لماذا نلجأ إلى السماسرة في برلين؟

 

«يوجد بيت قريب من شارع العرب لشخصين... للمهتمين التواصل على الخاص»؛ «يوجد بيت بالأسود، قريب من محطة بانك شتراسه، مع سمسرة. التواصل على الخاص»؛ «أبحث عن بيت لشخصين منذ ثلاثة أشهر، مع سمسرة، بس بنور الله».

ما هذه إلّا عينة من الإعلانات التي تصادفنا بشكل يومي، على صفحات التواصل الاجتماعي المختصة بعرض وتأجير بيوت للسوريين في برلين، العاصمة التي صارت معروفة بأزمة البيوت، وصعوبة الحصول على بيت أو غرفة أو مأوى فيها. وسرعان ما نفهم من الإعلانات التي تتم مشاركتها على الصفحات الكثيرة، أو بعد التواصل على الخاص، أن البيت المعروض في الغالب يؤجره سمسار مجهول الهوية، لا نعرفه ولا نلتقى به، ويحدثنا إما هو شخصياً من حساب وهمي، أو يرسل نائباً عنه ليخبرنا بالمبلغ المطلوب للسمسرة.

تروي لنا سارة، وهي طالبة في جامعة برلين التقنية، عن تجربتها مع السمسارة: «تتصيد هذه الإعلانات الأشخاص مثلنا، أقصد اللاجئين والمهاجرين، فبعد بحث محموم لمدة ثلاث أشهر عن بيت من غرفة واحدة (استديو)، لم أجد وسيلة إلّا التواصل مع السمسار، خاصة أنه ليس ليس لدي كل الثبوتيات الكافية، ولا الدخل الكافي، لإقناع الشركات العقارية التي تُدير تأجير البيوت. أنا لا أزال طالبة، وأعتمد مالياً على منحة طلابية (بافوغ)، وليس لدي عقد عمل. لكنني في الوقت ذاته لا أرغب بعد الآن بالعيش في بيوت مشتركة مع أشخاص لا أعرفهم، لذلك لم أجد وسيلة إلّا اللجوء إلى السمسارة وإعلاناتهم على صفحات فيسبوك التي تخص السوريين. للأسف، لم أستطع تحمل الكلفة مالياً، لأن السمسار طلب مبلغاً يعادل أربعة أضعاف أجار البيت. هكذا عدتُ مجدداً للعيش في بيوت مشتركة، على أمل أن تصلني رسالة من إدارة السكن الطلابي».

يستغل السماسرة في برلين هشاشة الوضع القانوني للاجئين والطلاب الأجانب، وهما الفئتان اللتان تعانيان أكثر من غيرهما من اللاجئين العاملين أو أصحاب إقامات العمل في برلين. وقد وقع عدد كبير من الأشخاص ضحية لجرائم النصب والاحتيال التي يرتكبها بعض السماسرة، مثل تزوير العقود، أو قبض عمولة السمسرة قبل توقيع العقد والاختفاء بعدها وتغيير رقم الهاتف، وغيرها من الأساليب التي تدفع السوريين لاستهجان هذه المهنة ورفض من يزاولونها بالرغم من اضطرارهم أحياناً للاستعانة بهم. ذلك عدا عن المبالغ المرتفعة التي يطلبها السماسرة، والتي لا تتناسب مع بدلات إيجار البيوت.

عادة عند البحث عن بيت، وفي الظروف الأمثل، يرسل الباحث طلباً لشركات تملك شققاً للإيجار، أو لشركات وساطة عقارية، أو لمالكين أفراد يعرضون بيوتاً للإيجار على مواقع وسيطة مخصصة للغرض ذاته. وينبغي أن يتضمن الطلب مجموعة من الأوراق، أهمها إثبات الدخل أو عقد العمل، مع ورقة أخرى تثبت الوضع المالي «Schufa» للمستأجر، وبالطبع نوع الإقامة وجواز السفر. 

فالأصل أن مهنة السمسرة مهنة قانونية إذا استوفت الشروط الخاصة التي حددها القانون الألماني، مثل حصول الوكيل على رخصة تجارية وتصريح عمل ساري المفعول بحسب قانون الأعمال التجارية، بالإضافة إلى إبرام عقد قانوني بين الوكيل أو الوسيط والمستأجر، ينص على كافة الشروط والمعلومات الضرورية التي يجب أن يكون الأطراف على علم بها، مثل شروط الانسحاب من العقد، وسعر الخدمة النهائي ومعلومات عن هوية الوسيط. كما أن عمولة الوساطة تكون قانونية فقط في حال كانت الوساطة سبباً لإبرام عقد إيجار بين المالك أو الشركة المؤجرة والمستأجر، وتُحدَّدُ قيمتها تبعاً لشروط عديدة ومختلفة، إلا أنها في الحالة الأكثر شيوعاً يجب ألّا تزيد عن مجموع إيجار شهرين دون التكاليف الإضافية (التدفئة والماء والكهرباء)، مضافاً عليها الضريبة.

