ليس الإحباط برنامجاً

بعد عام من انطلاقة الثورة اللبنانية، ومع الدمار الهائل الناتج عن انفجار مرفأ بيروت، يغوص اللبنانيون في قعر اليأس، لكن مخرجاً من المأزق لا يزال موجوداً.

بينما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسير في شارعٍ يحمل اسم المندوب السامي الأول للانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا، الجنرال هنري غورو، منذ شهرين –التوقيت الذي صادف مرور قرنٍ كاملٍ على إعلان غورو نفسه عن تأسيس دولة لبنان الكبير، المحتلة فرنسياً– كانت عريضةٌ رقميةٌ، تطالب بعودة الانتداب الفرنسي على لبنان مجدداً، قد حظيت بأكثر من ستين ألف توقيع. فجأةً انتشرت الثرثرة حول هذه الإمكانية اللاممكنة، لدرجة اضطُر ماكرون –وهو يعقد مؤتمرا صحفيا في منزل غورو السابق– إلى نفي إمكانية حدوثها بشكلٍ صريحٍ ورسمي. وإن لم يكفِ ذلك لخلق الانطباع بالسفر عبر الزمن إلى أوائل القرن العشرين، فقد نشرت مجلة السياسة الخارجية الأميركية مقالة تحت عنوان «التقسيم هو الحل الوحيد لويلات لبنان».

بقدر ما يُغرى المرء بالسخرية من مثل هكذا مقترحات وفرضيات، بقدر ما تستحق الأخذ على محمل الجد –ليس لفحواها الفكري المفترض، وإنما لما تعبّر عنه من عمق اليأس والإحباط اللذين قد وصل البلد إليهما، بعد انقضاء عامٍ كامل على انطلاقة الانتفاضة/الثورة، مساء الخميس السابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر) 2019، التي بدت للحظةٍ وكأنها تبشّر بفجر جديد. اليوم، وبدلاً من الحكم الكفوء والنزيه والمحاسَب الذي طالب به الثوار، فقد حل محله انحلالٌ اقتصادي وانهيارٌ مالي وأزمةٌ اجتماعيةٌ وإنسانيةٌ حقيقية، تشرف عليها نفس عصابة القتلة واللصوص الذين لم يغيروا سوى الحِيَل والتكتيكات التي يستغلونها من أجل البقاء في السلطة والاستمرار في نهب ثروات الوطن.

وهذا كله قبل الانفجار الجحيمي نهار الرابع من آب (أغسطس) في مرفأ بيروت، الذي خلّف أكثر من 190 قتيلاً و6500 جريح وثلاثمائة ألف نازح، محوّلاً أحياء سكنية وتجارية عدة إلى أكوام ردمٍ وشظايا زجاج بالكاد بدأ العمل على إزالتها اليوم، بعد مرور ما يزيد على شهرين. يعمُّ العاصمة الآن أسىً استثنائي لم يُدرَك مثله منذ زمن الحرب الأهلية. يُثار الإحساس بأن البلد في طور الهلاك من كل ناحية: انفجاراتٌ متفرقةٌ مجهولة السبب وحرائق تندلع يوماً تلو الآخر، قاتلةً المزيد من السكان، الصيدليات لم تعد تؤمّن الأدوية الأساسية والحيوية، محطات الوقود باتت تقنّن البنزين المباع لكل مركبة، مستبقةً رفع الدعم الحكومي المرتقب عن المحروقات، ما قد يرفع سعر الوقود أربعة أضعاف. في السوبرماركت الكبير القريب من منزل الكاتب، لم يتوفر البيض أو صدور الدجاج يوم الاثنين الماضي. يجيء كل يومٍ بأنباء عن مغادرين جدد؛ جوّاً لمن يتيسر لهم ذلك، وإلا بحراً على متن «قوارب الموت» نحو قبرص، في رحلةٍ حصدت أرواحاً ستةً الشهر الماضي، بينهم الطفلان سفيان (ذو عامين) ومحمد (ثلاث سنوات). 

