للحظة واحدة، انتصرنا على النظام

 

التشييع

يوم السبت، 8 آب. سرنا في تشييع ضحايا جريمة مرفأ بيروت. كانت مسيرة غضب وحزن وانتقام. بدأت  بقراءة أسماء الضحايا، ومن بعدها هتافات «يلي بيقتل شعبه خاين»، مرورًا بالهيلا هو، حتى وصلنا إلى ساحة الشهداء. سرنا بين المباني المدمّرة، أقدامنا تسحق الزجاج المكسور. حملنا أسماء الضحايا. كانوا يومها 157. أصبحوا الآن أكثر من 200، ولا نزال نبحث عن مفقودين. «العدالة للضحايا. الانتقام من النظام»، هذا كان العنوان الذي رفعناه في المسيرة. كنا مئات، آلاف، لا أعلم. سرنا بوتيرة سريعة، لننضم إلى الحشود في وسط المدينة.  

كانت المرة الأولى منذ عيد الاستقلال الأخير التي أرى فيها ساحة الشهداء مليئة بالناس. لم أتوقع ذلك. لم أتوقع أن تعود الخيم في الوسط، ومكبرات الصوت والخطابات على المنابر. كان مشهدًا غريبًا. فلم أكن أتوقعه بعد انفجار المرفأ. ربما لم أكن أتوقع شيئًا، فقدرتي على التوقع والتفكير بالمستقبل انتهت في 4 آب، في الساعة 6:08 مساءً. وجاء التشييع ليؤكد هذا. فبعده، لم يعد هناك من حاضر أو مستقبل، أو حتى منطق.

فكّ وضيّف 

بدأت «عمليات الكر والفر» قبل وصولنا إلى الساحة. بدأت في الساعة الخامسة بعد الظهر، أقل من 4 أيام على تدمير مدينتنا. هكذا قرر النظام أن يستجيب للكارثة. لكن لا طاقة ولا قوة لي. أردت أن أحزن وأنعي. أردت القليل من الصمت والبعض من الراحة بعد أيام متواصلة من تكنيس الزجاج والتنظيم للتشييع. فابتعدت عن الغاز المسيل للدموع الذي كان ينهال أمام مبنى النهار، حتى وصلت إلى موقف العازارية، ورَسوتُ هناك. استلقيت على أرض الموقف، على بعد أمتار من اشتباكات أخرى مع عناصر مكافحة الشغب في شارع السراي. فكالعادة، كنا نحاول اقتحام المجلس النيابي. 

لم أكن على استعداد للمواجهة -فكمامة الكورونا لا تكفي للغاز، ولم يكن لدي نظارات وقائية أو خوذة أو كفوف. كنت قد رأيت قبل دقائق قليلة شابًا يغسل بركة دماء عن الأرض: «قوّصوا بنت بالخردق هون من شوي! قوّصوها ما كانت عم تعمل شي!». لم أستوعب، لم أصدّق. لم أكن قادراً على المواجهة. فنمت على الأرض ووضعت رأسي على فخذ رفيقي، ونظرت إلى السماء الزرقاء- انفجرت الدنيا ولكن السماء ما زالت هي.

بقينا على هذا الحال لمدة ساعة، إلى أن وصل الغاز إلينا، نحن «السلميين». فانتقلت خطوط التماس حتى وصلت إلينا. قمنا جميعًا وعدنا إلى الوراء. استيقظتُ من نومي. فهمتُ ما يحصل. فهمتُ أن الذي نجا من الانفجار سيدفع الثمن في الساحة هنا، لن يُرحَم حتى أيام ما بعد وقوع الجريمة. فصرتُ أصرخ، مع الآلاف في الساحة، تلك العبارة الأزلية: «الشعب يريد إسقاط النظام». صرخت، وصرخت، وصرخت. أصداء صوتنا الموحّد وصلت عند الله. وإن كان يسمع، كان قد سقط النظام يومها.

تقدّمت قوات مكافحة الشغب نحونا، وردّ الشبان بالحجارة. 

رحتُ أجمع الحجارة من أطراف موقف السيارات، من تحت الأشجار، من الشارع الرئيسي، واقتربت إلى الأمام لأوزّعها على الشبان الذين يقودون الجبهة. ملأتُ جيوبي ويديّ بالحجارة ورحتُ أوزّعها كما كانت أمي تضيّف الحلويات لزوّارها. تذكّرت أغنية الرّاس وفيلكس سنو: «علي شعيب، فكّ وضيّف»

اقتربت مع الشبان إلى الأمام، إلى الشارع المؤدّي إلى السراي. هبطت قنابل الغاز علينا بالعشرات. لذعتها اختلفت عن التي اعتدنا عليها. سالت دموعي وضاق نَفسي، برمتُ وجهي بعكس الهواء ومشيتُ بهدوء حتى وصلت إلى الزاوية البعيدة من الموقف. 

