لما الوعي بيجي ببطء

 

السيدة نائلة كامل، المولودة ماري روزنتال، أو السيدة التي «ما كانتش واخدة بالها»، كما أحبُ أن أسميها، وذلك إعجاباً بدهشتها في اللحظة التي تستدرك أن ما فهمته لاحقاً هو عكس ما توقعته في البداية، وأيضاً تعاطفاً معها ضد الأحداث المتلاحقة التاريخية والسياسية التي تسلب منّا الوقت لنلتقط أنفاسنا أو لنُجري جردة حساب مع الآثار التي خلّفتها كل صغيرةٍ وكبيرة على ذواتنا. رواية المولودة، إن أمكننا القول، هي قصة شخصية تحاول أن تفهم ما حدث في خباياها عندما كانت مستغرقةً في العمل السياسي والثقافي والأمومة. رواية عن الوعي الذي يتشكل تدريجياً وببطء «وفين وفين لما الواحد يبتدي يقول 'الله!'، 'يمكن مش صح' ويعارض وتبتدي تتكوّن المعارضة، والوعي بييجي ببطء» (كامل، 2018، صفحة 538)

دخلت ماري روزنتال السجن لأول مرة في عمر الثامنة عشرة، وبالرغم من أنها كانت ناشطة شيوعية   وتعمل بشكل سري في توزيع المنشورات، إلا أنها لم تكن تشعر بأدنى شعورٍ بالخطر، ومع ذلك أمضت عاماً ونصف في السجن. قررت ماري البقاء في مصر، وتراجعت عن فكرة السفر إلى إيطاليا من أجل الدراسة التزاماً بمبدأ أن التعليم للبرجوازيين وليس للشيوعيين، لكنها وجدت نفسها مضطرةً لممارسة أعمالٍ بسيطة: سكرتيرة ومدرسة لغة. توقفت عن الانخراط بالعمل السياسي المُنظّم، إلا أنها ظلت دائماً شيوعية ومتابعة للقضايا السياسية من خلال زوجها سعد كامل. حُكم عليها بالسجن، مجدداً خلال فترة حكم عبد الناصر، لمدة خمس سنوات دون تهمةٍ واضحة «ساعات سألت نفسي السؤال دا: أنا اتحكم علي بخمس سنين ليه؟ ماكانش ظلم ولكن أنا ما كنتش بعمل 'مشاركة' معينة بالفعل.» (كامل، 2018، صفحة 181).   

عاشت ماري روزنتال في عائلة مختلطة؛ الأم مسيحية من إيطاليا والأب يهودي مصري، لكنه دخل المسيحية بسبب الخطر الذي كان يهدد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وكان دخوله المسيحية هديةً لزوجته الإيطالية في عيد ميلادها. لكن  ماري روزنتال، وبعد أن تزوجت بسعد كامل، قررت أن تصير نائلة كامل، وأن تتبع ديانة زوجها وهي الإسلام. كانت شاهدةً على أحداث تاريخية كبرى في تاريخ مصر منذ الثلاثينات حتى الألفينات، عملت كاتبة في مجلة حواء وانضمت للعمل النسوي في الثمانينات والتسعينات. لكن ماري أو نائلة ليست هذا فحسب، أو بشكلٍ أدق، لا يمكن تعريفها على هذا النحو أو وصفها بمهنتها أو بانتمائها السياسي؛ من هي إذن نائلة كامل المولودة ماري روزنتال؟

