ما الحدث اليوم بشأن القدس؟

 

ليس الحدث اعتراف الرئيس الأميركي وإدارته بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وما ينطوي عليه ذلك من استهتار بالشعب الفلسطيني، وارتباطه بالمدينة التي تشغل مكانة مركزية في الوطنية الفلسطينية المعاصرة، وفي الوجدان الإسلامي والمسيحي. ليس هذا هو الحدث، فقد كان هذا مضمراً في انحيازٍ بنيويٍ مديدٍ للإدارات الأميركية والنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية إلى دولة قامت جوهرياً على التطهير العرقي، وتقوم اليوم على التمييز العنصري. الحدثُ بالأحرى هو تجرّدُ القوى القائدة في النظام الدولي من أي ادعاءات عداليّة أو سلاميّة، ولو كانت شكلية، على نحو يطوي عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية البائسة، ويجعل من تناثر الفلسطينيين الحالي في معازل مقطعة الأوصال نهاية كفاحهم.

في سورية المجاورة حيث حضور النظام الدولي مباشرٌ أكثر اليوم، يظهر المصير الفلسطيني على حقيقته. يظهر في صورة حماية دولية للحكم الأسدي في مجلس الأمن على نحو يذكر بحماية إسرائيل، في صورة إبادة فيزيائية للثائرين السوريين تستأنف الإبادة السياسية لعموم السكان على نحو يذكر بالإبادة السياسية للفسطيينيين في أرضهم، في صورة احتكار أسدي إسرائيلي لأسلحة الدمار الشامل وسلاح الطيران، في صورة ترتيب للبشر في مراتب تستحق بعضها السيادة والاعتماد من النظام الدولي، وتحوز القدرة المستمرة على القتل وتُعفَى من أي قانون، ثم جماعات بشرية هائمة على وجهها، لا يُعتَرَفُ لمعاناتها بأي معنى، وتُجَرَّدُ من أي حقوق وتُتهم في إنسانيتها ذاتها وفي حقها في الحياة.

لقد جَرَت فلسطنة السوريين على هذا النحو طوال سنوات ما بعد الثورة مع تمتع الإسرائيلي المحلي، دولة الأسديين، بحصانة تامة وإفلات مكفول دولياً من العقاب، على الأقل منذ الصفقة الكيماوية في أيلول 2013. ويبدو أن هذا النجاح الباهر يُغري اليوم بقطع الطريق في الاتجاه المعاكس، وتخصيص الفلسطينيين ذاتهم بمعاملة سورية، تنكر عليهم المعنى وليس الوطن وحده، على نحوٍ مُتَضَمّنٍ في قرار ترامب. ليس هذا القرار مسلكَ رئيسٍ طائش، على ما قد يفضّل البعض إقناع أنفسهم، وربما يأملون مجيء رئيس أميركي «عاقل» بعده، يراعي المظاهر أكثر من الملياردير الصفيق، بل هو مرتبط بتحولات بنيوية في النظام الدولي، تسير في اتجاه مضاد للديموقراطية في كل مكان، وتقلّ حساسيتها حيال العنصرية، حتى أن اليمين الأوروبي، بَشَّرَ في مظاهرة في بولونيا قبل أيام بهولوكوست جديد يستهدف المسلمين هذه المرة.

لقد كانت سورية طوال ما يقترب من 7 سنوات حقل تجارب لبعض هذا التحولات المضادة للثورة والديموقراطية. وخلال هذه السنوات الطوال صارت المذابح بما في ذلك بأسلحة الدمار الشامل سياسة دولية مقبولة، ومثلها صناعة تعذيبٍ وقتلٍ في السجون والمقار الأمنية. ومنذ الآن يوفر حقل التجارب السوري سوابق يمكن للقوى الدولية النافذة الاستناد إليها لقتل الفائضين من البشر وتجريب أسلحة جديدة، على ما تباهى مسؤولون روس بخصوص سورية. فإذا انتفض الفسطينيون اليوم كان محتملاً أكثر من أي وقت سبق أن ينالوا مصيراً سورياً، يستند إلى السابقة الأسدية وتحولات النظام الدولي الرجعية.

هذه التحولات البنيوية هي ما يستحق النظر إليه والتفكير فيه، والعمل على بناء سياسات تحررية في مواجهته، وليس خطابات الممانعة الكاذبة والمزايدة والمراوغة، التي تصدر تكوينياً عن اعتبار عموم السكان في بلداننا غافلين جهلة، يمكن الضحك عليهم بخطابات غوغائيين مثل حسن نصر الله، تقول لهم إن آلامهم وكرامتهم لا أهمية لها، وإن المهم هو ما يقرره متعصبون تابعون من أمثاله. وأسوأ الردّ على كذب الممانعة هو خطابُ الممانعة المعكوسة، الذي يردُّ على مزايدة الممانعة بمناقصةٍ مستمرة، تتشكك في جدوى أي كفاح ومعناه، ولا تكفّ عن لوم الضحايا على لاعقلانيتهم، بل قلّة عقلهم. هاتان مساحتان للتضليل حصراً. الحقيقة في مكان آخر: في وقائع الإبادة السياسة والفيزيائية الجارية في سورية، في تجريد الفلسطينيين من بعدٍ معنويٍ ورمزيٍ فائق الأهمية في وطنيتهم، بعد طرد أكثرهم من وطنهم والتمييز العنصري ضد الباقين، ثم في التواطؤ بين أطقم محلية من بلداننا مع احتلالات وقوى دولية تزداد عنصرية.

فإن كان من واقعة إضافية تدلّ على فلسطنة السوريين اليوم، فهي «عملية السلام» السورية التي تستنسخ سابقتها الفلسطينية التعيسة، وتتجاوزها إسفافاً وغطرسة وخداعاً. فلا يُعرَفُ إن كانت هذه العملية تجري في جنيف أم في أستانة أو في سوتشي، ويجري علانية تصنيع معارضين داجنين مُصمَّمين لعدم معارضة المحتلين والقاتل المحلي العامل في خدمتهم في شيء، ويُتهم بالتطرف من يدافعون عن قيم الثورة وصوتٍ للفقراء والمحرومين في مستقبل بلدهم. لا تَعِدُ هذه العملية عموم السوريين بغير مواطنة من الدرجة الثانية في بلدهم، وتؤسس في واقع الأمر لنظام إسرائيلي في البلد الواقع تحت احتلالات متعددة، وفي واجهتها حكم وراثي سلالي قام تاريخه على المجازر. ما بعد السلام السوري المزعوم هو نظام غيتوات وتمييز عنصري، وليس بحال سورية جديدة مستقرة، ولا حتى سورية القديمة الأسدية.

ما يمكن استخلاصه من وضع قضية فلسطين اليوم، ومصير الثورات العربية، هو الحاجة إلى جيل ثوري جديد وتفكير وممارسات تحررية جديدة، تطوي صفحة الممانعة والممانعة المعكوسة، وتؤسِّسُ السياسة على امتلاك عموم السكان لبلدانهم وتقرير مصيرهم. هذا ما يمكن أن يكون الحدث المضاد، التحرري.