لا عجب، إذن، في هذه الظروف، أن تصبح العقول أكثر ترحيباً بالأفكار التي كانت ستستبعد، بل تُستجن في ظروفٍ أخرى. ما الذي استفاده اللبنانيون من جميع المشاريع السياسية السابقة؟ لم يجنّبهم البلاوي لا تحالف 14 آذار بعد انتفاضة الاستقلال عام 2005، ولا حراك «طلعت ريحتكم» خلال أزمة النفايات عام 2015، ولا لائحة «بيروت مدينتي» التي ترشّحت للانتخابات البلدية عام 2016، ولا تحالف «كلنا وطني» في الانتخابات النيابية التي تلتها بسنتين. ثورة تشرين 2019 قد فشلت أيضاً، بالمعنى الضيق، في إسقاط النظام (مهما كان يعني ذلك أصلاً)، وإن حققت كذلك أكثر بالكثير مما يعترف به راثوها. إن كان شيءٌ واحدٌ يفسّر الشجن الشديد في دوائر المجتمع المدني اللبناني اليوم فهو فقدان القناعة بفائدة أيٍّ من المسارات المتاحة حاضراً أو مستقبلاً. قد عبرت الكاتبة يارا نحلة عن الشعور ببلاغة في موقع المدن نهار الأربعاء: «إن الإقرار بضعفنا وعجزنا ليس استسلاماً لليأس، بل واقعية ضرورية في عالمٍ تزداد سوداويته، ووطن لا مكان فيه للأحلام الوردية».

لكن الواقع أن مخرجا من المأزق لا يزال موجوداً، بدون الحاجة للأحلام والورود. نحن على أعتاب العام 2021، الذي تفصل بينه وبين الانتخابات النيابية المقبلة سنةٌ واحدةٌ فحسب. كما كتب الداعي في هذه الصفحات السنة الماضية بعد اشتعال الثورة بأسبوع، فإن مجلس النواب اللبناني، بصفته الجهة التي تنتخب كلاً من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النوّاب، وتمنح الثقة لرئيس الحكومة، يشكل الوسيلة الدستورية والديمقراطية السلمية الوحيدة للإطاحة بالطبقة السياسية الحاكمة. ليس ثمة من أولوية أقصى اليوم لمن يطمح إلى التغيير في لبنان من القيام بالتحضيرات اللازمة لتلك الانتخابات. بالطبع، الكثير على دراية بذلك، وقد اتُّخذت الخطوات الأولى من أجل التنظيم، وإن كانت كل المبادرات الحالية تبدو بدائية للغاية، إن لم نقل خجولة. الوقت المتوفر قليل، لا سيما في ظل التحديات الهائلة، وهي تتجاوز الأمور الاعتيادية كالتمويل واختيار المرشحين وخوض الحملة بحد ذاتها، لتشمل معارك إضافية موازية كالنضال من أجل قانون انتخابي جديد وعادل، وضمان حصول الانتخابات أساساً؛ الأمر الذي ليس مضموناً بحال بعد تأجيل انتخابات العام 2013 لمدة خمسة أعوام طويلة (حينها كانت خطورة إجراء الانتخابات بالنسبة للطغمة الحاكمة أخف بما لا يقارن). 

يشيع الكلام هذه الأيام عن الأمل. هل هناك أمل؟ هل لديك، أو لديّ، أملٌ للبنان؟ لا جدوى من السؤال، فالتغيير لا يأتي عن طريق الأمل، وإنما العمل. يعني الأمل الانتظار ريثما يقوم الآخرون بالعمل. لبنان الذي يريده ثوار تشرين حتماً لن يُقدَّم على طبقٍ من ماكرون، ولا ترامب أو بوتين أو محمد بن سلمان، ناهيك عن بشار الأسد وعلي خامنئي. كذلك الكليشيهات الخشبية عن خلود طائر الفينيق وصمود الأرز لن تنفع هذه المرة. أفضل بالكثير من الأمل الأعمى هو الدليل القاطع على أن للعمل نفعٌ وجدوى، كما أثبته الطلاب المستقلون المحسوبون على الثورة في الجامعة اللبنانية الأمريكية الأسبوع الفائت، إذ فازوا بأكثرية الأصوات في الانتخابات الجامعية، هازمين خصومهم من أحزاب السلطة في جميع المقاعد التي ترشحوا لها. خارج الحرم الجامعي، لقد فاز مستقلون أيضاً في انتخابات نقابة المحامين في بيروت و نقابة المهندسين في طرابلس والشمال. «ليس الإحباط قدراً»، قال الراحل سمير قصير؛ وكذلك ليس برنامجاً انتخابياً. تبقّى أمام اللبنانيين 500 يوم ونيّف حتى موعد الانتخابات المقبلة. ما يعتمد على استثمارها بفعالية هو ليس أقل من إنقاذ البلد.