وعند التفكير في الأسباب التي تدفع السوريين للجوء مكرهين إلى سماسرة غير نظاميين، يذهب تفكيرنا مباشرةً إلى نقص في الأوراق المطلوبة للتقديم على بيت، مثل عدم توفر راتب شهري ملائم، وهشاشة إقامات اللجوء والطلاب في تراتبية سلم الإقامات التي يحصل عليها المهاجرون والأجانب، والازدحام السكاني وارتفاع الطلب على سوق العقارات، وهي بلا شك أسبابٌ جوهرية تجعل من عملية البحث عن بيت في ألمانيا عموماً عملية طويلة ومعقدة.

لكن هناك أسباباً أخرى تجعل من بحث اللاجئين عن بيت في ألمانيا أمراً بالغ الصعوبة، وهي الممارسات العنصرية الممنهجة التي تُتَّهم بها أولاً شركات البيوت، ومن ثم ملّاك البيوت، حيث كشفت دراسة نُشرت على الموقع الخاص بمكافحة العنصرية في بدايات العام الحالي أن واحداً من كل ثلاث أشخاص من اللاجئين، أو من أصول مهاجرة، يتعرض إلى تمييز عنصري يقف عائقاً أمام حصوله على بيت. واستندت هذه الدراسة إلى 1400 استبيان أجراها مكتب مكافحة العنصرية في الحكومة الفيدرالية الألمانيّة.

وأُجريت تجربة أخرى على نطاق واسع، بالتعاون بين صحفيي البيانات في روندفونك بايرن وصحيفة دير شبيغل الألمانية، استندت إلى إرسال طلبي استئجار لشخصين؛ الأول يخص شاباً من أصول مهاجرة اسمه اسماعيل حامد، والثاني يخص صبية ألمانية اسمها حنّة بيرغ، ويتضمن الطلبان المواصفات ذاتها والمهنة ذاتها لكل من اسماعيل وحنّة، كما أنهما مكتوبان بلغة ألمانية صحيحة. وبعد الحصول على 8000 مشاركة، كانت نتيجة التجربة أن حنة تلقت عدداً هائلاً من الدعوات لزيارة البيوت والاستئجار مقابل عدد قليل جداً حصل عليه اسماعيل. وكشفت التجربة عن عنصرية ممنهجة ضد الباحثين عن بيت من أصول مهاجرة، إذ غالباً ما يتم استبعادهم  بمجرد ملاحظة الكنية غير الألمانية. وبحسب التجربة، فإن التمييز العنصري يصدر بنسب أكبر من ملّاك البيوت مقارنة من التمييز الذي تمارسه شركات البيوت أو شركات الوساطة. كما أن التمييز يشمل أيضاً الفروقات بين الجنسين، بمعنى أن تجارب أخرى مشابهة تم إجراؤها تُظهر أن الرجال العرب، أو من أصول عربية، يتعرضون لتمييز عنصري أوسع من التمييز العنصري الذي تتعرض له النساء العربيات أو من أصول عربية.

يلجأ السوريون  إلى السماسرة بالرغم من معرفتهم بأن عملهم غير قانوني، وغير مرخص، ويحمل مخاطر عالية، من بينها الموافقة أحياناً على العيش بالأسود دون عقد إيجار يضمن حقوقهم، وغيرها من التبعات التي تؤثر على استقرارهم وعلى نمط حياتهم في ألمانيا، لكن أسباب ذلك بحسب ما تؤكد الدراسة والتجربة السابقتان هي أكبر وأكثر تعقيداً من عدم امتلاك أوراق تدعم الطلب، أو من انخفاض مستوى الدخل، بل تحضر فيها أسباب عنصرية، تظهر على شكل جمل واضحة في بعض إعلانات البيوت «لا نريد أجانب»؛ «لا نريد جوب سنتر»؛ «للألمان فقط»، وأحياناً كثيرة لا يتم الإفصاح عنها.

تفسّر هذه الأسباب مجتمعة لجوء عدد من كبير من السوريين إلى السماسرة غير القانونيين، لأنه على الرغم من المبالغ المرتفعة التي يتكلفونها، إلّا أنها تختصر عليهم طريقاً طويلاً ومرهقاً في رحلة البحث عن بيت جديد، بحيث يكون خرق القانون الوسيلة الأسرع للعثور على مأوى.