورونا في الجزيرة السورية

هذا المقال جزء من تغطية خاصة عن لقاح كورونا في الداخل السوري.

في ظل العجز الصحي الكبير الذي خلفته الحرب في محافظات الجزيرة السورية، شهدت المنطقة انتشاراً كبيراَ لفايروس كورونا المستجد. تشير الإحصاءات الأخيرة التي أعلنت عنها الإدارة الذاتية الحاكمة لشمال شرق سوريا إلى أن عدد الإصابات في منطقة سيطرتها قد بلغ 18,547 إصابة، بينها 763 وفاة. ومن الممكن الجزم بأن العدد الفعلي أكبر من ذلك بكثير، وذلك نتيجة غياب آليات فحص وإحصاء كافية للمقيمين في المنطقة.

ومع ازدياد حالات الإصابات كل يوم في المنطقة، نسقت منظمة الصحة العالمية في شهر نيسان من هذا العام لتقديم لقاح أسترازينيكا، عبر مبادرة Covax، لمناطق سيطرة الإدارة الذاتية، عن طريق إرسال حصة المنطقة عبر دمشق.

التوزيع بتنسيق وزارة الصحة

يوضح الطبيب كسار العلي، رئيس لجنة الصحة في الرقة، في حواره مع موقع الجمهورية.نت أنه تم تخصيص تسعين ألف جرعة من لقاح أسترازينيكا لمناطق شمال شرق سوريا، سيتم توزيعها على عدة دفعات، من ضمن مليون وعشرين ألف جرعة تم تخصيصها لمناطق سيطرة النظام السوري ومناطق شمال شرق سوريا، وذلك بالتنسيق بين منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة السورية وهيئة الصحة التابعة للإدارة الذاتية.

ويضيف العلي أنه تم استلام أول دفعة من الجرعات في مدينة الرقة في 13 حزيران (يونيو) وتضم خمسة آلاف ومئتي جرعة، وذلك عبر مطار القامشلي ومعبر الطبقة الفاصل بين مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة الإدارة الذاتية. الجرعة الأولى مخصصة للكادر الطبي في المدينة ومن هم فوق الخامسة والخمسين من العمر. تزامناً مع ذلك، تم تدريب عدد من الكوادر الطبية المتخصصة على التعامل مع اللقاح.

يتم توزيع اللقاح في مركز سيف الدولة في مدينة الرقة، مع وجود فرق جوالة لإعطاء اللقاح أيضاً في مراكز تم إحداثها مؤقتاً في المشفى الوطني والمراكز الطبية الأخرى في مدينة الرقة وريفها. وتتم العملية على جرعتين لكل شخص يفصل بينهما ثمانية أسابيع، وفقاً لما أفاد به رئيس لجنة الصحة.

تخوفات وشائعات

وفقاً للطبيب سليمان الشناعة، المسؤول السابق لمركز الحجر الصحي لمصابي الكورونا في الرقة، فإن العديد من الأهالي متخوفون بشكل كبير من أخذ اللقاح، وذلك بسبب ما شاع عن تسجيل حالتين وفاة في مدينة الرقة بعد أخذ اللقاح من المراكز المختصة. ويوضح الشناعة أنه لا معلومات مؤكدة تربط بين الوفاتين واللقاح، ولكن تزامن وفاتهم مع مرور فترة وجيزة على أخذ اللقاح أثار الهلع لدى الأهالي.

يوضح الطبيب أن الشخصين اللذين تُوفّيا بعد أخذ اللقاح كانا متقدمين بالعمر، وأن أحدهما كان يعاني من مشاكل قلبية استلزمت عملاً جراحياً في السابق، وتُوفي بعد تلقي الجرعة بيومين؛ بينما تعذرت معرفة سبب الوفاة الثانية نتيجة وصول المريض للمشفى متوفياً، ما حال دون تشخيص الحالة من قبل الأطباء.

يشير الشناعة أنه قد أخذ اللقاح بدوره بتاريخ 14 حزيران، وقد سبقت إصابته بالفيروس، ما جعله يحتاج لجرعة واحدة فقط، وأن الأعراض التي أصابته بعد اللقاح لا تتعدى الألم في مكان الحقن لمدة يومين، بالإضافة إلى أعراض إنفلونزا خفيفة، كارتفاع درجة الحرارة والصداع. 