بدأت نادية كامل التسجيل مع والدتها نائلة كامل المولودة ماري روزنتال منذ عام 2002، واستكملت نادية كامل العمل على تفريغ التسجيلات الطويلة بعد وفاة والدتها عام 2012، وتمكنت من كتابة «السيرة الذاتية» لنائلة كامل بقلمها، ولكن على لسان أمها، ووضعتها في ستة فصول منذ ولادة ماري روزنتال في عام 1931، مروراً بأهم المحطات في حياتها، وحتى أوائل الألفينات. سبق صدور الرواية فيلمٌ وثائقي، وهو سلطة بلدي (2007)، من إخراج نادية كامل، وتصوّر فيه الابنة رحلة أمها نائلة عندما تقرّر التواصل مجدداً مع أقاربها في إيطاليا وإسرائيل، وزيارتهم بصحبة حفيدها نبيل. يُمكّن فيلم سلطة بلدي المشاهد من التعرف على نائلة كامل بلحمها ودمها، وأن يسمع لغتها العربية باللهجة المصرية المنكهّة باللكنة الإيطالية.  نتعرف في الفيلم على المطبخ والبيت الذي نقرأ عنه في الرواية، كما نتعرف على سعد كامل الذي تخصّص نائلة جزءاً كبيراً للحديث عنه في التسجيلات، وعن نشاطه السياسي وحلم الثقافة الجماهيرية لديه. نرى ملامحها الخارجية: الشعر الأبيض وتجاعيد الوجه والقامة الطويلة والجسد الممتلىء. في الفيلم الوثائقي نستمتع بخفة دم ومرح نائلة كامل، ويسعدنا حضورها وحنّيتها البالغة والشوق لرؤية عائلتها.

أما مصدر المتعة في الرواية فهو شيءٌ آخر. هو حتماً ليس سرد الوقائع التاريخية التي تذكرها نائلة بسرعة، وأحياناً لا تتذكرها بدقة، وأحياناً كتيرة تقول «يمكن تلخبطت» وتترك مهمة التأكد من التواريخ ودقتها لنادية أو لسعد زوجها. كما أنّ المتعة في الرواية لا يمكن أن تنحصر فقط في  تفاصيل حكايا الناس، التي تبدو في أحيان كثيرة عادية وبسيطة. الممتع والجميل في المولودة هو التقاط التفاصيل الدقيقة التي تكاد لا تُرى، غير أنها تترك أثراً في العلاقات الإنسانية، بين الأصدقاء والأقارب و رفاق السجن. العودة للذاكرة هي عملية دقيقة ومرهقة لنائلة وللقارئ معاً؛ لأنها تمسّ شغاف القلب والروح، وتتطلب إصغاءً عميقاً لقصة نائلة التي تحكي الكثير عن القاهرة وعن أهلها من الخواجات والمثقفين والريفيين «نزل علي أفكر إن مسألة إن أقعد أحكي لها ميزة وعيب. الميزة معروفة، كل ما بتكلم بافتكر أكتر، بس العيب إنها بتاخد شيء من الطاقة العاطفية، بينتهي الأمر إن الواحد يعمل نوع من الـ'introspection' –تفقّد الذات– يعني يبحث جوه نفسه.» (كامل، 2018، صفحة 71).

في الفيلم التسجيلي نعرف أن التي نراها على الشاشة هي نائلة كامل، تتحدث باسمها عن رغبتها بزيارة أقاربها، وهي شخصية واقعية فعلاً، نسمع ضحكتها ونشاهد لحظات تأثرها. أما في الرواية، فنجد أن نائلة كامل تصبح شخصيةً واقعيةً أحياناً وروائيةً أحياناً أخرى. لا شك أن  عملية التفريغ من التسجيل إلى الورق، حتى لو كانت باللهجة العامية المصرية، قد خضعت لإعادة كتابة وتحرير وإعادة صياغة جمل معينة وإعادة ترتيب (المونتاج) في ذكر وقائع قبل أخرى. لكنْ إنْ كانت رواية المولودة عملاً أدبياً تسجيلياً أم عملاً روائياً، فهذا سؤالٌ غير مجدٍ بحدّ ذاته؛ لأنّ جزءاً كبيراً من جمالية وسحر نائلة كامل هو هذا الخلط بين ما هو واقعي وما تتذكره على أنّه حدَثَ فعلاً. والأهم من هذا كله أنّ نائلة كامل لم ترغب بكتابة سيرتها الذاتية عندما بدأت برحلة التذكر هذه «زمان لما كنت بافكّر أكتب مذكراتي أو 'السيرة الذاتية' زي ما بتسمّوها، كنت بلاقي حاجات طريفة، بس ما كنت بلاقي حاجات مهمة، عشان عادة الواحد لما يكتب السيرة الذاتية لازم يكون أنجز حاجة. أنا اتصرفت في حياتي، دخلت في موضوعات وخرجت من موضوعات ولكن في نهاية الأمر مش شايفة التصرفات والأنشطة دي كانت مفيدة لأي حد.» (كامل، 2018)