هناك، أسعفتني مجموعة من الأصدقاء، بالبصل ولبن العيران والمحارم. غسّلت وجهي باللبن وارتحت فورًا. اللبن يعافي من الغاز، درسٌ تعلمته في هذا النهار. 

انتصار

لا أعرف كيف مرّ الوقت وكيف تطورّت المعركة. ولكن في لحظة ما، وصلت قوات مكافحة الشغب إلى محيط جامع الأمين، أي مباشرة أمام موقف العازارية حيث تمتّرس المتظاهرون والمتظاهرات. رأيت مشهدًا لن أنساه في حياتي. سمعت صرخة، «نيكوا ربّننننننن!» سمعناها كلنا، فهجمنا. عشرات، مئات، آلاف، لا أعلم. ركضنا جميعًا نحو عناصر الدرك، وأمطرناهم بالحجارة. أكوام وأكوام من الحجارة، لم تتوقف عن الانهيار عليهم. «نيكوا ربّنننننن!» وبالفعل، فعلنا ذلك. رمينا عليهم كل غضبنا وقهرنا وحزننا الذي حافظنا عليه لأيام وأجبرناهم على التراجع من وراء دروعهم وأقنعتهم وتحصيناتهم. تراجعوا إلى شارع السراي بظرف ثواني قليلة، وللحظة واحدة شعرنا بأننا فزنا. 

للحظة واحدة، انتصرنا على النظام.

في تلك اللحظة، انقلبت المعادلة. لا شيء يغلبنا بعد الآن. تحوّلت ساحة المعركة إلى مهرجان احتفالي، قرعنا الحجارة على الحديد لنعزف ألحانه، ونحن نهتف «الشعب يريد إسقاط النظام»، وننشد الهيلا هو. وأتت زينة المهرجان من شبابيك وزارة الاقتصاد بشكل أوراق بيض، رماها المتظاهرون الذين اقتحموا الوزارة، فرفرفت المستندات الرسمية في الهواء، كالأوراق الصغيرة الملونة التي تتطاير في احتفالات رأس السنة. حتى السماء تغيّرت الآن، وأخيرًا أصبحت لنا. 

كنا نحتفل بنهايتهم، وبدايتنا.

سقوط الرئيس

أتت صورة الرئيس لتتوج احتفالنا. ظهرت علينا، بإطارها الجميل، من على إحدى نوافذ الوزارة المطلّة على الساحة. هذه الصورة التي نراها في الدوائر الرسمية، صورة الرئيس في بدلته الأنيقة، مبتسمًا. اقتُلعت الصورة من مكانها، ووُضعت على شرفة الشباك. كانت إطلالة الرئيس الأخيرة من عرشه. 1..2.. 3! ورُميت هيبة الرئيس من النافذة. هكذا، في وهلة واحدة، سقط الرئيس. 

اصطدم وجهه المبتسم بالزفت. وصل إلينا الرئيس بزجاج محطّم، ولكن هذا الزجاج المحطّم لم يزعج أحدًا. تسابق المتظاهرون نحو الصورة ليدعسوا على وجهه، ليمزّقوا الصورة، ليُحرقوها.

أقدمنا على تكسير هالة الزعيم في هتافاتنا وشتائمنا وسخريتنا في مطلع الثورة. ووُلد نشيد جديد في الساحة يومها. هكذا تطورت أناشيدنا من 17 تشرين إلى 8 آب: من أمّ الصّهر إلى أخت الرئيس.

نيران صديقة

شجّعتنا عملية اقتحام وتحرير وزارة الاقتصاد، صفّقنا وهتفنا وهلّلنا. نسينا مجلس النواب، نسينا القوى الأمنية والغاز. ولكن، سرعان ما أصبح الخوف دخيلًا على حالة البهجة. اندلع حريق في أحد الطوابق السفلى من مبنى الوزارة، بينما كان بعض المتظاهرون في الطوابق العليا. بدأ الصراخ: «نزلوا، في حريق!» أتى ردّهم الثّوري: «انتوا طلعوا!» قدّرتُ لهم كل التقدير الالتزام بمهمتهم الثورية لتحرير الوزارة، ولكن لم أنسى أن احتراق ورشة بناء في وسط بيروت أودى بحياة عاملين سوريين في 17 تشرين. 

لدقائق طويلة، صرخنا لبعضنا بعضًا: «نزلوا!»، «انتو طلعوا!». لم يسمعونا. فبصوت واحد هتفنا: «حريقة! حريقة! حريقة! حريقة!» لعلّهم يسمعون ويفهمون. وسط حالة الهلع، أضحكني المشهد. ألم نلعب لعبة كهذه في صغرنا؟ 

أخيرًا، وصل الميغافون وقال الشاب بصوته المكبَّر أن المبنى كله قد يشتعل، انزلوا. فاختفت الوجوه من الشبابيك. ها قد ربحنا جولة أخرى.