بانتظار «جرعات أربيل»

أسعد العلي، من مدينة الرقة، هو من بين رافضي تلقي اللقاح الحالي القادم عن طريق النظام السوري، على أمل وصول دفعات جديدة من اللقاح عبر المعابر العراقية السورية. في حديثه، أشار إلى انعدام ثقته بأي شيء يأتي عن طريق النظام السوري، وتفضيله «عدم المراهنة على حياته بأخذ جرعات لقاح قدمت بطائرات اعتادت نقل المعتقلين من القامشلي إلى دمشق، فمن يجلب الموت لا يجلب الحياة».

لم ترتبط قلة إقبال الأهالي على اللقاح في شمال شرق سوريا بالأسباب السياسية فقط، بل أثّر التشوّش المنتشر بين الأهالي إثر انتشار أنباء، مصدرها الكوادر الطبية أحياناً، تشير إلى أن اللقاح الآتي من دمشق هنديّ التصنيع، ما يظنه البعض إثباتاً لكون العقار «غير أصلي»، وبالتالي غير موثوق.

تُتداوَل شائعة منتشرة عن احتمالية وصول دفعات جديدة من اللقاح عبر معبر سيمالكا الحدودي بين سوريا وكردستان العراق، ما أدى إلى اتخاذ الكثيرين قرار انتظار هذه الدفعة. لكن هذا الاحتمال منفي، حسب تصريحات مسؤولي لجنة الصحة في الإدارة الذاتية، وأيضاً حسب الآليات القانونية النافذة حول استخدام المعابر الحدودية لنقل المساعدات الإنسانية عبر الحدود، الأمر الذي يدور جدل دولي كبير بخصوصه خلال الأسابيع الحالية. 

لقاح واحد وبطاقتي تسجيل

في الخامس عشر من شهر حزيران، تلقى إسماعيل، الموظف في أحد المراكز الصحية في ريف الرقة الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية أول جرعة من اللقاح المضاد لفيروس كورونا، وذلك أثناء زيارة أحد الفرق الجوالة التابعة للإدارة الذاتية للمركز. السبب الذي دفع إسماعيل لأخذ اللقاح هو عدم وجود بديل آخر، ووفقاً له: «على الرغم من التخوف الكبير من اللقاح في الرقة، خصوصاً بعد سماعنا ما شاع عن وفاة شاب يبلغ من العمر 35 عاماً في ريف الرقة نتيجة اللقاح، ولكن قناعتي بأن أخذه أفضل من ترك الفيروس يتفشى في المدينة، خاصة أنه لا يوجد لدينا مراكز كثيرة مؤهلة لاستقبال المرضى، الأمر الذي لا يدع لنا خياراً آخر».

ما فوجئ به إسماعيل بعد أخذ اللقاح هو إعطاؤه بطاقتي تلقيح له من أجل الجرعة الثانية، واحدة تحمل شعار النظام السوري وفيها معلوماته كاملة، والثانية تحمل شعار الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا مع معلوماته كاملة أيضاً. هذا الأمر أثار امتعاض إسماعيل، إذ لم يُنبَّه مسبقاً إلى أن معلوماته ستُشارَك مع النظام.

 

حملات دعائية

أحد إعلاميي الهيئات الإدارية من مدينة الرقة والذي فضل عدم الكشف عن اسمه خشية اعتقال قوات سوريا الديمقراطية، قال أثناء التواصل معه: «تتعامل السلطة الحاكمة هنا مع مشروع لقاح أسترازينيكا المُرسَل من قبل منظمة الصحة العالمية كأي مشروع خدمي آخر، يقدمون نفسهم للعالم من خلاله على أنهم منفذون جيدون لمشاريع الشراكة، حيث وجهت وسائل إعلامها للترويج للقاح بغية خلق إقبال من قبل الأهالي على اللقاح من خلال تكثيف استطلاعات الرأي من الأهالي والعمل على إظهار المشروع بشكل احتفالي وكأنه ناجح، متغاضين عن الضعف الواضح في الإقبال».

يضيف الإعلامي أن المراكز الصحية في مدينة الرقة لم تكن، منذ البداية، مؤهلة لاحتواء الفايروس أو معالجة مرضاه، وقد أثبتت مراكز الحجر في كل من المشفى الوطني والملعب البلدي في الرقة تجارب فاشلة في هذا المجال. 

