لماذا لا تطالبُ النساءُ بأجورهنّ؟

 

- هل يمكن أن تُعيد الكلمة التي ذكرتها قبل قليل؟ 

- أية كلمة؟ 

- الكلمة التي تعني أنك عملت كثيراً دون أجر.

- Non lucratif.

لا أتذكر ما رواه صديقي الفرنسي على مدار ساعةٍ كاملة بعد سؤالي هذا. فعّلتُ وضع الطيار الآلي وأخذتُ أفكر بأنّ ما وصف به أشهره الأخيرة هو، تقريباً، وصفُ الغالب العام من حياتي كإنسانةٍ بالغةٍ تعيشُ في زحام المهام غير المدفوعة، فأوصدتْ هذه النافذة قليلاً في رأسها، وتجاهلتْ الرياح التي تأتي منها.

- هل دفعنا لكِ عن المقال الذي نشرته في العام الماضي؟

المقال الذي كتبتُهُ وأنا على وشك أن أفقد السقف المائل الذي يؤويني؟ ولم تتواصلوا معي بخصوصه إلا بعد ثلاثة أشهر، ثمّ لم تدفعوا بعدها ولم أطالبكم؟ فكرت. 

- في الحقيقة لا، لكنها ليست مشكلة.

- إنها مشكلة ونعتذر، سوف نرسل لك الاستمارة في أقرب وقت.

شرّعتْ هذه المحادثة النافذةَ على مصراعيها في رأسي، وذهبتُ إلى إحدى الفسحات النسوية على فيسبوك وطرحتُ تساؤلي حول ما اعتقدته مشكلةً خاصةً بي، فاكتشفتُ سريعاً أنه همٌّ مشترك، وفوجئت بعدد النساء المُلهمات اللواتي يعانين من هذه العلة؛ نساءٌ قوياتٌ متعلماتٌ يشغلنَ مناصب مهنية مهمة وموقعاً اجتماعياً معتبراً.

بينما تُقاتل النساء بشكلٍ منظّم حول العالم لتضييق الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء، وبينما تتحمل المرأة الأعباء المادية الثقيلة ذاتها، ما تزال الكثيرات من النساء يعانينَ في التحدث في ما يتعلق بمسألة الأجور. لنخرج إذاً من العام المشترك بين النساء إلى الخاص بنساء سوريا والثورة. 

لماذا نخجل من المطالبة بأجورنا على الأعمال التي نبذل فيها وقتاً وجهداً، ومالاً في الغالب؟ 

بستحي، بخجل، عيب..

تحدثتْ الكثيرات من صديقاتي عن أننا لم نعتد التحدث في الشؤون المالية. يُعتبر الأمر أحد التابوهات الكبيرة في مجتمعاتنا، ويحتلّ موقعاً مُعتبَراً في لائحة العيب الطويلة لدينا، لا سيما لدى النساء.

كان من الطريف قراءة أن أكثر من ربع النساء يفضّلن انتقاد أداء شريكهن الجنسي على أن يتحدثن عن المال، وفي الدراسة التي أجرتها Fidelity International نرى أن 16% من النساء يعتبرنَ النقاش في الشؤون المالية أسوأ النقاشات التي يمكن خوضها مع الشريك. إذاً، كيف يمكن أن نتفاوض بانفتاح حول أجورنا مع مسؤولي/ات الموارد البشرية إذا ما كنّا نفضّل الخروج عن صمتنا حيال إحباطنا الجنسي على أن نناقش من سيتولى دفع فاتورة الكهرباء القادمة؟

أصنّف نفسي بثقة مع الـ16% من نساء الدراسة. ساعاتٌ طويلةٌ قضيناها نسير في شوارع حلب أو نجلس على أرصفتها أنا وشريكي: فناجينُ كثيرة من القهوة الرديئة أو «الكبسة» كما تسميها الأكشاك، وعددٌ لا يحصى من صندويشات الجبنة. «لا أحب الجلوس في المقاهي»، كانت حجّتي. لم أستطع أن أخبره بأني لا أريد له أن يُنفق عليّ من مصروفه الذي يأخذه من والديه، ولم أكن أريد أن أنصب حائطاً بيننا بأنْ أعرض عليه اقتسام المصاريف. بينما نحن نخطط لحياةٍ مشتركة، كنتُ أخشى جرحَ كبريائه بدعوته إلى فنجان قهوة. أمرٌ صحيٌّ جداً، أليس كذلك؟

لم يتوقف الأمر بانتهاء هذه العلاقة، مجدداً وجدتُ نفسي أترك شريكي يدفع عني أمام أصدقائه، وأترك اقتسام الفاتورة إلى وقتٍ نكون فيه وحدنا؛ لئلا «أحرجه». ولكراهيتي هذا النقاش وجدتُ نفسي أسلّمه الميزانية التي خصصتها للعطلة التي سافرناها معاً، لأكتشف لاحقاً بأني قد أطلقتُ وحشاً من البطريركية بيننا دون أن أنتبه. 

