مانحون يستأنفون دعم القطاع الطبي في الشمال

 

في الخامس والعشرين من شهر شباط الماضي، استأنفت الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) دعمها لمديريات الصحة في المناطق الخارجة عن السيطرة النظام في إدلب وحماة وحلب، وذلك بعد تعليق الدعم الذي استمر ما يقارب شهراً ونصف الشهر، منذ الحادي عشر من كانون الثاني الماضي.

وتدعم الوكالة الألمانية مديريات الصحة في هذه المناطق عبر منظمات وسيطة، منظمة (UOSSM) لمديريتي صحة إدلب وحماة، ومنظمة (SAMS) لمديرية صحة حلب. وكانت مديريات الصحة قد أُبلغت بشكل رسمي انتهاء فترة التعليق، واستئناف الدعم لمشروع تمكين مديريات الصحة بشقيه، جناح الحوكمة وجناح دعم المشاريع والتجهيزات الطبية، مع تغطية فترة التعليق، وذلك بحسب فراس الثلجي معاون مدير صحة حلب.

ماذا تغطي المنحة

بحسب إحصائيات مديرية الصحة في حلب التي تشمل ريفي حلب الغربي والجنوبي، فإن المديرية تضم أحد عشر مشفى بكادر طبي يبلغ 453 شخصاً، تقدم الخدمات الطبية لـ 49814 مستفيداً، كما أنها تضم خمسة وثلاثين مركزاً للصحة الأولية بكادر طبي من 613 شخصاً، تقدم الخدمات لـ 94500 مستفيداً.

وتغطي المنحة التي تم إنهاء تعليقها ثمانية مشاريع في المديرية، تتوزع على مراكز رعاية صحية أولية وأقسام عناية مركزة للأطفال ومنظومة الإسعاف ومركز علاج فيزيائي ومركز تخصصي في العيادات الداخلية والعناية القلبية، كما تقوم مديرية الصحة بتغطية رواتب كوادرها ومصاريف تشغيلها من خلال المنحة، كونها لا تتلقى تمويلاً من أي جهة أخرى، بحسب معاون مدير صحة حلب.

وفي حماة، تغطي المنحة تسعة مشافٍ ومراكز طبية تابعة لمديرية صحة حماة، وقد أدى تعليقها إلى فقدان 60% من الخدمات الطبية في المنطقة التي تضم ما يزيد عن 150 ألف نسمة، بحسب تقرير نشرته المديرية على موقعها الالكتروني.

وتشير الإحصائيات السنوية للعام 2018 إلى أن هذه المشافي قدمت الخدمات في عياداتها لـ 242004 أشخاص، إضافة إلى 32974 مستفيداً في الحالات الطارئة و19470 من الأشخاص الذين يعانون الأمراض المزمنة و31375 من الأشخاص الذين يعانون الأمراض الوبائية.

في إدلب التي تضم خمسة وسبعين مركزاً صحياً، إضافة إلى اثنين وخمسين مشفى عاماً وسبعة وثلاثين مشفى متخصصاً وخمسين سيارة إسعاف، توقف الدعم عن ثلاثة وثلاثين منشأة طبية وبنك دم ومركز تلاسيميا، تقدم الخدمات لأكثر من خمسة وسبعين ألف مريض شهرياً، بحسب عماد زهران مدير المكتب الإعلامي في مديرية صحة إدلب، الذي أكد عودة الدعم إلى كافة هذه المنشآت.

وقد بلغ عدد المستفيدين من خدمات المشافي في العام 2018، حسب مديرية صحة إدلب، 279356 مريضاً، و75038 مستفيداً من المراكز التخصصية، و423600 مستفيداً من خدمات مراكز رعاية الصحة الأولية، ناهيك عن العمليات الجراحية والتخصصية والولادات.

أسباب توقف الدعم

يُرجع معاون مدير صحة حلب السبب في توقف الدعم إلى التجاذبات السياسية التي حصلت في المنطقة منذ بداية عام 2018، والتي شكلت هاجساً لدى المانحين بخصوص الدعم المقدم للقطاع الطبي، ما دفعهم لاتخاذ قرار بتعليق الدعم. وكانت بعض المؤسسات الأوروبية، خاصة الفرنسية والألمانية والتابعة للاتحاد الأوروبي، قد علقت دعمها عن مديريات الصحة في إدلب وحماه وحلب واللاذقية في كانون الثاني الماضي، بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على معظم المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في إدلب وريفها وريف حماة وريفي حلب الغربي والجنوبي.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يتوقف فيها الدعم عن القطاع الطبي، ففي كانون الأول 2018 تم استئناف منحة طبية مخصصة للشمال السوري حتى نهاية عام 2019، بعد أن كان قد تم إيقافها من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في أيلول الماضي، وهي المنحة التي تدعم، من خلال منظمتي سامز وريليف إنترناشيونال، اثنين وعشرين منشأة صحية بين مستوصفات ومستشفيات ودور حضانة في المنطقة.

