لقاح كورونا في الشمال السوري

هذا المقال جزء من تغطية خاصة عن لقاح كورونا في الداخل السوري.

بالتعاون مع فريق لقاح سوريا، وسّعت مديريات الصحة في مناطق شمال غرب سوريا الخارجة عن سيطرة النظام منذ أيام حملة اللقاح ضد فيروس كورونا، والتي كانت قد بدأت في الأول من أيار (مايو) الماضي، لتشمل أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن في المنطقة بعد أن اقتصرت في الأسابيع الأولى على العاملين في القطاعين الصحي والإنساني.

وبحسب مخبر الترصد الوبائي التابع لوحدة تنسيق الدعم فإنه، وحتى يوم الخميس الماضي، تلقى نحو 23,726 شخص الجرعة الأولى من اللقاح ضد فيروس كورونا المستجد، منهم 10,967 عامل في القطاع الصحي و8,536 من الكوادر الإنسانية، إضافة لـ4,223 من المصابين بمرض مزمن وكبار السن.

وجرت عمليات اللقاح، بحسب شبكة الترصد الوبائي وفقاً لتقارير أسبوعية نشرتها وحدة تنسيق الدعم، دون اختلاطات كبيرة أو تأثيرات جانبية، وبواسطة 123 فريقاً موزعين على المراكز التي تم إنشاؤها لهذا الغرض.

وجاء في التقرير الأخير الذي نشرته وحدة تنسيق الدعم الإبلاغ عن 37 تقريراً لأحداث سلبية تالية للقاح كورونا، ليصبح عدد التقارير الكلي المبلغ عنها 451 تقرير، وجميع الأحداث المسجلة فيها كانت لصداع أو دوار أو ألم موضعي مكان الحقن، فيما لم تُسجَّل أحداث سلبية بحاجة للاستشفاء.

ما قبل بدء اللقاح

مرّت عمليات اللقاح بمراحل سبقت وصول الدفعة الأولى التي تضمنت 53,800 لقاح تشمل شمال غرب سوريا بالكامل، إذ تم اختيار فرق اللقاح بموجب إعلان عن مسابقة للممرضين، اختير من خلالها أشخاص «أكفاء» خضعوا لدورات تدريبية، بحسب عماد زهران، مدير المكتب الإعلامي في مديرية صحة إدلب.

كما قامت مديريات الصحة بإجراء استبيان للعاملين في القطاعين الصحي والإنساني في جميع المنشآت قبل بدء الحملة بنحو 20 يوماً، وبلغت نسبة القبول المبدئي لأخذ اللقاح نحو 80 بالمئة، فيما رفض نحو 20 بالمئة منهم تلقي اللقاح لأسباب شخصية تتعلق بـ«الشائعات حول اللقاح»، وذلك بحسب الطبيب رفعت فرحات، معاون مدير صحة إدلب ورئيس قسم اللقاحات فيها.

وقال الدكتور فرحات إن عدد الفرق التي تم تجهيزها للبدء بعملية اللقاح بلغت ستة وخمسين فريقاً، كل منها يضم أربعة أشخاص، إضافة للكوادر المشرفة على الحملة، موزعين على المراكز كافة. تلقت هذه الفرق تدريبات على تنفيذ حملة حول الفيروس وعقابيل الإصابة والوقاية منه بالوسائل العامة، وكذلك بلقاح أسترازينيكا وكيفية إعطائه وآليات التوثيق والتسجيل للمتلقين.

يعمل فريق لقاح سوريا، المنفّذ للحملة، منذ العام 2014 بإشراف منظمة الصحة العالمية واليونيسيف، وبالتعاون مع مديريات الصحة، ويضم كوادر تمريضية مدربة تعتمد أعلى معايير الأمن والسلامة. وأصدر الفريق دليلاً إرشادياً حدد فيه الفئات المستهدفة تدريجياً (العاملون الصحيون - العاملون في الشأن العام - أصحاب الأمراض المزمنة - كبار السن)، وحدّد كذلك الفئات غير المشمولة باللقاح (الحوامل - المرضعات - المصابون بأمراض نقص المناعة - الأطفال دون سن الثامنة عشر - النساء اللواتي يخططن للحمل خلال الفترة القريبة التي حددت بثلاثة أشهر من تاريخ أخذ اللقاح - الأشخاص الذين لديهم حساسية من أي لقاح أو دواء)، وطالبوا جميع المتلقين بتبيان وضعهم الصحي والأدوية التي يستخدمونها.

