ما رأيك أن نتفرج عليك؟

 

استحوذت القضية السورية على اهتمام الفنانين السوريين وغير السوريين خلال العشر سنوات الماضية أكثر من أي قضية سياسية أو إنسانية أخرى، وقُدمت أعمال فنية وإبداعية كثيرة في المسارح وعلى الشاشات وفي المعارض، سواء كانت عن الحدث السوري أو مرتبطة به بشكل أو بآخر. وبالرغم من الجهد التوثيقي والإبداعي الذي بذله السوريون من أجل التأثير في الرأي العالم العالمي وحثه على التعاطف مع السوريين، إلا أن اهتمام العالم بالحدث السوري بدأ بالانحسار، ولم تعد القضية السورية مصدراً جذاباً للقصص والإبداع الفني عند الجمهور العربي والغربي. أو على الأقل هذا اعتقادي الشخصي، إلى أن استطاع الفيلم التونسي الرجل الذي باع ظهره (2020) للمخرجة التونسية كوثر بن هنية دفعي لإعادة التفكير بهذا الاعتقاد.

كما يوحي العنوان الفيلم، هو عن قصة الشاب سام، يؤدي دوره الفنان السوري يحيى المهايني، الذي قرر أن يبيع ظهره للفنان جيفري غوديفري المشهور، مؤدياً دوره الممثل البلجيكي كون دو باو، من أجل أن يوشم عليه عمله الفني الجديد، مقابل تأشيرة تسمح لسام بدخول أوروبا بحثاً عن حبيبته عبير. والتي تلعب دورها الممثلة الفرنسية ديا ليان. لكن في الفيلم قصة أخرى اختبرها السوريون كثيراً بعد عام 2011، وهي قصة تحول أصحاب القضية إلى موضوع للفرجة، حيث تنتهي صلاحية قضيتهم ساعة انتهاء العرض. وربما يمكنني الاعتراف أن أياً من الأفلام الوثائقية أو الروائية السورية لم تستطع التعبير عن هذه الفكرة كما فعل هذا الفيلم، وليس مستغرباً أن من استطاع اجتياز عتبتَي المباشرة والالتصاق بالواقع في الأعمال الفنية كانت مخرجة من خارج السياق السوري اليومي، كتبت فيلماً روائياً، ليس عن السوريين تماماً، بقدر ما هو عن النظرة الأوروبية للآخر اللاجئ في مجتمع الفنانين والمؤسسات الفنية. 

أن تخوض بن هنية في دوامة العرض والفرجة، التي سيطرت على شروط إنتاج وصناعة عدداً كبيراً من الأعمال السينمائية السورية الروائية والوثائقية في السنوات الأخيرة، دون الاستسلام لشروط هذه الدوامة، هي الخطوة الأكبر التي استطاع الفيلم أن يخطوها، مرتكزاً على النص والسيناريو أولاً، وعلى جمالية تصميم المشاهد بصرياً ثانياً، حيث تحكي الكوادر واللقطات التي تم اختيارها في الفيلم جانباً آخراً من الحكاية، لتعطي بعداً محسوساً لشخصياتها. تعيش هذه الشخصيات بين بيروت وبلجيكا، وتعمل ضمن مجتمع الفنانين وبين الأثرياء محبّي اقتناء القطع الفنية. وفي هذا الوسط تعيش وتتطور شخصية سام، الشاب السوري الهارب من الرقة، والذي يبحث عن حبيبته في هذا العالم الأبيض البارد والمزيَّف. يضاف إلى ذلك أداء الممثلين، وتحديداً أداء مهايني التهكمي، والذي أضفى بعداً ساخراً سوداوياً على شخصية سام ومصيره المنتظر. وبالرغم من أن المشاهد السوري سيلاحظ أخطاءً إخراجية في مشاهد معينة في الفيلم، خاصة في المشاهد المصورة في تونس على أنها تحدث في سوريا، لكنها أخطاء يمكن تجاوزها طالما أن الحكاية الرئيسية نجحت بجذب المشاهد إليها.