حسناً، إذا كنتُ سأتحسس من أيّ خدشٍ لاستقلاليتي المادية، ألا يجدر بي المطالبة بالمال اللازم لحراستها؟ كيف أقبل بالعمل على مشروعٍ دون التفاوض على الأجر؟ دون السؤال حتى إذا ما كان العمل مأجوراً، ولماذا أفكر بالموافقة على نشر هذه المادة دون مقابلٍ مادي رغم اقتناعي بأنّ الوقت والجهد وتكلفة الفرصة البديلة المنفقين عليها يستحقون تعويضاً على هيئة يوروهات؟ 

لا أعتقد أننا تربينا في العالم العربي لنفكر بالاستقلالية المادية، إذ لطالما كان الإنفاقُ مسؤولية الرجل، وحتى حين تُنفقُ المرأة فإنها، في كثيرٍ من الأحيان، تنفقُ بحذرٍ خوفاً من جرح ذكورة رجل البيت الهشّة... ودائماً يكون للذكر مثل حظّ اثنتين منّا. 

كنتُ محظوظةً بأن تربيتُ على يد امرأةٍ عاملةٍ من الطبقة المتوسطة، وأقل حظاً بأن كان ذلك في مجتمعٍ ينظرُ بسلبيةٍ لعمل المرأة آنذاك. فهمتُ سريعاً أهمية أن يكون لي دخلي الخاص، وأنّ الاستقلالية المادية لا تقود، بصورةٍ أوتوماتيكية، إلى الاستقلالية المجتمعية، ولا تُترجم تلقائياً إلى حقوق، لكنّها حجر الأساس الذي لا يجب التفريط به.

ذكرتُ كلمة أسرةٍ متوسطة كما لاحظتم، وطلب المال يعني أننا بحاجةٍ إليه، وفي مجتمعٍ ينظر نظرةً دونيةً للمحتاج لا يكون من السهل معها المطالبةُ بالأجر والمخاطرة بالظهور بمظهر «الفقير». هذه الوصمة تساهم عادةً بتحويلنا إلى فقراء فعلياً. ورغم أن الفقر ليس عيباً، إلا أنه ليس أمراً ممتعاً بالضرورة.

علينا إذاً السعي للحصول على الاستقلالية المادية، لكن دون أن نتحدث عنها، ودون أن نتفاوض بشأنها، ودون أن نجرح الذكور حولنا.. الأمر بسيط جداً كما ترون!

المجتمع الأبوي يقاتل بشراسةٍ لإبقاء المرأة في موقع الخاضعة والمعتمدة على الرجل، والمال في عالمنا الرأسمالي يعني القوة والتحرر والسلطة والفُرَص والمساواة. هل هي أمورٌ سيسلّمنا إياها المجتمع على وسادةٍ من حرير؟ إنه سؤالٌ مجازي، لكني مع ذلك سأجيب: لا. 

الراتب «على الخاص»

لا شفافية في مؤسسات هذه المدينة

- هل هناك مشكلة؟ 

بأنكَ خصمتَ ربع الراتب الضئيل الذي عرضته عليّ في مقابلة التوظيف، دون حتى أن تقدم تبريراً أو أن تعتذر؟ ودون أن تشرح ما إذا كان خصماً دائماً؟ وبأنك تعطيني الراتب كأنك مفضّل على رأسي؟ فكرت.

- لا، تمام، شكراً.

كان هذا سيناريو حصولي على أول راتبٍ عقب تخرجي من الجامعة، وذلك عن عملي في جمعيةٍ لحماية حقوق المرأة. ما ترجمة Ironic بالعربية؟ أعتقد أن هذا الموقف ترجمةٌ مناسبة.