وقال فرحات إن الاستبيان حدد 27,500 متلقٍ للجرعة الأولى من اللقاح من العاملين في القطاع الصحي، والبقية خُصصت للعاملين في الشأن الإنساني وأصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن.

آليات اللقاح: التردد عنوان الأسابيع الأولى

وصلت الدفعة الأولى عن طريق الهلال الأحمر التركي، ودخلت عبر الحدود التركية في معبر باب الهوى، وتم استلامها ووضعها في غرف التبريد في المنطقة، وذلك بحسب فرحات. وقال زهران إن لدى الفريق خبرة كبيرة في حفظ اللقاحات، إذ تنفذ مديريات الصحة حملات تلقيح منذ العام 2014. حُفظت اللقاحات في مراكز خاصة بالقرب من باب الهوى، كما يوجد حافظات في جميع المراكز التي عينت لتنفيذ الحملة.

وحصلت مديريات الصحة على لقاح أسترازينيكا البريطاني مجاناً من قبل كوفاكس (COVAX)، وهي مبادرة عالمية بقيادة التحالف العالمي للقاحات والتحصين (Gava)، وتحالف ابتكارات التأهب الوبائي (CEPI) ومنظمة الصحة العالمية لتوفير وتوزيع لقاحات كورونا على للبلدان الفقيرة ومتوسطة الدخل، ممن لا تمتلك القدرة على توقيع اتفاقيات ثنائية للشراء المسبق.

كان الإقبال ضعيفاً على تلقي اللقاح في الأسبوعين الأولين لبدء الحملة، إذ تلقى نحو 3,423 شخص الجرعة الأولى من اللقاح في كل من إدلب وحلب، ليصل العدد في السابع عشر من أيار إلى 6,911 متلقٍ فقط.

يقول زهران إن الحملة جرت دون صعوبات تذكر، لكن الفرق لمست تردداً عند بعض الكوادر، وهو ما أكد عليه الطبيب فرحات واصفاً الإقبال في الأسابيع الأولى بـ«الضعيف». ويضيف: «كان هناك تخوف كبير مرده عدم العلم والإحاطة باللقاح، إضافة للشائعات الكثيرة التي انتشرت في المنطقة، وكذلك في العالم، أيضاً فرضيات المؤامرات والتقلبات بين أنواع اللقاحات في دول العالم ودرجة موثوقيتها».

يقول من تحدثنا معهم في فرق اللقاح والمسؤولين عنه أن تحسناً طرأ على الإقبال فيما بعد، وذلك بعد تلقي الدفعة الأولى اللقاح دون حدوث اختلاطات أو آثار كبيرة، خاصة تلك التي تخص «التخثر الدموي والجلطات» التي رافقت لقاح أسترازينيكا في حديث الأشخاص والشائعات، علماً أن نسبة حدوث هذه الاختلاطات لم تتعدى عالمياً 0.0004 بالمئة.

طبيب الأسنان خالد شيخوني، المقيم في إدلب، قال إنه وزملاء له رفضوا خلال الاستبيان تلقي اللقاح. يقول إن السبب يعود «لنقص التجارب التي أجريت على أشخاص، أيضاً لم نكن نعرف نوع اللقاح الذي سيصل إلى المنطقة، إضافة للاختلاطات التي رُوِّج أنها ترافق لقاحات كورونا».

تلقى الطبيب خالد الجرعة الأولى بعد وصول لقاح أسترازينيكا وتلقي عدد من الكوادر الطبية له دون حدوث اختلاطات، وبتشجيع من الأطباء في المنطقة، وهو ينتظر الآن الجرعة الثانية، مؤكداً أن الأمر دون أي آثار جانبية تذكر، لكنه، احتياطاً، قام بتناول حبة مميِّع للدم في يوم اللقاح.