تقول نائلة، في قصص عديدة تذكرها، إنّها كانت تشعر بنفسها صغيرة، فعندما كانت في رحلة على البحر اصطحبت ابنتها وأولاد أصدقائها، وكانت تشعر في نفسها أنها قريبة من أعمار «الأولاد الصُغيرين دول». هذا الصغر في القصص التي ترويها نائلة هو ليس عدم النضج أو عدم القدرة على تحمل المسؤوليات، بل هو الموقع الذي تصف منه العالم؛ كيف كان وكيف كانت تنظر إليه؛ هو موقع المتأمّل المتواضع الذي يتفرّج على القصص محاولاً جمع خطوط الحكايا دون إقحام تحليلاتٍ وأحكامٍ على شخوص القصة. وبحسب معرفتنا برحلة نائلة البطيئة في سبيل الوعي، فهذا الصغر هو عودةٌ للطبيعة الإنسانية وللمشاعر البسيطة التي تجاهلتْها لسنواتٍ طويلة في حياتها، بسبب انشغالها بالعمل السياسي والمحاربة لإثبات وجودها في الحياة الثقافية. «بس اللي حصل إن مسألة إن جت لي الشجاعة إن أختار المقاومة كان بيدّيني نوع من الرضا إن عندي شيء من قوة الإرادة والولاء، شيء من التمييز، دا على حساب إن الواحد يسيب نفسه لميوله العاطفية والرغبات الشخصية والحاجات الحلوة في الحياة، وكمان على حساب التأمل أو التعمق ودا اللي وحش.» (كامل، 2018، صفحة 542).

إذن هذه رواية عن النظر إلى الخلف، وعن استدراك متأخر كثيراً لما حدث، ومقارنته بما اعتقدت نائلة لسنوات أنّه غير قابل للنقاش. يمكننا أن نلمس هذه الدهشة في تعابير عديدة تستخدمها نائلة «ماكنتش واخدة بالي»، «إزاي ما سألتش نفسي»، «أنا دي الوقت بفكر إزاي». عموماً قد لا تكون الدهشة هي التعبير المناسب، لأنّ نائلة أحياناً تعبّر عن إحساس بالغبن أو اعتراف بأخطاء الماضي. في فترة السجن الأولى بسبب العمل السري، عندما كانت نائلة في الثامنة عشرة من عمرها، لم تكن تعرف تماماً ما هو العمل السري وما معناه، وتعترف لنا بأنها كانت توزّع منشوراتٍ مكتوبة باللغة العربية التي لم تكن آنذاك متمكنةً منها، وكانت مطبوعة بأحرف صغيرة وجودة سيئة.

في فترات السجن اللاحقة، حيث أمضت قرابة 6 سنوات، لم تكن متهمةً بأي عمل سياسي منظم  «ولكن من ساعة ما خرجت من السجن الأولاني عام 1950 ما حصلش تنظيمي في أي حزب، وما اشتركتش شخصياً ولا كنت عضوة في أي خلية معينة، إن أكون مسؤولة عن مهمة محددة أو حد يبقى مسؤول عني ويكلفني، ما حصلش، اكتفيت أتعاطف وأتابع وأشترك في المناقشات السياسية ويكون ليّ رأي من خلال عضوية سعد. مش مظبوط إني أكون سياسياً ملحقة بسعد، بس أنا ما سألتش وما عبرتش ساعتها، كان دا البديهي إن أنا وسعد كأننا شخص واحد.» (كامل، 2018، صفحة181)

خلال العدوان الثلاثي على مصر، كانت ترسل، هي ورفيقاتها السجينات، رسائل إلى عبد الناصر من أجل أن يسمح لهنّ بالخروج للمقاومة والقتال في الحرب، لكن طبعاً «عبد الناصر عمره ما رد على الجوابات دي" وعرفت في وقت متأخر "أن جمال عبد الناصر كان ضد الشيوعية والشيوعيين».