غروب الشمس 

سمعنا أنباء اقتحام وزارة الخارجية وغيرها من الوزارات. رأينا حريقًا آخر بالقرب من مبنى النّهار. بدأت تتكاثر الإصابات في الساحة، من بينهم أصدقاء لي. رأيت الكثير من الدماء على مرّ الساعات، ولكنني لم أعد أشعر بشيء. لا بل قلت لنفسي: «هذا المشهد طبيعي في خضم المعركة». نسيت لحظتها، في قلب المواجهة، أننا قد أتينا إلى الساحة من تشييع ضحايا انفجار بيروت، أننا أنفسنا ضحايا ناجون من تلك الجريمة، وأن لا شيء طبيعي في قتل السلطة لنا. قال لي صديقي، ونحن نريّح أجسامنا على سيارة مركنة أمام مبنى «البيضة»: «هلق بعد شوي رح تخرب بس تغيب الشمس». 

دقائق بعد الساعة الثامنة، وصلت صديقتي مع العدّة الوقائية الكاملة التي قد طلبتها منها قبل ساعات. وصلت مع حلول الظلام. أصبحتُ جاهزًا. لبست الكمامة الأولى، والثانية. وضعت الخوذة. وضعت النظارات الوقائية. لبست الكفّ الأوّل، والثاني. «بدّك صورة»، قالت لي. مسكت الأسطل الثلاث، وتوجّهت إلى قلب المعركة. 

كثرت أعداد القنابل وخَفَّت أعداد المتظاهرين. 

منهم من كان يركل القنابل نحو عناصر المكافحة، ومنهم من كان يصبّ المياه عليها ليطفئها. فخلقنا آلية عمل عفوية، أنا وشاب لا أعرف اسمه وشاب آخر اسمه محمود، عرّف عن نفسه ليقول لي: «ليكي جمانة، انت طفّيهن بالسطول وأنا برجع بلمّلك ياهن وبجبلك ياهن». وهكذا فعلنا على قدر ما استطعنا. أركض أنا وراء القنابل بعدما يكبّ الشاب الأول عليها الماء، ويركض من بعدي محمود وراء الأسطل. كرّرنا العملية مرة، اثنان، أربعة... إلى أن أصبح الهواء ضبابيًّا بالغاز، تتساقط القنابل في كل مكان، ينبثق عن كل واحدة العشرات. وفجأة، اختفى شاب المياه، واختفى محمود، واختفت المظاهرة، وبقيت أنا والأسطل الثلاث. 

ألقيتُ نظرة إلى الخلف، ورأيت حائطًا من رجال المكافحة يتقدم نحوي، على بعد أمتار فقط. تركتُ الأسطل والقنابل، وركضت. ركضت وركضت بالاتجاه الذي افترضته صحيحًا، لأني لم أستطع أن أرى شيئًا. ركضت وأنا أقفز من اليمين إلى اليسار، أعرف جيّدًا أن رصاصة مطاطية واحدة من هذا القرب كافية لتقتلني. فوج آخر من المكافحة يظهر على جهة اليمين. أركض بكل جهدي حتى أصل إلى سيارة الإسعاف في الشارع الرئيسي. عندها، أمشي. القنابل لم تكفّ عن التساقط كل هذا الوقت. 

وبهذه البساطة، بعد ساعات من المواجهة، أُخليتُ الساحة. 

انتهت المعركة. 

الحصار

توقفت تحت جسر «الرينغ» والتقيت بصديقة أخرى. رأينا من أمامنا وحدة من الجيش اللبناني. ومن ورائنا، عاصفة قنابل الغاز المسيل للدموع. حاولت أن ألتقط أنفاسي. ربما تعود الحشود لتسترجع الساحة؟ وقعت إحدى القنابل في صفوف الجيش، فصفّقت الجماهير. ولكن كانت رسالة القنبلة واضحة: لا عودة إلى الساحة اليوم. 

فإذا، من أين نخرج؟ مشينا نحو الأشرفية، نحو شارع التباريس. هناك أيضًا تجمّع عشرات المتظاهرات والمتظاهرين، وأمامهم عند تقاطع الطرق عشرات العناصر من الجيش اللبناني، متأهبون. 