ويقول ثلاثة ممن رفضوا تلقي اللقاح إن السبب الرئيسي لرفضهم اللقاح هو إصابتهم السابقة بالفيروس، وضعف حملات التوعية وتعزيز الثقة باللقاح ونوعيته التي دخلت إلى المنطقة. ويرى اثنان آخران أن «اللقاح المستقدم لا يتناسب مع الفيروس المنتشر في المنطقة، هذا إن كان هناك فيروس في الأصل» حسب تعبيرهما، ويستندان في كلامهما على ما يعتبرانه «ضعف انتشار كورونا في المنطقة» رغم عدم اتخاذ إجراءات حقيقية للوقاية من انتشار الفيروس كالكمامات ومراعاة التباعد الاجتماعي.

يبقى الإقبال ضعيفاً، إذ كان من المقرر أن تنتهي الحملة خلال ثلاثة أسابيع لتلقي الجرعات الأولى، قبل أن تبدأ الجرعات الثانية خلال اثني عشر أسبوعاً، لكن الطبيب رفعت فرحات قال إن الحملة مستمرة طوال الأسبوعين القادمين، مع توسيع شريحة المستفيدين، وسيخصص الأسبوع الأخير لكبار السن، قبل تلقي الجرعة الثانية.

أشرف على تلقي اللقاحات نحو ثلاثين مشرفاً مؤهلاً ومدرباً من قبل الهلال الأحمر القطري، تم توزيعهم على المناطق كافة من أجل التحقق من جاهزية مراكز التلقيح. وانقسم الإشراف إلى مرحلتين، الأولى: ما قبل الحملة للتأكد من الاستعدادات والمعدات اللازمة وفحص العينات والتأكد من شروط التخزين، أما الثانية فكانت لمراقبة فرق التلقيح والتعقيم ومتابعة سير الحملة، ورصد الملاحظات وتسجيلها وقياس رضا المتلقين.

إجراءات منضبطة للقاح

يقول الطبيب فرحات إن حملة اللقاح جرت وفق البروتوكولات المعتمدة في باقي اللقاحات، وتمت دون ضغوط من أي جهة في المنطقة لتوسيع شريحة المستفيدين، وإن الكوادر والمتلقين حُدِّدوا من قبل مديريات الصحة.

واعتمدت المراكز المخصصة للقاح على إحالات من قبل المراكز الطبية للمتلقين، أو من خلال الأسماء العاملة من الكوادر الصحية والإنسانية. ويضم كل فريق أربعة أشخاص، يختص كل منهم بمهمة محددة، بين تعبئة اللقاح وإعطاء الحقن، وتسجيل البيانات والتوثيق للمتلقي، اسمه الثلاثي وعنوانه ورقم هاتفه المحمول وقصته المرضية إن كان يعاني من أي أمراض أو حساسية والأدوية التي يتناولها إن وجدت.

بعد اللقاح، ينبغي على المتلقي البقاء في المركز لنحو نصف ساعة، للتأكد من عدم وجود اختلاطات مباشرة والاطمئنان على صحته. ويُعطى بطاقة، يتضمن تعريفاً بفيروس كورونا المستجد ولقاح أسترازينيكا وتوضيحاً حول ما يمكن أن يحدث بعد تلقي اللقاح، والإسعافات الأولية لتجنب الآثار الجانبية إن وجدت، كذلك رقماً واسماً لأحد الأطباء للمتابعة مع المتلقين في حال حدوث أي مضاعفات.

يقول الطبيب فرحات، وتوضح تقارير وحدة تنسيق الدعم، أن الآثار الجانبية للقاح كانت «طفيفة»، وطالت نحو 25 بالمئة من المتلقين، ولم يتم تسجيل أي اختلاطات خطيرة، وأن المديرية عينت خمسة أطباء لمتابعة المتلقين بعد اللقاح.

يقول خمسة من المتلقين الذين تحدثنا معهم أن الإجراءات كانت تتم بسلاسة، وأن جميع الإجراءات التي وضعت في الدليل الإرشادي تمت بالكامل، من التسجيل واللقاح وفترة الانتظار، حتى المتابعة. لكن اثنان منهم قالوا إنهم لم يتلقوا رداً من أطباء المتابعة.