ثلاثة أبعاد أولية تتبادر إلى ذهننا عند الحديث عن فعل العرض: أن «تعرض» شيئاً ما. أولاً العرض الفني أمام الجمهور، وتقديم عرض شارح توضيحي لفكرة أو حدث ما، والعرض مقابل الطلب في عملية الشراء والبيع. هذه الأبعاد الثلاثة هي الأبعاد الجوهرية التي يحاول الفيلم تغطيتها، من خلال قصة سام مع الفنان البلجيكي الذي جعل من ظهره لوحة فنية، يتنافس محبو الفن على شرائها، أو بكلمات أدق، على عرض سام؛ شرائه وبيعه في دول أوروبية تقدّس حرية الإبداع وملكية العمل الفني أكثر من حرية الفرد. الشخص المعروض هو سام، لاجئ سوري، وهو يعرض لوحة تختصر حلم ملايين السوريين والمهاجرين من الدول الفقيرة، وحينها تتضاعف متعة الفرجة وتستحق التضحية بجانب من حرية الفرد المهاجر، مثل استخدام جسده وجلده، على الأقل خلال ساعات العمل. وهو عمل بسيط جداً: كل ما عليك أن تعرض ظهرك للجمهور مقابل حياة رفاهية في فنادق فخمة وراتب محترم!

تبدو هذه الصفقة عادلة لكلا الطرفين، للفنان وللمعروض، وضمن هذه الشروط لا يمكن اعتبار وشم لوحة فنية على ظهر سام استعباداً أو استغلالاً له، خاصة أنها تمت بموافقة سام. على العكس، ضمن الخيارات المحدودة للسوريين، قد تبدو هذه الصفقة هي طوق النجاة الوحيد أمام سام من أجل الهروب من سوريا التي مُنع فيها من الحب والحرية، ومن بيروت التي عاش فيها فقيراً. هذه الصفقة التي عقدها سام في الفيلم ليست مجازاً، بل هي قصة واقعية حدثت فعلاً، كما أنها حدثت مرات عدة وفي مناسبات مختلفة مع أغلب الفنانين السوريين في أوروبا، الذين اضطُروا للموافقة على تنازلات عديدة والقبول بشروط مُهينة أحياناً من أجل تأشيرة سفر أو عقد عمل. وربما يمتلك المشتغلون في قطاعات الفنون حساسية خاصة تجاه فكرة العرض، بأبعادها الثلاث، لأن التعاطي معها يشبه عملية تفكيك الألغام، التي يمكن أن تنفجر بوجه الفنان أو الممثل أو المخرج بأي لحظة. كيف يمكن أن تعرض عملاً فنياً ما، عن قضية إنسانية وسياسية ما، دون التورط بعملية البيع والشراء التي يفرضها السوق، القائمة على الابتزاز العاطفي أو النظرة الغرائبية الاستشراقية.

يقف هذا الفيلم في مساحة شديدة الحساسية ولحظة زمنية معقدة، عندما يتحول المتحف إلى مكان بارد موحش يعرض لوحات وآثاراً متحفية؛ عندما تتحول أجساد البشر، وتتحول سنوات من المعاناة والظلم والحرب، إلى ساعات عرض لها مواعيد افتتاح وإغلاق. مهمة أي عمل فني أن يقتصد ويكثّف القصة إلى عناصر أساسية تحكي عن القضية الإنسانية التي يتطرق إليها، لكن هذا فعل خطير أحياناً، وقد يهدد استدامة أي اهتمام عالمي فعّال بأي قضية إنسانية، وقد يعلو صوت العمل الفني على صوت أصحاب القضية أنفسهم.

في الفيلم، يختصر الفنان جيفري غوديفري معاناة اللاجئين والمهاجرين من سوريا ومن بلدان أخرى إلى رمز واحد، وهو تأشيرة الشنغن، لكن هذا الرمز المرئي يمثل جزءاً بسيطاً مقتطعاً من الحكاية، ولا يمثل ما يدور في النفس البشرية التي تحاول النجاة والحياة.

اختصار معاناة آلاف البشر إلى رموز محددة عملية قد تصيب أحياناً، لكن احتمالات الفشل فيها أكبر، وقد ينتج عنها عمل فني جميل بصرياً لكنه منحط أخلاقياً أو بأحسن الأحوال يجعل القضية الإنسانية التي يمثلها تحترق تدريجياً، مستهلكة، ومتحفية، ونخبوية تخص طبقة محددة من المجتمع، أو تتبع أذواق جماعة من المتفرجين الأوروبيين الذين يحبون التفرج على أجساد المهاجرين ومعاناتهم وقضاياهم، وربما شراء بعض منها، لكنهم دائماً متفرجون أحرار يُشيحون النظر متى يرغبون، أما الجسد أو الروح المنكشفة أمامهم فدائماً موجودة للعرض، أسيرةَ عين وإدارة المعرض، وقصة سام هي قصة عن محاولة الانفكاك من دوامة الفرجة هذه، واستعادة حريته خارج عين المتفرج.