ما تريده واشنطن من نظام الأسد

 

قال جيمس جيفري، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، إن «الولايات المتحدة لا تسعى إلى التخلص من الأسد، لكنها تطالبه بتغييرات جذرية»، وذلك في كلمة ألقاها أول من أمس الإثنين، خلال استضافته في مجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث دولي مقره واشنطن. وأضاف جيفري خلال كلمته تلك، إن واشنطن لا تقف ضد النفوذ السياسي لطهران في سوريا وإنما ضد نفوذها العسكري، كما دعا بشار الأسد إلى «عدم التصرف كمنتصر»، بينما لا يزال هناك مئة ألف مقاتل معارض له على الأرض في سوريا.

منذ وصول إدارة ترامب إلى السلطة، كانت سياسات واشنطن أكثر تصلباً وحزماً مع نظام الأسد، الذي تعرض لعدة ضربات عسكرية أمريكية خلال العام الفائت. كما أن خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، أدى إلى مزيد من التصعيد تجاه نفوذ إيران في المنطقة، وتحديداً في سوريا. لكن بالمقابل، لم تقل الإدارة الأمريكية في أي وقت إنها تريد إزاحة بشار الأسد بالقوة، على الرغم من أنها تعلن مراراً عدم تفضيلها بقاءه في السلطة.

إذن، ما الذي تريده واشنطن تحديداً من نظام الأسد؟ أو ما هي تلك التغييرات الجذرية التي تحدّثَ عنها جيفري؟

تتّبع واشنطن في سوريا استراتيجية الأهداف الثلاثة (إنهاء داعش، وإبعاد النفوذ العسكري الإيراني، والوصول إلى عملية سياسية مقبولة دولياً)، لتحقيق ما تعتقد أنها ظروف مقبولة لإنهاء الحرب في سوريا. وعلى الرغم من امتلاك واشنطن لقوات عسكرية شرق سوريا، إلا أن هذا الوجود العسكري ليس الأداة الرئيسية لتحقيق أهدافها على صعيد تغيير سلوك النظام، طالما أن هذه الأهداف لا تتضمن إسقاط بشار الأسد أو تغيير نظامه.

يصلحُ الضغط الأمريكي الأخير على الدول الضامنة لمسار أستانا دليلاً على ما يمكن لواشنطن أن تفعله في الملف السوري، إذ كان التهديد بتعطيل مسار أستانا، وإعادة الملف السوري إلى أروقة الأمم المتحدة عبر تفعيل مسار جنيف، كافياً لتتحرك روسيا وتركيا وإيران، ويجتمع وزراء خارجيتها مع المبعوث الدولي إلى سوريا، وتعلن عن تسريعها العمل على اللجنة الدستورية، وعن أن هذه اللجنة ستعقد أول اجتماعاتها في أقرب وقت بعد بداية العام القادم.

وعلى الرغم من أن مقترحات ضامني أستانا لم تلقَ موافقة نهائية من الأمم المتحدة حتى الآن، إلا أن الموقف الأمريكي ساعد المبعوث الدولي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على الضغط السياسي على الدول الثلاث، وبالتحديد روسيا، لتفعيل هذا المسار، بعد أن تراجعت موسكو عن تعهدات كانت قد قطعتها بداية العام الحالي بهذا الخصوص.

هكذا، قادت التحركات السياسية الأمريكية إلى تحريك المياه الراكدة في الملف السوري على صعيد الحل السياسي، ولكن ما هي النتيجة التي تطمح الولايات المتحدة للوصول إليها؟

لدى الولايات المتحدة جملة شروط تتعلق بالظروف التي ستسمح بانخراطها، ومعها الدول الغربية، في عملية إعادة الإعمار في سوريا، وعلى رأس قائمة هذه الشروط ضمان أمن إسرائيل، وترسيخ أوضاع تحول دون إنتاج تنظيم يشبه داعش مجدداً، وهذا يعني أن الوصول إلى نظام «مستقر» يبقى جوهر هذه الشروط. وبناء على هذا، فإن واشنطن ستقبل طبعاً بأوضاع مشابهة لما قبل العام 2011، غير أن الوقائع تقول إن بقاء نظام الأسد على حاله، لن يسمح بفرض «الاستقرار» دون استخدام مستمر ومتكرر للقوة العسكرية، ودون قبضة العسكرية محكمة تتطلب استمرار الاستنفار العسكري الكامل، وتتطلب دعم الحلفاء الميداني المباشر ومن بينهم إيران.

وحتى إذا نجحت موسكو في تنفيذ الحلّ الذي تريده، وهو استعادة النظام لسيطرته على كافة الأراضي السورية، دون أي تغيير في سلوكه حيال خصومه، فإن مناطق سورية عديدة ستبقى عرضة للاضطراب ومحاولات الخروج عن سلطة الأسد، الذي لا يستطيع بإمكانياته العسكرية الذاتية فرض سيطرته الكاملة، كما أنه لا يستطيع حتى بدعم حلفائه الاقتصادي إعادة إعمار المدن التي دمرتها آلته العسكرية.

الاستقرار في هذه الظروف لن يكون ممكناً، حتى من وجهة نظر الغرب والمحيط الإقليمي. ولن يكون هناك مفرّ إذن من تحقيق بعض التغييرات في النظام، تحديداً في ملفات الإدارة والأمن والجيش. ويبقى الاستعصاء المستمر متمثلاً في أن سبع سنوات من القمع المتواصل لخصوم النظام، تثبت بسهولة أن نظام بشار الأسد غير قادر على إجراء أي تغييرات خاصة في تلك الملفات. وفي حين يراهن النظام على إجراء بعض التغييرات تجميلية، باعتبارها الحد الأقصى الذي قد تصل إليه تنازلاته، فإن ذلك غير مقبول بشكل واضح من واشنطن، التي تعرف جيداً أن هذا لن يأتي بالاستقرار المنشود.

لن تتحرك واشنطن للإطاحة ببشار الأسد الآن، هذا أمرٌ مؤكد. ومن المُرجّح أنها لن تفعل هذا في أي وقت لاحق، لكن استمرارها في ممارسة الضغط السياسي، يقود إلى استمرار حد أدنى من التوازنات التي تمنع موسكو من إنجاز حّلّها العسكري الشامل. وفي هذه الأثناء، ليس مضموناً أن تظلّ الظروف الدولية مواتية دوماً للنظام، لأن تصاعد حدة العداء تجاه إيران -التي تواجه موقفاً اقتصادياً صعباً- قد يؤدي في المستقبل إلى تغييرات تسمح بما لم تسمح به الظروف الدولية خلال السنوات الماضية.

لا تريد واشنطن الإطاحة بالأسد، لكنها أمام معضلة تتمثل في أن تحقيق شروطها في سوريا يبدو أمراً صعباً مع بقاء الأسد ونظامه. هذا هو التناقض الرئيسي، الذي قد يسمح بخلق منفذ لحل سياسي في الفترة المقبلة.