جرعات على الطريق

يقول الطبيب فرحات إن وصول الدفعة الأولى تم بالتعاون بين مديريات الصحة ومنظمة الصحة العالمية عن طريق مبادرة كوفاكس، وإن دفعة ثانية من 52 ألف جرعة جديدة ستصل خلال الأسابيع القادمة. ويضيف أن الفرق ستقوم بإعطاء الجرعة الثانية من اللقاح للمتلقين، إضافة لمتلقين جدد، خاصة كبار السن.

وينتظر المتلقون نهاية الحملة الأولى، إذ سيتم التواصل معهم لتلقي الجرعة الثانية. في حين لا تتوافر القدرة حالياً، بحسب عدد الجرعات الموجودة، على زيادة شرائح المستفيدين، خاصة للأشخاص دون عمر 60 سنة.

توضح تقارير الترصد الوبائي انتشار الفيروس بنسبة أكبر في الفئات العمرية بين 26 -35 عاماً، تليها الفئة العمرية حتى 45 عاماً، ويقول المدرّس محمد اليوسف في ريف حلب إن الجرعات القليلة التي تصل إلى الشمال السوري تمنعهم من حقهم في تلقي اللقاحات: «معظم دول العالم المتقدم بدأت بإعطاء اللقاحات لمن هم دون أربعين عاماً، ونحن ما زلنا في الكوادر الطبية والإنسانية». لا ينكر اليوسف أحقية العاملين في الصحة والشأن العام بتلقي اللقاح، لكنه يقول إنه «بعد شهرين من وصول الدفعة الأولى لم يصل عدد المتلقين للقاح إلى نصف الكمية المرسلة، هذه اللقاحات لا تغطي سوى 1 بالمئة من عدد السكان، و2 بالمئة من عدد الأشخاص فوق 18عاماً، وبهذا التواتر نحتاج إلى سنوات لتلقي اللقاح».

ويقول عبد الحليم المحمود، وهو خرّيج اقتصاد وصاحب محل تجاري في إدلب، إن سعر جرعة أسترازينيكا نحو ثلاثين دولار للجرعتين، وإن عدد الذين يحتاجون للقاح في شمال غرب سوريا لن يتجاوز مليونين ونصف المليون، وإن ضغطاً يجب أن يُمارَس على الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لتأمينه، كذلك أن يكون متاحاً في القطاع الخاص للقادرين على شرائه، وهو ما سيخفف الضغط على السكان، تجنباً للانتظار الطويل الذي يمكن أن لا يأتي مطلقاً.

هجمة جديدة من انتشار الفيروس

ورد في تقرير لشبكة الترصد الوبائي، الأسبوع الماضي، انتقال مناطق عفرين وجرابلس بريف حلب الشمالي، من المستوى متوسط الخطورة إلى مستوى عالي الخطورة، لتنضم إلى مدن الباب واعزاز في هذا المستوى.

وبلغ عدد الإصابات الكلية، بحسب الشبكة، 25,092 مصاب بالفيروس، مناصفةً تقريباً بين حلب وإدلب، منها 2,732 حالة نشطة، وبلغ عدد الوفيات نحو سبعمائة وأربعة مصابين.

وقدَّرَ الطبيب عبد الله جدري، المنسق في شبكة الإنذار المبكر، في تقرير مصور عن زيادة الإصابات في مدينة إعزاز نسبة الزيادة بنحو 16 بالمئة، مبيناً أن نحو 50 إلى 60 مصاباً يومياً ينضمون إلى إحصائيات كورونا في المنطقة.

ووثق فريق منسقو استجابة سوريا زيادة في أعداد المصابين في كل من مناطق حارم وإدلب المدينة في إدلب؛ والباب وعفرين وإعزاز في ريف حلب، في الفترة بين الأول والخامس عشر من حزيران الجاري، وقدَّرَ نسبة زيادة الإصابة في واحد وستين مخيماً خلال الفترة ذاتها بـ22.65 بالمئة.

يختم عماد زهران بالقول إن مديرية صحة إدلب أبلغت منظمة الصحة العالمية أن الأرقام بدأت في الزيادة خلال الأيام الماضية، في مؤشر عن بدء موجة جديدة من انتشار الفيروس.