اختلاف سلطات واللقاح واحد

في مدينة القامشلي تتداخل مناطق سيطرة النظام السوري مع مناطق سيطرة الإدارة الذاتية. حيث توجد مربعات أمنية تابعة للنظام ومحاطة بأحياء تخضع لسيطرة الإدارة الذاتية عسكرياً وإدارياً. وتلافياً للفوضى التي قد تحدث في عملية اللقاح بين منطقتي السيطرة، فقد تركت كل من قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية أمر اختيار مركز التلقيح وفقاً لما يريده كل مواطن.

تروي سيبال خليل، وهي شابة من مدينة القامشلي تقطن في أحياء سيطرة الإدارة الذاتية، أنها تمكنت من أخذ والدتها لتلقي جرعتها من اللقاح في أحد المشافي داخل المربع الأمني التابع للنظام في مركز مدينة القامشلي، دون أن تواجه أية مشاكل جراء ذلك مع أي من السلطتين.

وتستلم منظمة الهلال الأحمر الكردي مسؤولية التلقيح في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية من القامشلي والحسكة بعد استقدامها دفعات جديدة من اللقاح عن طريق وزارة الصحة السورية، التي تشكل صلة الوصل بين منظمة الصحة العالمية والكوادر التنفيذية. بدوره، يقدم النظام اللقاح داخل مربع سيطرته عن طريق المشافي والمستوصفات المتواجدة هناك، ويتم تنسيق العملية من خلال أخذ الرقم الوطني لمتلقيٓ اللقاح، وهو موحّد رغم اختلاف السلطتين، ذلك لضمان عدم تلقيح الشخص نفسه مرتين قبل مرور ثمان أسابيع على تلقيه الجرعة الأولى. 

مبعوثو النظام ينجزون العمل في دير الزور

في محافظة دير الزور، يختلف الوضع بشكل كبير بخصوص الجهة المقدمة للقاح، إذ يخبرنا العديد من العاملين في المجال الطبي الذين تلقوا اللقاح أن كوادر النظام السوري الصحية هي التي تقوم بأداء المهمة في الوقت الراهن، مع غياب الإدارة الذاتية وكوادرها في هذه العملية.

الطبيب محمد حاج عبدو، من ريف دير الزور الشرقي، الخاضع عسكرياً لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، والذي كان يعمل ضمن أحد مراكز الحجر الصحي الخاصة بمصابي كورونا، أوضح أثناء حديثه مع الجمهورية.نت أن مسؤولية اللقاح بشكل عام في المنطقة هي على عاتق النظام، من خلال المراكز الصحية المنتشرة في ريف دير الزور، والفرق الجوالة أيضاً. ويوضح حاج عبدو أن ذلك لا يتوقف على لقاح كورونا فقط، بل حتى لقاحات شلل الأطفال وغيرها، حيث أن عمل هذه المراكز روتيني في المنطقة.

أما بخصوص لقاح أسترازينيكا الذي يتم توزيعه اليوم في ريف دير الزور الشرقي، فقد خُصص للمنطقة 20 ألف جرعة بالمجمل، يتم تقديمها على مراحل. وبدأت المرحلة الأولى من التلقيح بعد وصول الدفعة الأولى، التي تضمنت 4,180 جرعة، إلى ريف دير الزور. ويُمنَح متلقي اللقاح بطاقة تحمل شعار النظام السوري، على غرار تلك التي يتم منحها في الرقة، وهي لإثبات أن حامل هذه البطاقة قد تلقى الجرعة الأولى.

ويرى الدكتور حاج عبدو أن نسب الإقبال الحالية في دير الزور ضعيفة، وأن نسبة وازنة من متلقيٓ اللقاح الآن هم من المضطرين للسفر خارج سوريا، والمحتاجين لإبراز إثبات تلقي اللقاح. وخلال حديثه، أشار إلى أنه تلقى جرعة واحدة من اللقاح أوائل حزيران المنصرم كونه سبق له أن أصيب بالفايروس، وأن الثماني والأربعين ساعة الأولى بعد تلقي الجرعة كانت ثقيلة بأعراضها الجانبية لدرجة تشابهها مع أيام إصابته بالفايروس، وهو يرى أن ثقل الأعراض الجانبية على بعض الأشخاص قد ساهم بتغذية بعض المخاوف، لتضاف على الشائعات وانعدام الثقة في إحجام نسب كبيرة من الناس عن تلقي اللقاح.