خرجتُ من المكتب لتسألني زميلتي همساً عن راتبي، أخبرتني أننا «ممنوعاتٌ» من التحدث في مسألة الرواتب بين بعضنا، أو عن السؤال حول سبب الخصم من الراتب، وقد تتأخر رواتبنا عدة أشهر، ولا جدوى من الاعتراض. كيف لي أن أعرف ما المبلغ الواجب طلبه إذا كان مجرد التحدث في مسألة الرواتب أمراً يُعرّضنا للمساءلة؟ 

لم يكن عملٌ واحدٌ يكفي بالطبع: إذاً، لنترجم بتراب الفلوس. ساعاتٌ من العمل في أسوأ الظروف للحصول على مبالغ تافهة كنتُ أقبلُ بها بما اعتبرته «بدل شحادة»، وبديلاً عن إرهاق والديّ بمصاريف إضافية. بخروجي من سوريا سرعان ما عرفتُ بأنّي مُستغلةٌ مادياً: نصف السنت الذي أقبضه كان الوسيط يقبض خمسة سنتاتٍ مقابله. لم أكن أجرؤ على سؤال أصدقائي المترجمين عن أجرهم أو التفاوض مع الوسيط حول المبالغ الزهيدة التي أستلمها منه نهايةَ كل شهر.

مشوارٌ جديدٌ من الإنتاج غير المثمر مادياً بدأ بدخولي مجال النشر في المدونات والجرائد والمواقع: يريد مدير التحرير مادةً أسبوعيةً أو شهرية، يريد التعديلات التي يطلبها، يريد أن يستلمها قبل موعد النشر بعدة أيام، ولا يريد أن يدفع! يفتتح عرضه السخي بنشر موادي على أنّ ذلك نشرٌ تطوعي، وأقبل باعتبار أنّي «اسمٌ جديد»، وهذا الاسم الجديد يرفض أن يَعتَق.

المرة الأولى التي اطّلعت فيها على أجور المواد كانت حين عملت محررةً في موقع، بأجر غير مرضٍ. استعلمت عن ذلك من أصدقائي المحررين، ففهمتُ أن هناك تسعيرة للكاتب «المعروف»، وأخرى للكاتب «غير المعروف»، وحِيلٌ لإقناع الناس بالنشر دون مقابل، وبأننا على استعدادٍ لنشر نفايات النصوص على أن تكون معنونةً باسمٍ معروف. 

أين أرسم الحد؟ حين تعرض عليّ مديرة مكتب مؤسسة إعلامية كبيرة أن أعمل لديها دون التصريح عن عملي، بمقابلٍ ماديٍّ زهيدٍ جداً، ودون أن يرد اسمي على جهدي، فأقول لا واثقةً من رفضي. أو حين تعرض عليّ منظمةٌ تعمل مع اللاجئين عملاً بنصف الحد الأدنى للأجور، فأرفض خَجِلةً لأنني لن أتمكن عندها من دفع أجرة غرفتي. 

لنبحث إذاً عن عملٍ جديد، إذ لم تناسبنا بيئةُ العمل السابقة. اكتشفتُ أنّ الراتب في سوق العمل العربي غالباً «على الخاص». لا مكان للشفافية هنا، ولا تبوح المنظمات والمؤسسات عن الراتب إلا بعد أن تعرف تاريخك ورواتبك السابقة ومصروف جيبك في الابتدائية، وبعد أن تسألك عمّا تطمع به من كرمها، لتقرّر عندها الحد الأدنى الذي تعتقدُ أنك سترضى به. هل تستغربون إذا قلتُ لكم بأنني أقبل! دائماً أقبل!

تطوّع، ولكن...

لنترك الآن الأعمال المأجورة جانباً، ولنتحدّث عن العمل التطوعي، العائد المعنوي والإحساس بالرضا عند التفكير بالأثر الذي تُحدثه ساعات عملنا الطويلة غير المدفوعة، لكن لحظة، المشروع كان ممولاً وكنتُ الوحيدة التي قدّمتْ وقتَها وجهدها بالمجان؟ لا يبدو هذا عادلاً.

العمل التطوعي المُنظّم الأول الذي قمت به كان قبل الثورة، وقبل أن يدخل مصطلح «العمل التطوعي لقاء بدل» إلى مجتمعنا. كنت أعطي وقتي بالمجان لمساعدة الناس «الأقل حظاً» في حلب؛ هدفٌ نبيلٌ كنا جميعاً سعيدين بأدائه. 

لاحقاً بدأ المجتمع المدني يستغلّ حاجة فئة الشباب لبناء سيرةٍ ذاتية، وأصبح العمل لساعاتٍ طويلة لقاء بدلاتٍ تغطي مصاريف المواصلات ومتفرقاتٍ صغيرة أخرى عُرفاً شائعاً، وكنت أعمل في إعداد المشاريع، وأطّلع على الميزانيات التي تُنفق «بلا طعمة»، وأشاهد عملي يذهب دون تقدير، لكنه عملٌ تطوعي، من المعيب أن أفكر بعوائد مادية. 