وكذلك، تلوم نائلة نفسها كثيراً على تجاهلها، لأكثر من خمسين عاماً، جذورها اليهودية وعلاقاتها العائلية مع أقاربها اليهود، الذين انتقلوا إلى إسرائيل في الأربعينات في ظل السياسات غير المُرحبّة بهم في مصر بعد الاحتلال الإسرائيلي. «الموضوع التاني اللي مش عارفة أفسّره في نفسي وشاغل بالي وعايزة أتأمّل فيه هو 'إزاي أنا ما سألتش ولا مرة عن أسرتي اليهودية اللي كانت كلها ساكنه هنا في مصر، وعرفت كدا ع الماشي من أبويا وأمي إنهم مشيوا راحوا اسرائيل' إزاي أسقطهم؟ أنا ما كنتش باعمل مجهود، أنا بطلت أفكر فيهم أو أحس بيهم. حصل لي نوع من البلادة في الموضوع». تحاول أن تشرح كثيراً كيف سارت مع تيار المقاطعة العمياء لكل ما هو موجود ضمن حدود إسرائيل، وتحاول أن تشرح كثيراً أن زيارتها لأقاربها في تل أبيب ليست خيانةً للقضية الفلسطينية، وليست تراجعاً عن ماضيها الشيوعي، بل هي مقاومة للبلادة وفسح المجال للمشاعر الإنسانية كي تطفو على السطح مجدداً. «ناس كثيرة بتنهار لما بتتحبس وعلشان الواحد يقنع العدو إن أنت مش حتنكسر، لما تعملي المجهود دا بتكسري كمان كتير من المشاعر الإنسانية بتاعتك، بتبعديها من على السطح وتدخليها جوه، ما تسبيش نفسك على حريتك وتعترفي بإحساسك»(كامل، 2018، صفحة541).

من هي إذن نائلة كامل المولودة ماري روزنتال؟ ماري روزنتال والتي صارت نائلة كاملة، وبحسب العشرة معها التي امتدت إلى أكثر من 500 صفحة، نعرف أنها سيدة محبة، تقول «ياعيني» عندما تتذكر شخصاً أو صديقاً، نامت في أحد الأيام ونسيت ابنتها نادية وهي تبكي من الجوع، كانت توزع منشورات عن الشيوعية في عمر الثامنة عشرة دون أن تقرأها، اتخذت في حياتها قراراتٍ كثيرةً متسرعة، لكن عندها خصلة مخيفة «باقعد مدة ما يبانش عليّ ولا حتى لنفسي إني حاخد القرار، وبعدين أول ما أخود القرار باكون في غاية الحسم، مافيش تردد.» (كامل، 2018، صفحة118)هذه التفاصيل ربما ليست كافية لنعرف نائلة كامل، لكن بمراقبتها عبر فصول الرواية نتعلم الكثير عنها. 

تركتْ هذه الرواية والذكريات والتسجيلات للحفيد نبيل؛ أرادت نائلة أن تشرح لحفيدها مَنْ تكون جدته والحياة المعقدة والخيارات الصعبة التي اضطُرت لاتخاذها في الماضي، وأنها لم تكن تنوي أبداً أن تكون إنسانةً لئيمةً أو حاقدة، كما أنها لا يمكن أن تقبل أن تربّي حفيدها على الثأر أو الحقد. في إحدى الندوات حول الكتاب تشرح نادية أن والدتها كانت تكره عمليات المحو والطمس التي تحدث عند التوثيق الرسمي للتاريخ.  أرادت نائلة أن تسجّل ذكرياتها ومراجعاتها عن الماضي دون أي تشويهٍ أو تدخلٍ مقصود لإلغاء أحدٍ ما، والتمسك أطول ما يمكن بقصص الأشخاص؛ البحث عن أعذار لهم تبرّر قسوتهم أحياناً، أوالاعتراف بفضلهم في قصص أخرى. التّمعّن في الماضي والتّعرّف على الذات من جديد مهمة تتطلّب الكثير من الشجاعة والمصارحة، لذلك لا يمكن إلا أن نشعر بالامتنان للسيدة التي «ما كانتش واخدة بالها» على الرقة البالغة في تلمّس جراح الماضي.