لا أعلم ما كان يحصل هناك، ولكن فجأة بدأ الهجوم المتوحش على المتظاهرين. يلتقط عناصر الجيش بكل شخص لم يهرب، يضربونه بالعصي وبالأسلحة، يركلونه على رأسه، يشتمونه ويذلّونه، فأركض لأخلّص أحدهم. أسمع صيحات الوجع من تحت أرجلهم، بينما يقول أحد العناصر، «خلص يا وطن، تركه!» يتوجهون لبعضهم البعض هكذا أيضاً، «يا وطن»؟ استغربت. 

أسحب الشاب من بين أجسادهم، وأشعر بركلة على خصري. «روحي من هون أحسن ما كسّرك!»، يصرخ «الوطن» وهو يرفع عصاه عليّ. «طب ما خليّنا نروح!» أصرخ له. عنصر آخر يهمس لي بهدوء: «يلا اهربوا…» بدا على وجهه القلق. 

تمكّنّا من الهروب قبل أن يبدأ أحد العناصر برمي الحجارة صوبنا. «قتلتو عسكري!!! قتلتو عسكري وبعد إلكن عين تمشوا بالشارع؟!!» من قتله بالفعل، هذا العنصر الأمني؟ والأهم، من قتل مئات ضحايا انفجار مرفأ بيروت؟ «الوطن» لا يعنيه الأمر.  

سلكنا دَرَجًا مكشوفًا في مبنى يقع على زاوية التقاطع، يصل طريق فرعي بالطريق العام. سمعت امرأة بالقرب منّي تقول وهي تركض: «يا ريت ما منخاف منّن!!!» ولكننا نخاف. فماذا لو أطلقوا النار علينا؟ لم نُرِد الموت على مفرق التباريس. 

لجأنا إلى المدخل السفلي للمبنى هربًا من الجيش. افترقت عن صديقتي. أُلقيت قنبلة غاز أمامنا. طاردنا الغاز أينما ذهبنا. علقنا. في الشارع الأسفل، عشرات العناصر من مكافحة الشغب يتّجهون نحو التقاطع. في الشارع العام، عناصر الجيش المستشرسة. كنا حوالي عشرة أشخاص في المحنة نفسها، عالقين في مدخل مبنى ضخم وفخم، واجهاته الزجاجية كلها محطّمة. وما كان علينا سوى الانتظار. فانتظرنا. 

وبعد نصف ساعة، وصل الإعلام وانتهت الوحشية. تجمّع الناس مجددًا في تلك النقطة، وأتت امرأة لتقول لنا: «صار فيكن تطلعوا، صار في ناس كتير!» صعدنا. سألت «الوطن»: «فيني اقطع الطريق بلا ما تضربوني؟» أشّر لي برأسه: «تفضّلي». مشيت بالقرب من مصوّر أجنبيّ وقطعت الطريق بسلام. 

بيروت المنكوبة

مشيتُ في الشوارع الفرعية المؤدّية إلى شارع الجمّيزة. صدمت. وجدت نفسي في شارع مهدّم، مهجور، معتم كليًا. كنت والعشرات غيري نمشي بِسكوت، في الظلام، بين ردم البيوت. رائحة الغاز وأصوات المواجهة لم تترك حواسّنا. هكذا شكلها الحرب؟ الصمت العارم، العتمة المعمية، الهروب من ساحة المعركة بعد الهزيمة، إلى حيّ منكوب مدمّر، شبح مدينة كانت يومًا ما. لا مكان نهرب إليه بعد اليوم. فقد دمّروا كل شيء. لا مكان نلجأ إليه، لم يبقَ شارع أو منزل أو سرير أو حلم إلا وفجّروه. 

مشيت شارع الجمّيزة بأكمله تحت ضوء القمر المعكوس على الغيوم، مع ناس أعرفهم وغيرهم لم أعرفهم، نعيش صدمة جماعية أخرى، ما بعد صدمة 4 آب: صدمة 8 آب. الجريمة ما بعد الجريمة. في حال شكّكنا لثانية واحدة أن انفجار المرفأ لم يكن جريمة هدفها قتلنا، هجومهم علينا في 8 آب أسكت كل الشكوك. 

مشيت في شارع الجمّيزة المنكوب، وصولًا إلى مار مخايل المنكوبة أيضًا، متجهة نحو أصدقائي. وجدتهم أخيرًا. وأخيرًا شعرت بالقليل من الأمان. 

أبكي كل يوم، كل مرة أتذكر فيها لحظة الانفجار والرعب الذي عشته وأنا أنتظر لأعرف إن كان من أحبهم على قيد الحياة. أبكي لأن أجسادهم بخير. أبكي لأن المئات غيرهم لم ينجوا، والآلاف، ومئات الآلاف ليسوا بخير. نحن لسنا بخير. ولن نكون يومًا بخير قبل انتهاء هذه الحرب. إمّا نهزمهم، أو يأتينا الموت، في شوارعنا وبيوتنا وغرف نومنا. ونحن نستحقّ الحياة.