العمل التطوعي الأسمى كان العمل الثوري، كل النشاط الذي قدمته للثورة كان مجانياً؛ استثماراً خالصاً في مستقبل بلادي، ولم يكن يزعجني أيُّ عملٍ يخدم ثورتي، ودفقات الأمل والحماس التي كان يمنحني إياها كانت أثمن من أيّ تعويضٍ مادي: سنة، سنتان، خمس، عشر سنوات.. وبعدها؟

تشاركني الكثيرات من صديقاتي الثوريات هذه المعاناة، يشعرنَ بالخجل من التفاوض حول أجورهنّ في المشاريع المتعلقة بالثورة، نشعر أن في هذا خيانةً لقيمنا والقضية التي خرجنا ندافع عنها، لكنّ الأمور لا تُقاس بهذه الطريقة، لم يعد الأمر نشاطاً جانبياً، إنه عملنا ومصدر دخلنا، وإن كان هناك ميزانيات مخصصة لأدائه فإننا بالتأكيد نستحقها.

لماذا يجب أن نطالب بأجورنا؟

لمَ لا؟ 

لا أحب عادةً الإجابة على سؤالٍ بنفي ما يناقضه، لكن البداهة تفرض ذلك هنا. 

إن كانت لدينا الأعباء المادية، الكفاءات، الحق، وطُلِبَ منا تأدية العمل، لمَ إذاً لا نطلبُ الأجرَ العادل لقاءه؟

لم يحدث في التاريخ، تقريباً، أن تسلّم أحدٌ حقّه دون قتال، وبما أننا اليوم نقترب من عالمِ «بتطلب قرش بتسوى قرش» فإنّ تخلينا عن المطالبة بحقوقنا المادية يساهمُ في ترسيخ الصورة النمطية بعدم استحقاقنا لها، وفي تكريس الشعور الداخلي بعدم الاستحقاق الكفيل بحبسنا في هذه العجلة المغلقة لندور فيها كهامستراتٍ بائسةٍ دون مقابل. 

وكنساءٍ عربيات، لا تكفل المنظومة القانونية حقوقنا: نعمل في المنزل دون مقابل، وغالباً نعمل خارجه، لا تتاح لنا فرصة الادخار لحالات الطوارئ أو لشراء منزلٍ والصعود على درج الأمان المجتمعي، ولا شيء يحمينا من أن نجد أنفسنا في الشارع إذا قرر الزوج ممارسة حقه الشرعي في الطلاق فجأة. بالإضافة إلى أننا في دولٍ على كفّ عفريت، يمكن أن نجد أنفسنا في أية لحظة مسؤولاتٍ بالكامل عن الأسرة، بينما ينشغل الرجال بالقتال في حربٍ ما، أو يُفقدون، أو يَفقدون أعمالهم عقب حربٍ ما. الاستقلالية المادية إذاً أبعد ما يكون عن الرفاهية في حالتنا.

وإذا كنا مهووساتٍ بالصالح العام، فعلينا أن نتذكر أن المطالبة بالمساواة في سوق العمل تساهم في تقليص الفقر في العالم. ووفقاً للدراسات، فإنه في عالمٍ مثاليٍّ تشارك فيه المرأة في الاقتصاد بشكلٍ مماثل للرجل، يُضاف ما يُقارب 28 تريليون دولار، أو 26%، إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي السنوي بحلول عام 2025 مقارنةً بالسيناريو الحالي.

إنّ الأسرة التي نتحمّل في العادة الحصةَ الأكبر من أعبائها لن تنفق على نفسها، والدخل الأعلى سيسمح بتحسين ظروف معيشة أفراد الأسرة، هل علينا أن نشرح أهمية المال في عالم رأسمالي؟ يُضاف إلى كلّ ما سبق أنه بتقليص الفجوة في الأجور يمكن للرجل أن يستعيد حقه في إمضاء الوقت مع عائلته بدلاً من العمل لساعاتٍ طويلة بهدف سدّ الاحتياجات المادية. 

أما السبب الأهم، فهو ببساطة لأننا نستحق. نحن نستحق أجوراً عادلةً على العمل الذي حفرنا في طبقات صخورٍ لا تُعَدّ لنستطيع تأديته بحرفيّة. لم تكن مكاسبنا يوماً مجانية، فلنرفع أصواتنا إذاً، نحن نخدم البشرية بقولنا لا لظروف العمل غير العادلة.