وتعتمد مديريات الصحة على المنظمات الإنسانية والدعم المقدم من المانحين لتغطية النفقات والأكلاف التشغيلية، دون أي دور للمؤسسات المحلية، كحكومتي الإنقاذ والمؤقتة أو المجالس المحلية، في تغطية هذه النفقات. وتقدم مديريات الصحة خدمة توصف بأنها جيدة ومقبولة على مستوى الرعاية الصحية الأولية، أما على مستوى الرعاية الصحية الثانوية وما يليها، فثمة ضعف كبير في الإمكانيات، ويكمن العجز على وجه الخصوص في علاج الأمراض السرطانية والجراحات الدقيقة والقلبية، التي يتم تحويلها إلى تركيا للعلاج بحسب تقرير لـ «منسقو استجابة سوريا».

ويقول عماد زهران، مدير المكتب الإعلامي في مديرية صحة إدلب، إن «الداعم الوحيد لمديريات الصحة هي المنظمات الدولية»، مؤكداً أنه «ليس هناك أي خطة للتوسّع في الوقت الحالي، إذ يرتبط ذلك بحجم الدعم وخطة التغطية الطبية».

من جهته يقول الطبيب محمد شعبان، إن الواقع الصحي في المنطقة يشبه واقع المريض الذي يعيش على أنابيب الأوكسجين، معتبراً أن توقف الدعم عن هذه المنشآت سيؤدي بالضرورة إلى «كارثة» في المنطقة التي تضم أكثر من أربع ملايين نسمة، ويكمل الطبيب «لا بدّ من حلول جدية لتأمين مصادر تمويل دائمة للقطاعات الخدمية في المنطقة، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم لما لهما من أهمية».

ويقول الباحث الاجتماعي أحمد حسين، في ريف إدلب، إن حالة إرباك شهدتها المنطقة خلال فترة توقف الدعم، وإن أثرها كان واضحاً من خلال المناشدات والتقارير الصحفية التي انتشرت عبر وسائل الإعلام، والتي أوضحت حجم المعاناة والكارثة، ومن خلال رفع حالة الطوارئ والدعوة من قبل مديريات الصحة لاستمرار العمل بشكل تطوعي ريثما يتم تأمين الدعم، متسائلاً: «في حال تم إيقاف الدعم، ما الذي سيحصل؟ وهل سيترك المرضى لمصيرهم؟ خاصة مع ضعف الإمكانيات والحالة الاقتصادية التي يعيشونها».

حملات المناصرة والعمل التطوعي، حلّ مؤقت

يرى فراس الثلجي، معاون مدير صحة حلب، أن حملات المناصرة الواسعة التي دعت لها مديريات الصحة والمنظمات الإنسانية والفعاليات المجتمعية كانت مؤثرة، وسلطت الضوء على الأثر الكارثي لوقف التمويل عن قطاع الصحة الحيوي والأساسي للمواطنين، وهو ما أدى إلى إدراك المانحين لحجم المخاطر، ومن ثم إيقاف قرار التعليق.

وهو ما أكد عليه عبد الكريم ياسين، رئيس دائرة الإسعاف والطوارئ في مديرية صحة حلب، الذي قال إن هذه الحملات أدت إلى عودة الدعم واستمرار العمل، وأسهمت في رفع معنويات العاملين في القطاع الصحي، الذي تعرض لانتكاسة أثرت سلباً على فعاليته وعلى معنويات العاملين وأدائهم اليومي في تقديم واجبهم، وأوضح الياسين أنهم يعتزمون القيام بحملة مناصرة لإعادة الدعم الذي لا يزال متوقفاً حتى الآن عن منظومة الإسعاف فيما يخص الكلفة التشغيلية (صيانة ومحروقات)، وذلك لتسهيل عملها في خدمة المرضى في المنطقة.

لم تغلق أيٌّ من المنشآت الطبية خلال فترة تعليق الدعم، بل استمر عملها بشكل تطوعي من قبل الكوادر الطبية، بحسب الثلجي، إلّا أن الطبيب محمد شعبان قال «إن العمل التطوعي يسهم بحل جزء بسيط من المشكلة، خاصة وأن الفترة كانت قصيرة ومحدودة، وأنه يتوافر في المشافي بعض الأدوية والمستلزمات التي أوفت بالغرض، إلّا أن هذا الأمر لا يمكن أن يكون حلّاً»، وهو يرى أن الحل قد يكون في فرض «أجور معاينة رمزية على المرضى لتأمين جزء من التمويل اللازم لعمل المشافي، في حال توقف الدعم وعجز المؤسسات المحلية عن تلبية الاحتياجات الأساسية».

ومع أهمية حملات المناصرة، يقول أحمد حسين «إن المنظمات العالمية تدرك الواقع الإنساني في المنطقة، وهناك تقارير شهرية تُرسل لها عن الاحتياجات الأساسية، وهي ليست بحاجة لتسليط الضوء على المشكلة ليتم تداركها، ولكن ما يحدث من توقف للدعم الإنساني والإغاثي وما تبعه من توقف للدعم الطبي، مرتبط بالأجندات والتطورات السياسية، ويتم استخدامه كعامل ضغط فيها، خلافاً لما ينبغي أن يكون عليه الحال من عدم رهن الدعم الإنساني بالأوضاع السياسية».